الرمزية (SYMBOLISME)
قاموس مصطلحات رينيه غينون، Jean-Marc Vivenza
لقد وصل عالمنا المعاصر —بفعل غلبة النزعة العقلانية واستلاب الكمّ— إلى مرحلة من النسيان المطبق للمعرفة الجوهرية التي ورّثها التقليد الأصلي (الفطري)، مما أصاب هذا العالم بالعمى والعجز عن تفعيل روح النخبويّة الفكرية (الإدراك العقلي المحض) الحقيقية؛ تلك الروح الكفيلة بالهداية إلى العرفان الأصيل. يرى رينيه غينون أنه في مواجهة هذا الوضع المقلق، وأمام الوهن الشديد الذي أصاب المستوى التعليمي (العقائدي) في مجال العلوم المقدسة، ظلت الرمزية —ولا تزال إلى يومنا هذا— هي "الوسيلة الأسمى" التي تتيح مقاربة أو تعليم الحقائق علوية النظام، أي تلك التي تندرج في إطار ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) أو الدين. وهي حقائق تضاد الحداثة والعقلانية الجوفاء (المجدبة) من خلال سماحها الدقيق بالولوج إلى المعرفة الجوهرية والروحية التي غدت، للأسف، مهملة تماماً([1]).
ولا جرم —وهو ما يمكن ملاحظته دون عناء— أن الرمزية في عصرنا هذا غدت غرضاً لجهل حقيقي بمقاصدها، غير أن القدرة "الإيحائية" للرموز مشحونة بقوة برهانية تجعل من المشروع تماماً، بل ومن المندوب إليه، الشروع في عمل يستهدف "إيقاظ" العقول والأذهان التي لم يطلها العطب بعد، وذلك عبر هذا المسلك الإيحائي المخصوص. وفي هذا الصدد، لا يفتأ غينون يذكّر بأن الرمزية، وفي سائر عهود البشرية، "مهيأة خصيصاً لمقتضيات الطبيعة الإنسانية"؛ هذه الطبيعة التي لا تتحرك في مستوى "عقلي محض"، بل "تحتاج إلى سند حسي لكي ترتقي نحو الفضاءات العلوية". إن الرابطة بين النفس والجسد تقتضي مراعاة مكوّنات الإنسان ذاتها، أي ذلك التناسب المستمر بين الروح والجسد، وبين الظاهر والباطن، والروحاني والمادي. ولهذا السبب، يمكننا أن ندرك بيسر أن التعبيرات الأكثر "تجرداً وعقليّة" ليست في واقع الأمر سوى رموز للفكر، تُرجمت بشكل مادي عبر اللغة، التي تدل أصولها "الصورية" (الإيديوغرافية) دلالة واضحة على صلتها الوثيقة بـ "الصورة"؛ والصورة في جوهرها ليست شيئاً آخر —كما يؤكد غينون ببراعة— سوى "رمزية تطبيقية". فبدلاً من أن يمثلا طرفي نقيض، نجد أن الرمزية واللغة يشتركان في ذات الطبيعة البرهانية والإيحائية؛ فما تُظهره اللغة أو توحي به عبر الكلمات، يكشف عنه الرمز كشفاً فورياً من خلال الصورة، فهما إذن متكاملان على نحو وثيق ويغني كل منهما الآخر([2]).
بيد أنه إذا كانت اللغة في جوهرها "تحليلية" و"استدلالية" (بيانية)، فإن الرمز يستنهض الحدس المباشر، والإدراك الحسي الذي لا يعده غينون "حدساً أدنى"، بل هو في نظره إمكانية للانفتاح على تصورات غير متناهية حقاً. وبينما تضع اللغة —بسبب جانبها "المنطقي" الذي لا مفر منه— "حدوداً وقيوداً ضيقة نسبياً أمام الفهم"، نجد أن الرمز يستحضر مباشرة، وبقوة مذهلة، حتى أكثر الأفكار تعقيداً. وهذا ما يفسر كيف أن الحقائق الأكثر تعاليًا وسُمُوًّا، والتي يستعصي الإفصاح عنها وفق نظام اللغة، يتأتى لها مع ذلك أن تُنقل —وإن كان ذلك على نحو غير مكتمل تماماً— من خلال القالب الرمزي([3]).
بناءً على ما تقدم، لا تعدُّ الرمزية ضرورة تمليها طبيعة الحالة البشرية فحسب، بل إنها تفرض نفسها فرضاً لأن أصلها —إذا ما أمعنا النظر فيه ملياً— لا يمكن أن يكون إلا "غير بشري" بالمعنى الحقيقي للكلمة. فالحقيقة التي يسهل إدراكها لمن تدبّر، هي أن سنن الطبيعة ليست سوى انعكاس —وإن كان قاصراً— لسنن الحق سبحانه أو "المشيئة الإلهية"؛ وهذا يعني صراحةً أن الرمزية تستمد أصلها ومنبعها، من وراء طور البشر، من عين المبدأ (المنشأ الأقصى). وليس من قبيل المصادفة، كما يؤكد رينيه غينون، أن تستهل فاتحة إنجيل يوحنا كلماتها بالحديث تحديداً عن الجانب الأزلي للفكر والكلمة: "في البدء كان الكلمة (اللوغوس)". إن في ذلك ما هو أبعد من مجرد إشارة عابرة، إذ يُكشف لنا هنا عن جوهر الخلق وعن الطبيعة الباطنة للعالم، الذي ليس هو في حقيقته سوى "اللغة التي يخاطب بها الروح اللامتناهي الأرواح المتناهية"، وفقاً لتعبير الفيلسوف بيركلي الذي استشهد به غينون لدقته المتناهية.
فإذا كان العالم قد انبثق، في أزل الآزال، بفعل "الكلمة الإلهية"، فإنه يمكن القول حقاً إن "الطبيعة بأسرها يمكن اعتبارها رمزاً للحقيقة الفائقة للطبيعة". وبما أن كل ما هو موجود، وكل ما له حظ من الوجود، إنما يستمد أصله من المبدأ الإلهي، فيصحُّ القول بأن كل موجود إنما يعبّر عن هذا المبدأ أو يترجم عنه وفق رتبته الوجودية الخاصة. وهكذا، إذا كانت الأشياء جميعاً منخرطة في نمط من "المناسبة" (المطابقة) المتسقة والشاملة التي تجعل منها انعكاساً أصيلاً للأحدية الإلهية، فإن هذه المناسبة بين مختلف مراتب الوجود يجب أن تُعتبر هي الركيزة الأساسية للرمزية([4]).
إن عالمية الرمزية، وتفوّقها منقطع النظير على سائر أشكال مقاربة الحقيقة، يجعلها مهيأة بالفطرة —كما يمكن للمرء أن يتصور— لتكون القالب الحسي للتعاليم الباطنية والشرط التلقيني (الاستسراري/التربوي الروحي). فهي الأداة الأنسب والوسيلة الأسمى للعرفان الباطني؛ إذ تمنحه سعةُ دلالتها الإيحائية القدرةَ على فتح الآفاق الفسيحة للمعارف المكتومة. ومن هنا، فهي "الوسيلة الوحيدة لنقل كل ما يستعصي على البيان —قدر الإمكان— مما يشكل الحِمى الخاص للتلقين/التربية الروحية [...]". ولهذا ندرك جلياً لماذا يرتكز منهج "المسلك التلقيني/التربية الروحية" في جوهره على دراسة الرموز؛ فهذه هي السمة المميزة لهذا "الطريق"، مثلما تميز سائر الطرق التقليدية المؤدية إلى "التحقق". وبناءً عليه، فإن نقل التعاليم الباطنية يتم في إطار الشعيرة (المنسك)، حيث يتعلم "السالك" كيفية تفعيل الرموز وبث الروح فيها؛ إذ ليست الشعيرة في هذا السياق سوى رموز "وُضعت موضع التنفيذ"، أي أنه الصورة "العملية" الحية والمشخصة للرمزية.
إن الطريق التلقيني (طريق التربية الروحية العرفانية) الذي يمر عبر معرفة معاني الرموز وتحصيل قيمتها الميتافيزيقية هو، على وجه التحديد، استيعاب للحقائق العلوية عن طريق قراءة الحقائق المباشرة المتجسدة في الصور المرئية. وبذلك، تصبح الرمزية والتلقين/التربية الروحية مرتبطين ارتباطاً وثيقاً، بل هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة؛ أي أنهما منهج واحد غايته توجيه الكائنات نحو الحقيقة الجوهرية التي تُسمى "الحقيقة الأسمى"([5]).
[1]- ملاحظات حول المصطلحات المستخدمة: Tradition primordiale: تُرجمت بـ "التقليد الأصلي" أو "الدين الفطري"، وهو المصطلح المقابل لما يسميه غينون "الحكمة الخالدة". Intellectualité: استخدمتُ "النخبوية الفكرية" أو "الإدراك العقلي المحض" لتمييزها عن "الذكاء" العادي (Intelligence)، إذ يقصد بها غينون ملكة الإدراك المباشر للحقائق الميتافيزيقية (Intellectus). Connaissance: فضلت استخدام "العرفان" لأنها تؤدي معنى المعرفة الذوقية الروحية المتجاوزة للمعلومات الذهنية البسيطة. Doctrinal: "التعليمي" أو "العقائدي"، والمراد بها هنا الأصول النظرية للعلوم المقدسة. Desséchant: "الجوفاء" أو "المجدبة"، لوصف العقلانية التي تفتقر إلى المدد الروحي.
[2]- إضاءات حول المصطلحات: Capacité évocatrice: "القدرة الإيحائية" أو "الاستحضارية"، وهي قدرة الرمز على استحضار المعنى الغيبي في الذهن. Base sensible: "سند حسي"، وهو كل ما يُدرك بالحواس ويُتخذ معراجاً للمدركات العقلية. L’esprit et la chair: آثرت ترجمتها بـ "الروح والجسد" (أو اللحم)، لبيان الثنائية التي ينبني عليها الوجود الإنساني في عالم الشهادة. Idéographique: "صورية"، وهي الكتابة التي تعتمد على الرمز التصويري للمعنى قبل تطور اللغات الأبجدية، مما يربط اللغة بالرمز ربطاً عضويًا. S’élever vers les sphères supérieures: "ترتقي نحو الفضاءات العلوية"، وهو تعبير تراثي يشير إلى عروج النفس من المحسوس إلى المعقول.
[3]- إضاءات حول المصطلحات: Analytique et Discursif: "تحليلية واستدلالية"؛ والاستدلال (Discursive) في التراث هو الفكر الذي ينتقل من مقدمات إلى نتائج، وهو نقيض "الحدس" الذي يدرك المعنى دفعة واحدة. Intuition directe: "الحدس المباشر"، ويقصد به هنا الاتصال المباشر بالحقائق دون وسائط منطقية. Bornes à l’entendement: "قيود أمام الفهم"؛ فاللغة بطبيعتها "تحد" المعنى وتؤطره، بينما الرمز "يفتحه" على آفاق أرحب. Vérités sublimes: "الحقائق السماوية" أو "العلوية"، وهي الحقائق الميتافيزيقية التي تعلو فوق مستوى العقل المجرد. Incommunicables: "يستعصي الإفصاح عنها"؛ أي تلك التي لا يمكن نقلها بالكلمات العادية لأنها تتجاوز حدود العقل الاستدلالي.
[4]- إضاءات حول المصطلحات: Non-humaine: "غير بشري" أو "فوق بشري"؛ وهو مصطلح غينوني بامتياز يقصد به المصدر الإلهي أو السماوي الذي يتجاوز المبادرات البشرية الفردية. Le Principe: "المبدأ"؛ ويقصد به ذات الحق سبحانه أو الواجب الوجود الذي تصدر عنه سائر الكثرة. Le Verbe (Logos): "الكلمة"؛ وهي تشير إلى تجلي المشيئة الإلهية في الوجود (كن فيكون). Correspondance harmonique: "المناسبة المتسقة"؛ والمناسبة مصطلح تراثي (استخدمه ابن عربي والغزالي) للدلالة على الروابط الخفية بين عالم الشهادة وعالم الغيب. Ordre existentiel: "الرتبة الوجودية"؛ فكل كائن يعكس المبدأ بحسب طاقته واستعداده في سلم الوجود. Réalité surnaturelle: "الحقيقة الفائقة للطبيعة"؛ أي الغيب المحض الذي يعلو فوق عالم المادة والحواس.
[5]- إضاءات حول المصطلحات: Ésotérique et initiatique: "باطنية وتلقينية"؛ والتلقين (Initiation) هنا ليس مجرد تعلم نظري، بل هو قبول الشخص في سلك طريق روحي عبر طقوس معينة (وهو ما يقابل "البيعة" أو "الانتساب" في التصوف). Inexprimable: "ما يستعصي على البيان"؛ أي الأسرار التي لا تفي الكلمات بحقها، وتُعرف في تراثنا بـ "الأذواق" التي لا تُدرك إلا بالمباشرة. Mise en œuvre: "تفعيل" أو "وضع موضع التنفيذ"؛ إشارة إلى أن الرمز ليس شكلاً جامداً بل هو أداة يتفاعل معها السالك. Rituel / Rite: "الطقس" أو "المنسك"؛ وهو العمل التعبدي أو الرمزي الذي يؤديه السالك وفق ضوابط تقليدية. Opérative: "العملية"؛ في مقابل النظرية، وهي تشير إلى الجانب السلوكي الذي يهدف إلى إحداث تغيير حقيقي في كيان الإنسان. Réalité Suprême: "الحقيقة الأسمى"؛ وهو المصطلح الذي يستخدمه غينون للإشارة إلى الحق المطلق أو الذات الإلهية في مرتبة اللاتعين.

تعليقات
إرسال تعليق