القائمة الرئيسية

الصفحات

 

قاموس مُصطلحات رينيه غينون

جان مارك فيفينزا

Le Dictionnaire de René Guénon

Jean-Marc Vivenza

Le Mercure Dauphinois, 2015

ISBN : 978-2-913826-17-5

 



 

تخليدا لذكرى الدكتور أندريه جانو

(1922-2001)

 


 

مُقدِّمَة

إنّ النور الذي لا سبيل إلى إطفائه أو عدم اعتباره لفكر رينيه غينون، والذي لم يزل—بل ازداد اتساعًا—منذ رحيله في 7 يناير 1951، إلى جانب التأثير العميق الذي خلّفته أعماله في سائر ميادين الفكر التراثي التقليدي، بل وأبعد من ذلك، تلك البصمة الخفيّة ولكن الحقيقية والراسخة التي تركها ضمن نطاق الأبحاث والتحليلات المعاصرة الأكثر توجّهًا نحو القضايا المتصلة بمختلف وجوه الفكر التأملي الخالص (réflexion)، سواء أكانت ميتافيزيقية، أو رمزية، أو تربوية روحية (initiatique)؛ كلّ ذلك كان يقتضي إتاحة أداةٍ عمليةٍ حقيقية، سهلة التناول والرجوع، تعرض مختلف المصطلحات التي استعملها غينون في مؤلفاته المتعددة، بحيث توضع أخيرًا بين يدي القارئ، تيسيرًا للنفاذ إلى هذا الفكر الجوهري.

لا ريب أنّ محاولاتٍ عديدة قد أُنجزت في الماضي، ونقصد بذلك—في المقام الأوّل—ذلك «الفهرس» القيّم الذي قدّمه (André Désilets) في حينه، والذي ندين له بالكثير في إعداد قاموسنا الخاص؛ إذ كان هذا «الفهرس» يرمي منذ البداية إلى الاستجابة للمطالب المشروعة للقرّاء، كي يتيسّر لهم التحرّك بقدرٍ أكبر من السلاسة داخل المتن الغينوني الواسع. غير أنّ «قاموسًا» حقيقيًا وأصيلًا لـرينيه غينون كان لا يزال بانتظار من يكتبه؛ قاموسٌ يقدّم، بصورة شبه فورية، تعريفًا لأهمّ المصطلحات الواردة في مؤلّفات هذا المفكّر الجليل. قاموسٌ يتيح مقاربة واضحة، وشاملة، وملموسة وتطبيقية للمفردات —التي تكون تخصصية أحياناً، وغامضة غالباً لدى غالبية القراء— والمستخدمة في كتب مؤلفنا.

لقد كان مقصدنا إبان تدوين هذا القاموس، هو أن نعرض —بأقصى ما استطعنا من أمانة— فكر رينيه غينون ذاته؛ ومن ثمَّ أن نتوخى أقصى درجات الشفافية، بل لعلنا نجرؤ على القول: أقصى درجات "الغياب"؛ لكي لا يبرز إلا المعنى الخالص والأصيل لهذا الفكر، وحرصاً منا —قدر الإمكان— على ألا نُدرج فيه شيئاً من عند أنفسنا. ولعل من المفيد التذكير بأن رينيه غينون كان يرفض بشدة، على المستوى الشخصي، أي دعوى للتفرد أو "الأصالة" في عرض آثاره، وكان يشدد على صبغتها "اللامشخصة" والعابرة للزمان؛ معلناً أنها ليست سوى صياغة محددة لـ"الميتافيزيقا الكلية"، صيغت لتناسب حقبة بعينها وعصراً مخصوصاً. وفي خدمة هذه "الحكمة الخالدة"، وضعنا أنفسنا بدورنا، ولم يكن طموحنا الوحيد إلا المساهمة —من خلال عملنا هذا— في تسليط الضوء عليها والتعريف بها؛ مع إدراكنا اليقيني بأن الدور العظيم الذي نهض به رينيه غينون في تجلية "الحكمة الأزلية" لعصرنا هذا، هو دور فريد، وسيادي، ولا يُقاس بغيره، مما يمنحه مقام "الأستاذية" المنقطع النظير، وهو مقامٌ نُقرّ له به إقراراً تاماً في كل ما يخص عصرنا الراهن.

1- دور ووظيفة رينيه غينون

في هذا الصدد، لا يزال كثيرٌ من معاصرينا يتساءلون بصدق: فيمَ تمثَّلَ—على الحقيقة—إسهامُ غينون، ذلك الذي يُقال في غير موضعٍ إنّه إسهامٌ أساسيّ؟ وكثيرًا ما يجدون، تبعًا لذلك، صعوبةً في تقدير أهمية عمله ودوره تقديرًا صحيحًا؛ بل يمكننا أن نقول—دون تردّد—إنّهم يعسر عليهم إدراك «وظيفته» من منظور التراث أو تقليد. والحقّ—ونحن نُقِرّ بذلك طوعًا—أنّ من يجهل حالة الاضطراب والالتباس التي كانت تعيشها بقايا الفكر التقليدي في مطلع القرن العشرين، لا يستطيع أن يفهم مقدار التوضيح الجذري الذي أنجزه غينون في هذا المجال، والذي نحن جميعًا مدينون له به اليوم في تواضع. فقد تصدّى، بطاقةٍ نادرة، لمختلف الصور المنحرفة والخاطئة من الإخفائية (occultisme)، والاستحضارية أي تحضير الأرواح، والثيوصوفية، وهي تيّاراتٌ كانت سائدة آنذاك، تدّعي—زورًا—سلطةً على العقول، وتنشر—للأسف—نظرياتٍ ما تزال آثارها الضارّة باديةً بوضوح في كثيرٍ من عناصر «الروحانية الزائفة» (pseudo-spiritualité) المعاصرة. غير أنّ هذا الجانب الأوّل—على أهميّته—لا يكفي وحده، بعيدًا عن ذلك، للإحاطة بسعة فعل غينون؛ لاسيّما وأنّ هذا الفعل يمتدّ عبر مجموعةٍ واسعة من الميادين التي يعسر على الذهن أن يحيط بكلّ آفاقها الشاسعة—بل والمذهلة، إن صحّ التعبير. ومن ثمّ، ينبغي أن نقرّر—بوصفه أصلًا أوّل—أنّ غينون هو، بحسب أطروحتنا على الأقلّ، ممثّلٌ أصيل، وشاهدٌ داخل العالم الحديث، على التراث الروحي أو التقليد (Tradition) الحقّ، أي على «التقليد الأوَّلاني أو المِلة الأصلية الأولى» (Tradition primordiale).

إنّ هذا الدَّور، وهذه «الوظيفة» (fonction)، لا يحقّ لأحدٍ أن يدّعيها سواه، وذلك دون أدنى ريب. فعمله—في كلّ نصوصه—ليس إلا تذكيرًا دائمًا بتلك الصفة الملازمة له؛ كما أنّ حياته ذاتها تمثّل صورتها الأشدّ فرادةً، والأبلغ دلالةً، وتقدّم برهانها النموذجيّ. لقد كان غينون حقًّا رجلَ فكرٍ واحد، واتجاهٍ واحد؛ لم يحد عنه قطّ، ولم ينحرف عنه في أيّ لحظة. ولم يكن ثمّة شيء—من الوجهة الوجودية—يمكن أن يتقدّم عنده على تلك «المهمّة» الأصيلة، التي كان يستشعر أنّها قد أُنيطت به شخصيًّا، لأسبابٍ خفيّة. ولئن بدا في مثل هذا القول ما يثير العجب، فإنّ النظر المتأمّل في تلك الوحدة الظاهرة بين الحياة والعقيدة عند غينون، لا يملك إلا أن يفضي بطبيعته إلى الإقرار بهذا المعنى.

غير أنّه ينبغي الإقرار بأنّه لم يكن في عناصر حياة هذا الطفل، المولود في Blois يوم 15 نوفمبر 1886، والمنشأ في وسطٍ كاثوليكي، والتلميذ في مدرسة نوتردام ديه آيد ثمّ في ثانويّة أوغستان-تييري، والذي انتقل إلى باريس سنة 1904 لإعداد إجازة في الرياضيات—لم يكن في كلّ ذلك، على الأقل في الظاهر، ما ينبئ بأنّه سيُدعى إلى إنجاز مهمّةٍ بمثل هذه الأصالة والتفرّد. وبعد زواجه في يوليو 1912 من الآنسة بيرت لوري، وهي شابّة من تور (Tours) وصديقة للعائلة، واستقراره في شقّةٍ صغيرة بشارع سان-لويس أون ليل، مع عنايته بابنة أخٍ لا تتجاوز الرابعة من عمرها، بدا أنّ غينون مُقبلٌ على حياةٍ هادئةٍ للغاية، منتظمةٍ ومضبوطة الإيقاع. غير أنّه، منذ قراره الحاسم سنة 1905، حين تخلّى نهائيًا عن دراسته لينغمس كليًّا في الأوساط الغيبانية أو الخفيانية والباطنية في العاصمة، دخل غينون—دخولًا لا رجعة فيه—في ميدان البحث والسعي الميتافيزيقي، وهو الميدان الذي لم يغادره بعد ذلك قطّ.

وقد انخرط غينون، في تلك المرحلة، في مختلف المدارس ذات الادّعاء «الباطني» (ésotérique) التي كانت تأويها مدينة باريس آنذاك—من قبيل الطريقة المارتينية (Ordre martiniste) المرتبطة بـ Papus، وطقس ممفيس-مصرايم (Rite ancien et primitif de Memphis Misraïm)، والكنيسة الغنوصية (Église gnostique) التي بلغ فيها حتى رتبة «أسقف»—فخرج من ذلك كلّه بمعرفةٍ واسعةٍ بهذا الوسط الذي يختزن، من الوجهة الروحية، أحسن ما فيه وأسوأه على السواء. وثمّة أمرٌ جديرٌ بالتنبيه: إذ يبدو جليًّا أنّ غينون، في تلك السنوات التي اغتذى فيها من اكتشافاته الكثيرة، قد انتفع—دون أدنى شكّ—بتعليم مشايخ مشرقيّين مؤهّلين. ويكفي أن نُلقي نظرةً على إهداء كتابه *رمزية الصليب* (Symbolisme de la Croix)، لنقرأ فيه: «إلى الذكرى الموقّرة لـ (الشيخ عبد الرحمن عليش الكبير العالم المالكي المغربي)، الذي تعود إليه الفكرة الأولى لهذا الكتاب»، وقد أُلحق بهذا الإهداء تاريخ: 1329-1349 هـ، أي سنة 1329 للهجرة، الموافقة لسنة 1912 من التقويم الميلادي؛ وهي السنة نفسها التي دخل فيها غينون الإسلام، متّخذًا اسم (عبد الواحد يحيى)، أي «عبد الواحد». وكما يتبيّن، فإنّ التوجّهات الكبرى في حياته قد تبلورت في وقتٍ مبكّر؛ ومن ثمّ، فإنّ رحيله إلى القاهرة في 20 فبراير 1930، بعد وفاة زوجته سنة 1928، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه تحوّلًا مفاجئًا أو انقلابًا طارئًا في نمط وجوده في العالم. بل كان هذا الرحيل استمرارًا طبيعيًا ومنطقيًا لحياةٍ كُرّست بأسرها لتعميق وتحقيق «الواحد الضروري أو التوحيد أو وحدة الوجود العرفانية» (l’unique nécessaire)؛ وهو ما يفسّر أنّه، حين استقرّ في مصر إثر تلك الرحلة، أقام فيها إقامةً نهائية حتى وفاته سنة 1951، متفرّغًا كلّيًا لتلك المهمّة التي ميّزته، أعني مهمّة الإيضاح النظري، ومتوافقًا في الوقت ذاته مع الصورة الخاصة لـ«الوجود في العالم» التي تلائمه أتمّ الملاءمة.

إنّ غينون، وقد كان مشغولًا على امتداد حياته كلّها بمهمّته، كان نافذًا حقًّا إلى إدراك هذه «الوظيفة»، التي تتجلّى أهميّتها—فيما يتعلّق بإبراز (إظهار) وإعادة (إرجاع) الميتافيزيقا الأصيلة والعلم المقدّس (science sacrée)—بوصفها أهميّةً أساسيّة لا سبيل إلى إنكارها. وهذه «الوظيفة» عند غينون، ولا سيّما من حيث كونها إعادة تقريرٍ  للمبادئ العقديّة/العرفانية، تظهر بجلاءٍ لافت منذ كتابه الأوّل مدخل عام إلى دراسة العقائد الهندوسيّة، الصادر سنة 1921، والذي يقدّم—في صياغةٍ أولى—جميع الأطروحات التي ستُفصَّل لاحقًا في مؤلّفاته. فهذا الكتاب يمثّل، في الحقيقة، نوعًا من «إعلان الإيمان» الأصيل، وعرضًا دقيقًا للأسس النظرية التي ستقوم عليها مجمل أعماله اللاحقة. فماذا يُذكّرنا به غينون في هذا النصّ الأوّل؟ وما الذي يقوله ممّا كان قد نُسي—تقريبًا—حتى عند أرقى العقول؟ إنّه يقرّر، ببساطة، تلك الحقيقة العظمى التي مفادها أنّه يوجد، في منبع جميع تقاليد الإنسانيّة التراثية الروحية، «تقليدٌ أوّلي أو تراث أوَّلاني أصيل أو مِلة أصلية أولى» ذو أصل «غير بشري»، وأنّ مبادئه تتجلّى على نحوٍ كامل فيما يُسمّى بـ«الميتافيزيقا الكُلِّيَّة».

إنّ هذا التذكير—الذي يكتسي قيمة تقريرٍ «مبدئي»، والذي ينبثق منه في الأصل مجملُ فِكر غينون—يمكن، في الحقيقة، اعتباره ما يُسمّى بـ«المعرفة المحضة أو الخالصة» (connaissance par excellence)، تلك التي تتجاوز جميع النُّظُم والصيغ الدينية الجزئية. وفي هذا الصدد، يقول غينون: «إنّ ما هو ميتافيزيقي هو ما لا يتغيّر؛ كما أنّ كُلِّيَّة الميتافيزيقا هي التي تمنحها وحدتها الجوهرية، تلك الوحدة التي تُقصي تعدّد الأنظمة الفلسفية بقدر ما تُقصي تعدّد العقائد الدينية، ومن ثَمّ تمنحها ثباتها العميق وعدم قابليتها للتبدّل.»

2- المنظور الميتافيزيقي

يتبيّن بسهولة، عند التأمّل، أنّ هذه الوحدة العقديّة/المبدئية لم يُعبَّر عنها في الغرب بمثل هذا القدر من الدقّة؛ وأنّه، وإن كانت قد عُرفت، فإنّها ظلّت حكرًا على طوائف باطنيّة صغيرة جدًّا، مغلقة بطبيعتها إغلاقًا شديدًا. وصحيحٌ أنّ الميتافيزيقا كانت، على امتداد التاريخ الغربي، موضوع دراسةٍ دقيقة، غير أنّها كانت دائمًا خاضعة لوجهة النظر الدينيّة التي كانت تدّعي لنفسها سلطةً عليها. أمّا الإشكال الحقيقي، فيكمن في أنّ الغرب في العصور الوسطى كان يُدرج الميتافيزيقا تحت تبعيّةٍ كاملة لعلم اللاهوت.

وعلى خلاف الشرق، الذي يتيح سبيلاً إلى كُليَّة الميتافيزيقا يكاد يكون «طبيعيًا»، لم يبلغ الغرب هذا الأفق إلا عبر مرشِّحٍ محدود هو الدين، أي بتقليص بُعدها الحقيقي بفعل حضور عنصرٍ عاطفي ملازمٍ للمجال الديني الظاهري (exotérique). فالفارق الجوهري بين المنظور الميتافيزيقي والمنظور الديني يتمثّل في أنّ هذا الأخير يُدخِل في رؤيته عنصرًا أساسيًا، هو ذلك البُعد العاطفي أو الانفعالي، الذي يؤثّر في العقيدة ذاتها، ويحول دون قدرتها على النفاذ إلى جوهر المنظور الميتافيزيقي الخالص. ومن هنا، فإنّ تأثير هذا العنصر الوجداني لا يمثّل مجرّد مساسٍ قويّ بنقاء الفكر العقليّ للعقيدة، بل هو—على نحوٍ أعمق—«يُعبّر، ولا بدّ من القول، عن انحطاطٍ قياسًا إلى الفكر الميتافيزيقي…». ولهذا يدعونا غينون إلى الشروع في تجاوزٍ نظريّ، بوصفه الشرط الأوّل في تحقيق عودةٍ فعليّة إلى المبادئ (principes)، وهو الشرط الذي يتيح العبور إلى ما وراء الأشكال، وتخطّي التعلّق الوجداني، قصدَ بلوغ ما يسمّيه «الميتافيزيقا الحقّة». ذلك أنّ الميتافيزيقا الخالصة، بحكم ماهيّتها، مستقلّة عن جميع الأشكال، قائمةٌ في ذاتها فوق كلّ التعيّنات الجزئيّة التي قد تتلبّس بها أحيانًا؛ فهي، من ثمّ، ليست شرقيّة ولا غربيّة، بل كلية. أمّا الأشكال الظاهرة، فهي—بطبيعة الحال—تكون شرقيّة أو غربيّة تبعًا لمقتضيات الضرورات العَرَضيّة، «غير أنّه، تحت هذا التنوّع، يوجد أساسٌ واحد يتكرّر في كلّ مكانٍ وزمان، حيثما وُجدت ميتافيزيقا حقّة؛ وذلك لسببٍ بسيط، وهو أنّ الحقيقة واحدة».

وبعد تحقّق هذا الفهم الأوّل، يغدو من اللازم كذلك—وبصورةٍ موازية—تحريرُ الميتافيزيقا من التحديدات الاختزالية التي وسمت تاريخها في الغرب وحدّدته. ذلك أنّه، منذ أرسطو، وبفعل تصوّره شديد التقييد لـ«الوجود بما هو وجود»، جرى اختزال الميتافيزيقا في علم الوجود؛ مع أنّ «الوجود» (être) بعيدٌ جدًّا عن أن يكون أعمَّ المبادئ على الإطلاق، «وهو ما كان يلزم لو جاز اختزال الميتافيزيقا في الأنطولوجيا؛ إذ إنّه، وإن كان أسبق التحديدات الممكنة جميعًا، فإنّه يظلّ مع ذلك تحديدًا، وكلّ تحديدٍ هو حدٌّ، وهو ما لا يمكن للمنظور الميتافيزيقي أن يقف عنده». وهكذا نرى—كما يبيّن غينون—أنّ من الضروريّ تجاوز «الوجود» ذاته، بوصفه حدًّا أخير أُقيم اعتباطًا على طبيعة الواقع؛ بل إنّ من اللازم تخطّيه تخطّيًا جذريًا، والولوج إلى آفاق «ما وراء الوجود»، بل إنّ «هذا هو الأمر الأشدّ أهميّة على الإطلاق».

إن الميتافيزيقا الغربية لا تقف عند حد كونها "ناقصة" من الناحية النظرية فحسب، بل إنها أعجز من أن تقترح تجاوزاً للنطاق النظري ذاته؛ وهو أمر في غاية الإشكالية، إذ إن «النظرية تبدو وكأنها تُقدّم بوصفها غاية في حد ذاتها، بدلاً من أن تكون موجّهة صراحةً نحو تحقق (فعلي) مطابق لها([1])، كما هو الحال دوماً في سائر المذاهب الشرقية». وبناءً على ذلك، فإن الميتافيزيقا "الجزئية" التي يعرفها الغرب، لابد لها حتماً أن تنفتح على «المعرفة الفوق-عقلانية، الحدسية والمباشرة».

إذا كان ميدان الحدس الفكري الخالص هو ميدان المبادئ، فلأنّه، في الحقيقة، متّصل—بواسطة «العقل المتعالي» (intellect transcendant)—بالنظام الكوني أو الكلي. فنحن هنا لسنا بإزاء ملكةٍ فرديّة، ولا تفكيرٍ إنسانيّ مألوف، بل بإزاء ملكة «غير إنسانيّة» (non-humaine). ويمكن تفسير ذلك على نحوٍ واضح، إذ «ليس الإنسان، من حيث هو إنسان، هو الذي يبلغ هذا المقام؛ بل إنّ الكائن الذي هو إنسان في إحدى حالاته، هو في الوقت نفسه شيءٌ آخر وأسمى من مجرّد إنسان؛ وإنّ الوعي الفعليّ بالحالات الفوق-فرديّة هو الموضوع الحقيقي للميتافيزيقا، بل هو—على وجهٍ أدقّ—المعرفة الميتافيزيقيّة ذاتها». ومن ثمّ، فإنّ القيام بهذا الانفكاك التحرّري يكتسي أهميّةً قصوى، كي نتحرّر من القيود المفهوميّة التي كبّلتنا بها الميتافيزيقا الغربيّة منذ قرون، وحالت دون إمكان الولوج إلى مستوى أرقى من الفهم؛ مستوى يفضي إلى الأفق الوحيد الذي يكمن—في العمق—في صميم المشروع الكوني الكلي للميتافيزيقا الحقّة، أعني أفق «التحقّق» (réalisation).

3- المبادئ التقليدية – التراثية

          على ضوء ما تقدّم، يتّضح أنّ الاتصال بالنظام الميتافيزيقي الكُلِّي يضع الإنسان—بلا ريب—أمام ضرورة الانفتاح على ما يتجاوزه جذريًا، وذلك من أجل تحقيق ما هو جوهريّ فيه؛ ذلك الذي هو—على نحوٍ متناقض ظاهريًا—الأبعد عن كونه «إنسانيًا» بالمعنى المألوف. وهذا الانفتاح الضروري—بل «الحيوي» إن شئنا القول، وإن كنّا هنا في أفقٍ أوسع بما لا يُقاس من المجال الضيّق للحياة المتجلّية، إذ إنّ الأمر يتعلّق بـ«الحياة الحقّة»—ليس سوى اكتشاف الأسس الثابتة واللّازمنيّة، تلك الأسس الكلية التي تتجلّى لنا، في إطار تطبيقها المباشر، تحت اسم «المبادئ».

          لم يكتفِ رينيه غينون ببيان هذه المبادئ فحسب —وهو جهدٌ هائل آنذاك بالنظر إلى ما ساد عصره من تيهٍ وخلل في الإدراك— بل سعى بدأبٍ منقطع النظير إلى إثبات ضرورة تطبيق هذه المبادئ على المجتمعات والأفراد على حد سواء. فقد أراد للوجود الإنساني أن يتناغم مع السنن الكلية العليا (النظام الفوق-بشري)، كما أراد للفرد أن يستعيد القدرة على الارتقاء إلى مستوى غايته التي وُجد لأجلها، فاتحاً له الطريق لخوض غمار رحلة العودة الطويلة إلى الأصول والجوهر. يرى غينون أن المجتمع الحديث "فوضوي" لأنه يقوم على أهواء البشر. البديل هو أن يعيش المجتمع وفق "النظام الفوق-بشري" (أي القوانين الإلهية أو الفطرية الثابتة). وأن الإنسان ليس مجرد "حيوان استهلاكي"؛ بل له "رسالة أولى" وهي معرفة الله/المبدأ. فقد وضع غينون "الخريطة" التي تسمح للفرد بأن يخرج من ضيق المادة ويرتقي لأعلى. تخيّل أن الروح الإنسانية "مغتربة" في هذا العالم، وداخلها "بوصلة" تشير دائماً نحو المركز (المبدأ). هذه البوصلة هي (الفطرة والاستعداد الأولي). العالم الحديث بصخبه وماديته يجعلنا ننسى النظر إلى البوصلة، بينما عمل غينون هو تنبيهنا لنعيد قراءتها والارتقاء نحو "المركز".

          إنّ المبادئ التقليدية التي كانت تسري في المجتمعات الموصوفة بـ«الطبيعية»، إنّما كانت تنبثق من المبدأ الأوّل المؤسِّس؛ وكانت—وقد استنارت بنوره الفائض—تُشكّل نسقًا مرجعيًا كلّه مشدودٌ إلى «مركز» واحد، ومنظّمٌ حول محورٍ ثابتٍ ومتّسق. ولم يكن الكائن الإنساني، في تلك العصور، يعرف هذا الانفصام الذي أصبح—للأسف—شائعًا اليوم بين المقدّس والدنيوي؛ إذ كانت جميع الأنشطة الإنسانية، من أفعالٍ وأحوال، مندرجةً ضمن حيّزٍ واحد لا يتصوّر أحدٌ إمكان انكساره. وكانت الوحدة تبدو أمرًا بديهيًا؛ كما أنّ القوانين، والقواعد، وأنماط العيش التي كانت تُنظّم كيفية ترتيب الجماعات الإنسانية لعلاقتها بالعالم وتفكيرها فيه، والتي كانت تضبط—بدقّةٍ نموذجية—جميع المراحل الأساسية للوجود، إنّما كانت تستمدّ مبادئها من صلتها الباطنة المباشرة بـ(المبدأ) ذاته.

غير أنّ هذا التناغم البديع وذلك التوازن القويم قد انكسرا انكسارًا عميقًا؛ فقد انقطع الرباط، وتدهورت العلاقة—على ما كانت عليه من قوّة—تدهورًا لا مردّ له، بعد مسارٍ طويل من التآكل امتدّ قرونًا عديدة، حتى أفضى إلى تلك القطيعة المأساوية التي نعانيها اليوم بعنف، ونقاسي آثارها غالبًا دون أن نُدرك علّتها، وقد أُصِبنا بعمى ناجم عن فقدانٍ جذريّ لأبسط العناصر المرجعية.

وفي هذا السياق، جاء غينون—أكثر من أيّ مفكّرٍ آخر—ليُذكّرنا بالطابع المنحرف إلى أقصى حدّ، والعميق الخطأ، الذي يسم عالمنا الراهن. ولم يفعل ذلك بالاكتفاء بعرض نقائصه الكثيرة عرضًا وصفيًا باردًا ومجرّدًا، بل شدّد—بإلحاحٍ لا يسع أيّ ملاحظٍ منصف إلا الإقرار به—على أنّ هذا الانحراف لا يرجع في أصله إلا إلى ابتعادنا المأساويّ عن (المبدأ، Principe).

غير أنّ غينون، لم يكتفِ بهذا التشخيص، بل اقترح «طريقًا»، أي منظورًا أصيلًا لأولئك الذين كانوا يستشعرون—بوعيٍ أو بغير وعي—ضرورته. وهذه الوجهة لا تقوم، بأيّ حال، على محاولة «إصلاح» بالوسائل المألوفة، أي بوسائل الفعل الإنساني المحدود، القاصر بطبيعته وغير الملائم لمثل هذا المقام. بل إنّ الأمر عند غينون يتعلّق—على وجهٍ أدقّ—بحثّ العقول على أن تتكوّن وتتشكّل بواسطة المعرفة الميتافيزيقيّة، بغية إعادتها إلى ذلك الاتحاد المفقود مع المبدأ، صونًا للوديعة التقليديّة، وتمكينًا للنفوس المؤهّلة من أن تُغذّي الأزمنة القادمة بعلمها؛ تلك الأزمنة التي لا بدّ—بحكم قانون الدورات—أن تشهد بزوغ فجر عصرٍ جديد للإنسانيّة.

وهكذا يُطرح—بادئ ذي بدء—واجبُ الحفظ، ثمّ واجبُ النقل، على أولئك الذين يُساورهم القلق إزاء الوضع الراهن ولا يستطيعون القبول به؛ وهو واجبٌ يمكن تلخيصه في «وظيفة» بعينها، هي أن يكونوا «حُرّاسًا» فعليّين: «حُرّاس» للتقليد العظيم الذي يضمّ معرفة العلم المقدّس، و«حُرّاس» لذاكرة القرون السحيقة التي غمرها النسيان، و«حُرّاس» للفُلك المقدّس (Arche) الذي تُصان فيه أسرار العمل التربوي الروحي وخفاياه، و«حُرّاس» لذلك الموضع الذي لا تُبصره عيون الجسد، لكن تُدركه بصيرة الروح؛ موضعٌ هو «أرض» (Terre)، بل «الأرض» على الحقيقة والتعريف، لأنّه «الأرض المقدّسة» (Terre sainte)، حيث يكون المبدأ حاضرًا على الدوام.

4- الرمزية والتربية الروحية (initiation)

من البدَهي أنّ هذا المشروع يقتضي وسائلَ ملائمةً لطبيعته؛ وهي وسائل—كما يُدرك بسهولة—لا صلة لها بالوسائل الدنيويّة التي يمتلكها الإنسان الحديث. ذلك أنّ إعادة إحياء المبادئ، على ما تنطوي عليه من طموح، تقوم مع ذلك على يقينٍ راسخ، هو أنّ «المعنى»—بوصفه الشاهد الملموس على «حضور» المبدأ—يمكن أن يُنسى، أو يُنكر، أو يُحارَب، أو يُرفَض، لكنّه لا يزول أبدًا زوالًا تامًّا. وصحيحٌ أنّ بلوغ هذا المعنى أصبح عسيرًا في عصرنا، بالنظر إلى الشروط التي تقدَّم بيانها، والتي أظهرها غينون بقدرةٍ تحليلية لافتة؛ غير أنّه يظلّ قائمًا حيًّا، مستترًا بمهارةٍ ودقّة تحت حجاب الرموز (symboles). وهذا يعني، من الناحية العمليّة، أنّه يمكن—في ظلّ شروطٍ معيّنة—أن يبدأ المرء أوّلًا بالإصغاء إلى الرموز، بوصف ذلك مرحلةً تمهيديّة، قبل أن يدخل «مدرستها»، لكي يتمكّن—في نهاية المطاف—من النفاذ إلى باطن المعنى، ذلك الباطن الذي يفضي إلى المبدأ.

إذا تأمّلنا قليلًا، أدركنا سريعًا أنّ ذلك النهر العظيم للمعرفة العتيقة، إنّما استطاع أن يشقّ طريقه إلى يومنا هذا بفضل الرموز؛ فمن خلالها أمكن نقل التعاليم الأشدّ انغلاقًا، وبها أيضًا استيقظت عقول أولئك الذين كانوا يستشعرون أنّ وراء الواقع المباشر، المفرط في أفقِيّته، مجالًا أوسع بكثير، يفتح السبيل إلى حالاتٍ يمكن—دون تردّد—وصفها بأنّها أسمى، لما تتجاوزه من مستوى الوجود الاعتيادي، ذلك المستوى المحدود الذي يدّعي—بصخبٍ وخداعٍ ساطع—أنّه الوحيد الممكن.

إنّ قوّة الرموز، تبدو، للوهلة الأولى، قوّةَ «إيحاء» (évocation)، وهذا صحيح في ذاته؛ غير أنّ هذه القدرة الإيحائيّة ليست، في الحقيقة، سوى مرحلةٍ أولى نحو أمرٍ أعمق وأشدّ جوهريّة، إذ إنّها تقود إلى لقاء الأساس المبدئي القائم عند أصل كلّ ما هو موجود. هذه الحقيقة حرص غينون على تذكيرنا بها بقوّة، فلم يدّخر جهدًا في سبيل إيضاح المعنى الحقيقي للرموز، والدعوة إلى إعمال أقصى درجات الانتباه تجاه هذه البقايا الجليلة لـ«التقليد الأوّلي» أو الملة الأصلية الأوَّلانيَّة، أي للميتافيزيقا الأصيلة.

إنّ تفعيل منظورٍ تقليديّ فعّال يقتضي—ضرورةً—المرور عبر علم الرموز، ذلك «العلم المقدّس» الذي وحده يملك القدرة على إدخال الكائن في حميميّة (المبدأ، Principe). ولا يتعلّق الأمر هنا—بطبيعة الحال—بمجرّد صون الحكمة العتيقة فحسب، بل يتعلّق، قبل ذلك، بالمحافظة على تلك القدرة التحرّرية التي تميّز الكائن الإنساني داخل نظام الخلق الكوني.

بيد أن هذه القدرة على التحرر (من قيود المادة) لا يمكن أن تزدهر فعلياً إلا بتلقي «مدد روحي»؛ وهو الركن الأساس الذي لا بد منه قبل الشروع في السلوك على «الطريق»، وقبل التبحر في هذا العلم المقدس الذي تحمله الرموز. وهذا «المدد الروحي»، ذو الصبغة الباطنية، ليس مجرد أمرٍ مرغوب، بل هو ضرورة قصوى لا بديل عنها؛ إذ هو الوحيد الكفيل بمنح السالك «الأهليات التلقينية، الاستعدات التربوية الروحية» التي تفتح له أبواب الحقائق العلوية، وتسمح له بالشروع في إماتة الإنسان العتيق طلباً لـ «الانعتاق الأسمى». وهذه الرؤية التي صاغها غينون مبكراً في مؤلفاته وطبقها في بحثه الشخصي، تفرض علينا سؤالاً عملياً: ما هي الهيئات المؤهلة شرعاً لمنح هذا «المدد» عبر «سلسلة تلقينية- تربية روحية» صحيحة؟ لقد كان غينون أول من أجاب على هذا السؤال بصرامة ودقة، واضعاً معايير موضوعية صارمة؛ حيث أقرَّ بأنه لا يوجد في الغرب سوى منظمتين شرعيتين تمتلكان سنداً (سلسلة) متصلاً لم ينقطع، وهما: «صحبة البنائين Compagnonnage» و«الماسونية».

وإن كانت هذه الإجابة تمتاز بفضلٍ عظيم، إذ وضعت بوضوحٍ الإمكانات الواقعيّة القائمة، فإنّها—في الوقت نفسه—أثارت طائفةً من التساؤلات المفهومة، بالنظر إلى حالة التدهور الشديد التي كانت تعانيها هاتان المؤسّستان في تلك الحقبة.

وهذا ما يفسر سبب الانفتاح نحو «الشرق»؛ ذلك المنزع الذي اعتبره غينون ضرورة حيوية لا غنى عنها. فمن شأن الشرق، في هذا الصدد، أنه لا يزال يحفظ أدلاء (مشايخ) حقيقيين، ويحتضن تراثاً روحياً (تقليداً) لم تنل منه يد الحداثة كما نالت من الغرب. لقد مثل الشرق، بلا ريب، «فرصة» سانحة لاستنهاض بذور الممارسة الروحية، بعد أن غطت في سبات النسيان العميق في ديارنا.

5- الشرق والغرب

          ومن ثمّ، ينبغي النظر إلى موقف غينون في هذا الإطار الخاص، وفهم اهتمامه بالشرق لا على أنّه مجرّد فضولٍ عابر أو نزعةٍ سطحيّة نحو الغرائبي، بل بوصفه تعبيرًا عن إرادةٍ واعية للرجوع إلى الينبوع الحيّ للتقليد (Tradition)، قصدَ إعادة تزويد الغربيّين بالوسائل الفعليّة التي تمكّنهم من خوض سعيٍ روحيّ أصيل. أي سعيٍ قائمٍ على أسسٍ حقيقيّة ومناهج مجرَّبة، قادرةٍ على أن تقود الكائن إلى «التحقّق» (réalisation).

          لا شكّ أنّنا، في عصرنا الراهن، لا نُقدّر حقّ قدره ذلك الجُهد المكثّف، ولا تلك الأبحاث المتعدّدة، ولا تلك الأصالة الجذريّة التي كانت تنطوي عليها مثل هذه الدعوة. غير أنّ الثابت هو أنّ هذا التيّار المهمّ من «العودة إلى المنابع» نحو الشرق، إنّما يدين—في جانبه الأكبر، أي في بعده العقدي والنظري—بكلّ شيءٍ لأعمال رينيه غينون. فغينون لم يكن يدعو إلى معرفةٍ سطحيّة أو مجرّد تضلّعٍ علميّ، على نحو ما قدّمته أجيال من المستشرقين الذين اكتفوا بدراساتٍ خارجيّة قائمة على ملاحظةٍ باردةٍ ومنفصلة؛ بل كان يحثّ على الالتحاق الصادق والفعليّ «بمدرسة الشرق»، أي التلقّي عنه، والانفتاح على تعاليمه، بغية النفاذ إلى صميم أسرار (arcanes) التقليد الميتافيزيقي الأصيل، أي الميتافيزيقا الكلّية، واستعادة مبادئ الميتافيزيقا الحقّة عبر ممارسة «الطرق» العريقة ممارسةً صادقة. وقد أكّد غينون—عن حقّ—أنّ الوقت قد حان للخروج من ضيق التصوّرات المحدودة التي تعمينا عن كنوز الفكر التي يمكن للشرق أن يمدّنا بها؛ كما كان يستشعر الإمكانات الهائلة التي يمكن أن تنبثق من حالةٍ ذهنيّة متجدّدة، متحوّلة بفعل المعرفة التقليديّة/التربوية الروحية. ولمّا انخرط غينون نفسه انخراطًا تامًّا في هذا المسار، استطاع أن يقيس ما يتيحه من ثراءٍ عقديّ فعلي، وأن يتحقّق من آثاره الروحيّة النافعة؛ وهو ما يفسّر—في جانبٍ كبير—ذلك اليقين الذي ميّز عرضه، وتلك النبرة الحاسمة التي لا تزال تتجلّى بوضوح في مجمل نصوصه.

          إنّ مثال غينون يكتسي، في هذا الصدد، قيمةً ثمينة؛ لا من حيث ينبغي تقليده في التفاصيل والأشكال، بل من حيث يصلح أن يكون دليلًا واتجاهًا لأولئك الساعين إلى استعادة معنى الروحانيّة وجوهرها في كلّ ما يستحقّ هذا الاسم. فقد توجّه إلى الشرق الأوسط، وإلى الهند، وإلى الصين، فاستقى من أنقى المنابع، وتلقّى أرفع التعاليم، وأصغى إلى أكثر المناهج استحقاقًا للتبجيل.

          لقد أدرك غينون—أكثر من غيره—أنّ نورًا كان يفد إلينا من الشرق، نورًا كنّا نفتقده، وأنّه ينبغي الاستعداد لتلقّي إشعاعه النفيس، من أجل إحياء «العقلانيّة/العقليّة الحقّة» في معناها الأصيل. «إنّ الإعلان بصراحة—يقول غينون—أنّ المعرفة الفكرية الخالصة لا يمكن تحصيلها إلا في الشرق، مع السعي في الوقت ذاته إلى إيقاظ هذه العقليّة في الغرب، إنّما يُهيّئ—على الوجه الوحيد الفعّال—للتقارب بين الشرق والغرب». وقد كان هذا التقارب المنشود موضع عناية غينون وجهوده كلّها، ولا يزال—إلى اليوم—ينبغي النظر إليه بوصفه غايةً يتعيّن مواصلة السعي إليها بعزمٍ وثبات. صحيحٌ أنّه لن يكون ممكنًا، في المدى القريب، استعادة الأسس الجوهريّة للتقليد الغربي عبر مبادرات الانفتاح أو مشاريع التقارب المختلفة، إذ إنّ هذا التقليد قد تعرّض—للأسف—لتحريفٍ وتشويهٍ عميقين، من شأنهما أن يعوقا، لمدّةٍ طويلة، محاولات إعادة الإحياء. غير أنّه يظلّ ممكنًا، بين الشرق والغرب، بلوغ نوعٍ من الاتفاق حول المبادئ الأساسيّة، بالاستناد إلى الطابع الكوني للميتافيزيقا الكلّية، وهذا—في نهاية المطاف—هو الأهمّ.

6- أزمة العالم الحديث

          كما يتّضح ممّا سبق، فإنّ غينون ليس مجرّد عالمٍ متضلّع أو صاحب معرفةٍ نظريّة فحسب، بل هو—طوال حياته—تجسيدٌ حيّ لتفعيل ذلك الانفتاح الجوهري نحو (التقليد أو التراث الروحي، Tradition). فقد مضى، في مختلف صور نشاطه، إلى لقاء التقليد الكوني الكلي الحيّ، وجعل منه معنى «الطريق» المؤدّي إلى العودة إلى المبادئ، تلك العودة التي رأى أنّ الشروع فيها بات أمرًا مُلحًّا في أواخر هذا العصر المظلم (كالي-يوغا، Kali-Yuga). وفي هذا المعنى—إلى حدٍّ بعيد—يكمن الإسهام العظيم لغينون؛ فدعوتُه ليست نداءً مهذّبًا ولا اقتراحًا متردّدًا، بل هي أقرب إلى الأمر المُلزِم، لأنّ الواقع يفرض ذلك، ولأنّ حالة التدهور العقلي والفكري والانحطاط الروحي قد بلغت في الغرب مدىً بعيدًا. ومن ثمّ، يلوح خطرٌ حقيقي، يتمثّل في أن يقوم هذا الغرب نفسه—بعد أن فقد كلّ صلةٍ بالتقليد—بنشر ماديّته الجارفة، وعقليّته الخالية من أيّ ارتباطٍ بالتعالي، على نطاق العالم بأسره؛ وأن يُسهم في بثّ بذور الحداثة (modernité) في مناطق لا تزال—لحسن الحظ—تحتفظ بارتباطٍ تقليديّ/تراثي حيّ، وهي بذورٌ قد تُفضي إلى خرابٍ لا رجعة فيه، وخسائر لا تُقدَّر عواقبها فيما يتعلّق بـالعلم المقدّس.

          لقد قطعت الحضارة الغربية كلّ الصلات التي كانت تُبقي، في داخلها، نوعًا من الاتصال بـ«النظام الفكري الخالص»، ذلك النظام الذي يميّز المجتمعات التقليدية من حيث الموقع المركزي الذي يحتلّه ضمن البنية الهرميّة التي تقوم عليها مؤسّساتها. فهو نظامٌ يهيمن—في تلك المجتمعات التي يمكن وصفها بـ«الطبيعية»—على مختلف المصالح الخاصّة والعامّة، مهما تنوّعت طبائعها، وهي المصالح التي تميل بطبيعتها إلى دفع الأفراد نحو التشتّت والانصراف المضطرب؛ كما أنّه النظام الذي ينظّم مجمل الأنشطة في سائر فروع الجسد الاجتماعي وقطاعاته. غير أنّ جميع الجسور التي كانت تتيح بلوغ المعرفة المقدّسة ودراستها قد انهارت؛ وتمّت قطيعةٌ حادّة مع «السرّ» (mystère)، قطيعةٌ مزّقت العالم الحديث تمزيقًا، ولأوّل مرّة في تاريخ الإنسانيّة، إلى مجالٍ دنيويّ يتّسع ويستشري أكثر فأكثر، ومجالٍ مقدّس ينكمش ويتضاءل على نحوٍ متزايد.

وقد التهمته الفردانيّة، وانحدر إلى مرتبةٍ آليّةٍ بحتة موجَّهة الغاية، وفُرِّغ من كلّ بُعدٍ روحيّ فعلي، فأضحى الإنسان الحديث خطأً—بل خطأً خطيرًا—لأنّه يتوهّم، على نحوٍ مدهش، أنّه نموذجٌ يُحتذى، وصورةٌ يُفترض أن تُقلَّد، ومرتبةٌ ينبغي للجميع بلوغها. ومن أجل ذلك، يُسخّر كامل قوّة صناعته، ويوظّف جميع إمكاناته الاقتصاديّة، ويغمر العالم بقيمه الزائفة عبر آلته الإعلاميّة، سعيًا إلى تحقيق مقاصده. ووراء جنون هذا السلوك المُدمّر، وذلك «الغزو الغربي»، تكمن رهاناتٌ تمسّ وجود المبادئ ذاتها واستمراريّتها؛ وليس من المبالغة القول إنّنا نقف اليوم عند مفترق طرق، في لحظةٍ حاسمة من لحظات التحوّل.

إن لنا مبرراتٍ شرعيةً تامة تجعلنا على يقينٍ بأن «أزمة الحضارة» لا يمكن أن تستمر للأبد، أو تتحول إلى ما قد يُسمى «حضارة الأزمة»([2])؛ وذلك ببساطة لأنه لا يُبنى على الأنقاض، ومن المحال تشييدُ أي شيءٍ مستقر على أساسٍ يتداعى. إن اختلال الموازين، و«التيه الشامل»، والتعامي عن أوضح السنن الروحية، كلُّ ذلك لا يؤدي بالضرورة إلا إلى صدامٍ مروع وفوضى عارمة، نلمسُ مقدماتها المريرة ونتجرعُ غصصها في واقعنا اليوم.

غير أنّ «عقلًا أعلى» (raison supérieure) ينبغي أن يتيح لنا النظر إلى مجمل هذه الظواهر المقلقة بشيءٍ من التجرّد، وأن يحفّزنا على إدراج الأحداث الراهنة ضمن الإطار العامّ لحركة نظام العالم نفسه، بوصفها نتيجةً للتطوّر الحتميّ لدورات الإنسانيّة أو أعمارها (الدورات الكونية، مانفنترا، Manvantaras). وعلى هذا الأساس، بدل الانزلاق إلى تشاؤمٍ مَرَضيّ أو يأسٍ لا عزاء فيه، يصبح من اللازم ردّ هذه الوقائع المقلقة إلى أفقها الحقّ، أي ربطها بالمنظور الأخرويّ (perspective eschatologique) وبـ«عقيدة الدورات» (doctrine des cycles)، إذ هما وحدهما ما يمدّنا بوسائل الفهم العميق والدقيق، الفهم الذي لا يقف عند قراءةٍ سطحيّةٍ مباشرة، عاجزةٍ عن تقديم رؤيةٍ ذات دلالة حقيقيّة للأمور.

غير أنّ «عقلًا أعلى» ينبغي أن يتيح لنا النظر إلى مجمل هذه الظواهر المقلقة بشيءٍ من التجرّد، وأن يحفّزنا على إدراج الأحداث الراهنة ضمن الإطار العامّ لحركة نظام العالم نفسه، بوصفها نتيجةً للتطوّر الحتميّ لدورات الإنسانيّة أو أعمارها (الدورات الكونية، مانفنترا، Manvantaras). وعلى هذا الأساس، بدل الانزلاق إلى تشاؤمٍ مَرَضيّ أو يأسٍ لا عزاء فيه، يصبح من اللازم ردّ هذه الوقائع المقلقة إلى أفقها الحقّ، أي ربطها بالمنظور الأخرويّ وبـ«عقيدة أو نظام الدورات»، إذ هما وحدهما ما يمدّنا بوسائل الفهم العميق والدقيق، الفهم الذي لا يقف عند قراءةٍ سطحيّةٍ مباشرة، عاجزةٍ عن تقديم رؤيةٍ ذات دلالة حقيقيّة للأمور.

7- الخاتمة: إتمام «صنيع» التقليد

تعلّمنا نصوص «الفيدا» —وهي من أقدم ما حازته البشرية، وتتمتع بسلطة لا تُنازع نظراً لصبغتها «غير البشرية» (Apaurushêya) لجهلنا بواضعيها— أن الزمن الدنيوي ينقسم إلى أربع حقب أو أعصار. ونحن نقع الآن تحديداً في أواخر آخر هذه الأحقاب، والتي تُعرف باسم «العصر الحديدي» أو (كالي يوغا - Kali-Yuga). وفي هذه المرحلة الختامية التي يبدو فيها كل شيء مضطرباً —وهو كذلك بالفعل— يشتد الشعور بالابتعاد عن «المركز» والانفصال عن «المبدأ» بأقسى صوره؛ وهو ما يكابده الأحياءُ ألماً في ظل حالة من التخلي، وفقدان المعنى، والتيه الحاد.

ومع ذلك، لا تنعدم الآيات المؤكدة على حقيقةٍ جليلة: وهي أنه كلما نأينا عن «المصدر» وتوارى عن الأنظار، وبدا وكأنه في قاصيةٍ لا تُدرك، زاد في واقع الأمر «جوانيةً» وأثبت حضوراً في عين غيابه. هي حالةٌ لا يمكن وصفها إلا بأنها «مفارقة» (Paradox)، لكنها في صلب هذا التناقض الظاهري تبثُّ إلينا أسرار التعاليم، وألطف «أسرار» الميتافيزيقا الحقة؛ ألا وهي: أن لا شيء في الحقيقة يتغير، وأن كل شيء لا يزال في حياض «الأحدية»، وما انفصل عن «التمام المطلق» طرفة عين. إن «المحور» لم يبرح «نقطة الأصل» أبداً، ونحن —منذ الأزل وإلى الأبد— متصلون ومتحدون بـ «المركز».

ولما كان من المحال قيامُ أي شيءٍ خارج نطاق «المبدأ» —الذي تطلق عليه نصوص الفيدا اسم «برهما»، أي «المنزّه عن كل تحديد أو قيد»— فإن كل شيء، كائناً ما كان، يستمد ركيزته وحقيقته من باطن هذا المبدأ، حتى الفوضى ذاتها. وهذه الحقيقة الجوهرية ليست مجرد صيغة لفظية أو حيلة حجاجية؛ فقد ذكرنا غينون بأن الغاية من معرفة ذلك ليست أن تظل حبراً على ورق، أو تخدم تأملاتٍ ذهنية مجردة، بل يجب أن تحفزنا على الانخراط الجاد في ارتقاء «جبل الصمت»، والكفِّ عن الالتفات لغوايات عالم الأوهام الخدّاعة، وإزاحة الحجاب عن جوهر الحقيقة دون وجل. ومن هذا المنطلق، يجب النظر إلى نتاج رينيه غينون بوصفه مشروعاً عظيماً لتجلية الرموز والعقائد، يهدف فعلياً إلى «استنهاض» الكائن، لكي يعزم على إنجاز عمل التحول الضروري طلباً لـ«الانعتاق». إن التقليد هو «تقليدٌ حيّ»؛ بمعنى أنه يُبذل كعلمٍ ومعرفة، ويُنقل كعملٍ وصنيعٍ يجب إتمامه، وهذا هو المعنى الحقيقي لـ«الطريق»، طريق التربية الروحية الأصيل.

إن الكائن —الواعي بالوضعية التي تقحمه فيها قيود «الظهور» (الوجود المادي) رغماً عنه— يجد نفسه ملزماً بإنجاز عمل «التقليد»؛ ذلك العمل السيادي الضروري للعودة إلى «المركز»، والرجوع إلى «النقطة الساكنة» حيث تتناغم الأضداد وتتوازن المتناقضات. إن عليه أن يرتقي خطوة تلو أخرى سلم «مراتب الوجود المتعددة» في اتجاه المقامات العليا، متوجهاً بكيانه الباطن نحو «المركز الثابت» حيث تحلُّ «السكينة» (Es-Shekînah)؛ لكي يُحقق بذلك «فناء الفناء» (Fanâ el-fanâi)، وهو الاتحاد الختامي، أو «العودة والاندماج» في المبدأ. وهذا هو المصدر الوحيد الذي يجدر السعي إليه، والهدف الأوحد الذي ينبغي العمل لأجله؛ إذ هو «الصنيع أو العمل العظيم» (الأثر) بمعناه الأسمى، والمنتهى الأقصى لـ«الأسرار الكبرى».

 

 

تنبيه!

لقد كانت مؤلفات رينيه غينون، ولعقود طويلة، موضوعاً لإعادة طبعات متعددة لدى دور نشر مختلفة؛ مما أدى للأسف وبشكل حتمي إلى وقوع تباينات كبيرة في عرض النصوص. وهذا ما جعل من شبه المستحيل تقديم إشارات موثوقة ودقيقة للمقتطفات المستشهد بها عبر اعتماد "رقم الصفحة" الذي يُستخدم عادةً كمنهجية للإسناد. وبناءً على ذلك، فإن كل مصطلح يُفصَّلُ في هذا القاموس يُحيل القارئ —في نهاية المقال— أولاً إلى عنوان الكتاب لغينون، ثم إلى رقم الفصل المعني، وأخيراً إلى اسم الفصل نفسه. وتتيح هذه الطريقة للقارئ الرجوع الفوري واليسير إلى النص الأصلي، من خلال إجراء بحث ذاتي يمتاز بكونه صالحاً للاستخدام في مختلف الكتب، أياً كان تاريخ نشرها أو رقم طبعتها.

إن الأسماء التي تليها علامة النجمة (*) داخل النصوص، تحيل القارئ إلى مادة (موضوع) خُصص لها مدخلٌ كامل ومستقل في هذا القاموس؛ بحيث يمكن الاطلاع عليها بصفتها مادة منفصلة وبشكل محدد. ومن جهة أخرى، فإن عبارة «انظر» الواردة عقب كل تعريف، تشير إلى مدخلٍ واحد أو أكثر، ممن يتمم معناها معنى المصطلح الذي تم تناوله للتو أو يتقاطع معه.

إن نصوص رينيه غينون وكتاباته الأصلية، حين يتم الاستشهاد بها كمقتطفات ضمن الشرح التفصيلي لأحد المصطلحات، تُعرض بخطٍ عادي وتُوضع بين «عصيفتين» (علامتي تنصيص)؛ وذلك ليتسنى للقارئ تمييزها بدقة. أما مرجع هذه المقتطفات —إلا في حالات استثنائية نادرة جداً— فيُذكر دائماً في نهاية كل مقال، من خلال إيراد العناوين المحددة للمؤلفات وأرقام الفصول المقابلة لها.

علاوة على ذلك، فإن الاقتباسات المأخوذة من نصوص «التقليد العالمي» (مثل: الفيدا، والتاو تو تينغ، والباغافاد غيتا، والأناجيل، والقرآن، وغيرها)، توضع هي الأخرى بين «عصيفتين» (علامتي تنصيص)، ولكنها تُميَّز بكونها مطبوعة بخط مائل؛ وذلك لكي تبرز هذه المقتطفات وتنفرد عن بقية النص، تقديراً لـ"سلطتها" الجلية التي لا تُنازع.

وأخيراً، فإن الأسماء ذات الأصل الأجنبي —والتي كان رينيه غينون يستخدمها بكثرة في مؤلفاته، ولا سيما المصطلحات العربية، والصينية، واليونانية، والعبرية، واللاتينية، والسنسكريتية— تظهر كقاعدة عامة في متن النص مطبوعة بخط مائل (مثل: Âtmâ، Brahma، Prakriti، إلخ). وقد كُتبت وفقاً لأسلوب غينون الخاص في "الترجمة الحرفية" (النقل الصوتي) الذي اعتمده في كتاباته، وذلك بقطع النظر عن أساليب النقل الصوتي "المعيارية" التي يستخدمها المستشرقون اليوم؛ والهدف من ذلك هو تمييزها بسهولة داخل النصوص الأصلية.



[1]- ينتقد غينون هنا تحول الميتافيزيقا في الغرب إلى "رياضة ذهنية" أو ترف فكري ينتهي بنهاية الكتاب أو المحاضرة، بينما يرى أن قيمتها الوحيدة تكمن في كونها تمهيداً لعملية "انعتاق" أو "تحول روحي" (التحقق) يخرج بالإنسان من ضيق الفكر إلى سعة الوجود.

[2]- يرى غينون أن الحداثة ليست "تقدماً" بل هي "أزمة" وانحراف عن الأصل. الكاتب هنا يقول إن هذه الأزمة لا يمكن أن تكون "نظاماً مستقراً" (أي لا يوجد شيء اسمه "حضارة الأزمة")؛ لأن الأزمة بطبيعتها هي حالة هدم، والهدم لا يصلح أساساً للبناء.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

مواضيع المقالة