القائمة الرئيسية

الصفحات

هل فكرت يومًا في أن الإنسان قد يُقاد بالكلمات، لا بالأفكار؟

 

هل فكرت يومًا في أن الإنسان قد يُقاد بالكلمات، لا بالأفكار؟

ليس المقصود أن الكلمات تقنعك بحجة منطقية، ولا أن يقدم لك أحد برهانًا فتقتنع به؛ بل شيء أكثر غرابة: أن تتكرر أمامك كلمات معينة، بصياغة معينة، وفي سياق عاطفي معين، حتى تبدأ في التعامل معها وكأنها حقائق قائمة بذاتها، من دون أن تتوقف أصلًا لتسأل: ماذا تعني هذه الكلمات؟ وما الذي تثبته؟

هذه بالضبط إحدى النقاط اللافتة جدًا التي يطرحها رينيه غينون في كتابه «شرق وغرب».

غينون يتحدث في هذا الفصل عن كلمتين أصبحتا، في نظره، من أعظم الشعارات التي تشكل العقل الحديث: «الحضارة» و«التقدم».

وهو لا ينكر أن هناك تطورًا حقيقيًا في بعض المجالات، ولا ينكر وجود تقدم محدود في مجال معين. لكنه يعترض على تحويل «التقدم» إلى عقيدة مطلقة، وكأن البشرية تسير بالضرورة، وفي خط مستقيم، نحو الأفضل دائمًا.

وهنا يلاحظ غينون شيئًا شديد الأهمية.

هناك كلمات لا تعود وظيفتها أن تعبّر عن فكرة، بل تصبح وظيفتها أن تُحدث تأثيرًا فيمن يسمعها.

تخيل أن شخصًا يقف أمام جمهور ويقول:

«نحن نمثل الحضارة.»

«نحن نمثل التقدم.»

«نحن مع المستقبل.»

«نحن مع الحرية.»

«نحن مع العقل.»

لاحظ أن هذه الكلمات تبدو إيجابية في ذاتها. لكن السؤال الذي غالبًا لا يُطرح هو:

ما المقصود بالحضارة؟

أي حضارة؟

وما معيار التقدم؟

التقدم نحو ماذا؟

وما الحرية التي نتحدث عنها؟

وما الذي يعنيه العقل هنا؟

حين لا نطرح هذه الأسئلة، تتحول الكلمة من مفهوم يحتاج إلى تعريف وبرهان، إلى شعار يستدعي موقفًا نفسيًا جاهزًا.

وهنا يقول غينون شيئًا بالغ الدلالة: إن «التقدم» و«الحضارة»، حين تُستخدمان بهذا المعنى المطلق، يمكن أن تؤديا وظيفة ممتازة في عبارات خطابية فارغة، لكنها شديدة القدرة على التأثير في الجمهور؛ لأن الكلام، في هذه الحالة، لا يعود يؤدي وظيفة التعبير عن الفكر بقدر ما يصبح تعويضًا عن غيابه.

وهذه عبارة تستحق أن نتوقف عندها:

قد يصبح الكلام وسيلة للتعويض عن غياب الفكر، بدل أن يكون تعبيرًا عنه.

وهنا نصل إلى النقطة الأكثر إثارة في كلام غينون.

فهو يقول إنه لا يظن أن الناس لاحظوا بما يكفي التشابه اللافت بين تأثير الخطيب وتأثير المنوِّم المغناطيسي.

تأمل هذه المقارنة.

غينون لا يقول إن الخطيب «ينوّم» الجمهور بالمعنى الطبي أو الحرفي، ولا يقول إن كل خطاب هو تنويم مغناطيسي.

إنما يشير إلى تشابه في طبيعة التأثير النفسي.

المنوِّم لا يقدم لك بالضرورة برهانًا فلسفيًا حتى يغيّر حالتك النفسية؛ إنه يعمل من خلال الإيحاء.

والخطيب، حين يتحول خطابه من نقل الأفكار إلى صناعة الانفعال، يستطيع أن يفعل شيئًا قريبًا من ذلك على مستوى آخر.

نبرة الصوت.

التكرار.

الشعار.

الإيقاع.

استثارة الخوف.

استثارة الأمل.

خلق شعور بالانتماء.

تقسيم العالم إلى «نحن» و«هم».

ثم إعادة العبارة نفسها عشرات ومئات المرات.

وفي لحظة ما، قد لا تعود تسأل: «هل هذا صحيح؟»

بل يصبح سؤالك:

«كيف يمكن ألا يكون صحيحًا؟ لقد سمعته في كل مكان!»

وهنا تكمن الخطورة.

لأن كثرة التكرار ليست دليلًا على الحقيقة.

لكن النفس البشرية قد تتعامل مع المألوف وكأنه صحيح، ومع المتكرر وكأنه بدهي.

ولذلك لا يكتفي غينون بالحديث عن الخطيب والمنوِّم؛ بل يذكر أيضًا مروِّض الحيوانات، ويقول إن تأثيره من النظام نفسه.

وهذا مثير للتأمل.

المروِّض لا يتعامل مع الحيوان بواسطة البرهان الفلسفي، وإنما بواسطة التأثير، والتكرار، والعادة، والإشارة، والخوف، والمكافأة، وتشكيل الاستجابة.

والخطيب، في حالة معينة، يستطيع أن يعمل على الجمهور بطريقة تشبه ذلك من حيث البنية العامة للتأثير: لا يخاطب الفكر وحده، بل يخاطب الجانب النفسي والانفعالي أيضًا.

ومن هنا يلفت غينون انتباه علماء النفس إلى هذه المسألة.

لكن لماذا يذكر كل هذا في حديثه عن «الحضارة» و«التقدم»؟

لأن القضية عنده أعمق من الخطابة.

إنه يتحدث عن الإيحاء الجماعي.

غينون يستخدم تعبيرًا شديد القوة: «عمل هائل من الإيحاء الجماعي».

أي أننا لا نتحدث هنا عن فرد واحد تأثر بخطيب، وإنما عن مجتمع كامل يمكن أن تُزرع فيه تصورات معينة، ثم تصبح هذه التصورات مع مرور الزمن أشبه بالواقع نفسه.

وهنا تخيل مثالًا بسيطًا.

لو قلت لك مرة واحدة:

«التقدم هو زيادة سرعة الحياة.»

قد تسألني: لماذا؟

لكن إذا نشأت منذ طفولتك وأنت تسمع:

التقدم = سرعة.

التقدم = إنتاج أكثر.

التقدم = استهلاك أكثر.

التقدم = تقنيات أكثر.

التقدم = أجهزة أحدث.

التقدم = تغيير مستمر.

فقد تصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها مجرد الاعتراض على هذا التعريف نفسه أمرًا غريبًا.

وهذا هو السؤال الذي يريد غينون أن يجعلنا نطرحه:

هل نحن نفكر في هذه الأفكار حقًا؟

أم أننا فقط ورثناها، وكررناها، وسمعناها حتى أصبحت جزءًا من البيئة الذهنية التي نعيش فيها؟

وهنا نفهم لماذا يقول غينون إن العالم الحديث شهد شيئًا لم يكن له مثيل بهذا الحجم: «هلوسة جماعية هائلة»، أخذ فيها جزء من البشرية أوهامًا شديدة الفراغ بوصفها حقائق لا تقبل الشك.

والتعبير هنا قوي جدًا.

لأنه لا يقول فقط: «هناك أفكار خاطئة».

بل يقول إن هناك حالة يصبح فيها الوهم نفسه إدراكًا جماعيًا للواقع.

مثلًا:

إذا قلت لجمهور: «نحن نعيش في عصر التقدم»، ثم سألت كل فرد:

ما تعريف التقدم؟

قد تحصل على عشرات الإجابات المختلفة.

لكن الجميع قد يتفقون على أن «التقدم» شيء جيد، وأن من يعارضه متخلف، وأن من يدعو إلى التراجع عنه يقف ضد المستقبل.

هنا تصبح الكلمة أقوى من معناها.

بل ربما تصبح الكلمة قادرة على إصدار حكم أخلاقي:

إذا كنت مع «التقدم»، فأنت متحضر.

إذا كنت ضده، فأنت متخلف.

وبذلك لا نعود نناقش الفكرة؛ بل نُصنِّف الأشخاص.

وهذا أسلوب بالغ القوة في التأثير.

لأنك بدل أن تقول للإنسان:

«هذا الرأي خاطئ، وهذه حجتي.»

تقول له ضمنيًا:

«إذا رفضت هذا الرأي، فأنت من الفئة السيئة.»

عندها يصبح الدفاع عن الفكرة دفاعًا عن الهوية.

وهنا يصبح الخروج من الفكرة أكثر صعوبة.

وهذا يقودنا إلى مسألة أخرى مهمة جدًا عند غينون: قوة الكلمات.

هو لا يقول إن للكلمات قوة سحرية بالضرورة.

بل المقصود أن للكلمة قدرة على تحريك النفس، وإثارة الصور والانفعالات والارتباطات الذهنية، ولذلك يمكن استخدامها في التأثير الجماعي.

خذ مثلًا كلمة واحدة مثل:

«الأمن».

من الصعب أن تعارض «الأمن».

لكن ماذا لو قيل لك:

«من أجل الأمن، يجب أن نقبل بهذا.»

ثم قيل:

«من أجل الأمن، يجب أن نتخلى عن ذاك.»

ثم:

«من أجل الأمن، يجب أن نخاف من هؤلاء.»

هنا لم تعد كلمة «الأمن» تصف واقعًا فقط؛ لقد أصبحت أداة لتوجيه السلوك.

وكذلك كلمات مثل:

«الحرية».

«الوطن».

«الحداثة».

«التقدم».

«الديمقراطية».

«التنوير».

«التطرف».

كل هذه الكلمات قد تكون ذات معانٍ حقيقية ومشروعة في سياقاتها.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الكلمة إلى شعار غير قابل للفحص.

عندما يصبح مجرد نطقها كافيًا لإثارة التصفيق أو الخوف أو الرفض.

وهنا يمكن أن نفهم شيئًا مهمًا جدًا في كلام غينون:

المشكلة ليست في الكلمة، بل في انفصال الكلمة عن الفكر والحقيقة.

حين تكون الكلمة حاملة لمعنى واضح، فهي أداة للتفكير.

أما حين تصبح مجرد صوت مشحون عاطفيًا، فهي قد تتحول إلى أداة للإيحاء.

ولهذا يقول غينون إن قوة الكلمات ليست جديدة؛ فقد كان للكلام تأثير في أزمنة أخرى أيضًا.

لكن ما يراه جديدًا ومميزًا في العصر الحديث هو اتساع نطاق الظاهرة.

لقد أصبحت وسائل الاتصال قادرة على إيصال العبارة نفسها إلى ملايين البشر.

في الماضي، كان الخطيب يخاطب مئات أو آلافًا.

أما اليوم، فقد يمكن لجملة واحدة أن تصل في دقائق إلى ملايين الناس.

وتتكرر.

ثم تُعاد صياغتها.

ثم تُقتطع من سياقها.

ثم تتحول إلى صورة.

ثم إلى مقطع قصير.

ثم إلى شعار.

ثم تبدأ الجماعة نفسها في تكرارها على بعضها بعضًا.

وهنا تحدث مرحلة شديدة الخطورة:

لم يعد مصدر الإيحاء هو الخطيب وحده.

الجمهور نفسه يبدأ بإيحاء الفكرة للجمهور.

أنت تسمعها مني.

ثم تسمعها من صديقك.

ثم تراها في هاتفك.

ثم يكررها شخص مشهور.

ثم تظهر في عنوان.

ثم في تعليق.

ثم تصبح في كل مكان.

وفي النهاية قد تشعر أنك «عرفت» الحقيقة، بينما كل ما حدث هو أنك تعرضت لها مرات كثيرة.

وهنا ينبغي أن نتوقف.

لأن غينون لا يدعونا إلى رفض كل خطاب، ولا إلى الشك المرضي في كل فكرة، ولا إلى الاعتقاد بأن كل تأثير جماهيري مؤامرة.

إنما يدعونا إلى استعادة شيء أكثر جوهرية:

القدرة على التمييز.

أن تسأل:

هل هذه فكرة أم شعار؟

هل هذا برهان أم تكرار؟

هل أنا مقتنع، أم متأثر؟

هل فهمت المعنى، أم أن الكلمة فقط أثارت في نفسي شعورًا معينًا؟

هل أستطيع أن أشرح هذه الفكرة بلغتي الخاصة دون استخدام الشعار نفسه؟

وهذه الأخيرة مهمة جدًا.

إذا قلت لك:

«هذا هو التقدم.»

فاسألني:

«ما الذي تعنيه بالتقدم؟»

إذا قلت:

«هذه هي الحضارة.»

فاسألني:

«ما معيار الحضارة؟»

إذا قلت:

«هذا هو العقل.»

فاسألني:

«أي عقل؟ وما حدوده؟»

إذا قلت:

«هذا هو المستقبل.»

فاسألني:

«ولماذا ينبغي أن يكون المستقبل بهذا الشكل؟»

عندها يبدأ التفكير.

لأن التفكير الحقيقي يبدأ غالبًا عندما نتوقف عن الانبهار بالكلمات ونسأل عن المعنى الذي وراءها.

وهنا نصل إلى لب ما يريد غينون أن يكشفه.

العقل الحديث، في نظره، لا يعاني فقط من أفكار خاطئة؛ بل يعاني من اختلال في ترتيب الأشياء.

حين تنحسر القدرة على الفكر الحقيقي، يمكن للكلمات أن تصبح أقوى من الأفكار.

وحين يصبح الشعور أقوى من العقل، يصبح الشعار أقوى من البرهان.

وحين يصبح التكرار أقوى من البحث، يمكن للوهم أن يبدو كأنه حقيقة.

ولهذا كانت عبارته عن «الإيحاء الجماعي» بالغة الأهمية.

إنه لا يتحدث فقط عن خطيب يقف على منصة.

إنه يتحدث عن إمكانية أن يعيش مجتمع كامل داخل مناخ ذهني معين، بحيث تصبح بعض الأفكار شديدة الحضور إلى درجة أن الناس لا يعودون يرونها كأفكار أصلًا.

بل يرونها كأنها الواقع نفسه.

وهنا، ربما، تكون إحدى أهم الرسائل التي يمكن أن نخرج بها من هذا المقطع:

لا تسأل فقط: ماذا يقولون؟

اسأل أيضًا:

لماذا تؤثر فيَّ هذه الكلمات؟

ما الشعور الذي تستثيره؟

هل تجعلني أفكر أم تجعلني أستجيب؟

هل تطلب مني أن أفهم، أم تكتفي بأن أصفق؟

لأن هناك فرقًا هائلًا بين خطاب يريد أن يوقظ الفكر، وخطاب يريد أن يستبدل الفكر بالتأثير.

وفي الحالة الأولى، كلما سمعتَ السؤال ازددتَ وعيًا.

وفي الثانية، كلما سمعتَ الشعار ازددتَ يقينًا دون أن تعرف لماذا.

وهنا يعود بنا غينون إلى فكرته الأساسية:

حين تصبح الكلمات بديلًا عن الفكر، يصبح الإنسان أكثر قابلية للإيحاء.

وحين يتحول الإيحاء إلى ظاهرة جماعية، يمكن أن تتشكل هلوسة جماعية يأخذ فيها الناس أوهامًا معينة على أنها حقائق بديهية.

ولهذا فإن أول مقاومة للإيحاء ليست الصراخ بشعار مضاد.

وليست أن تستبدل دعاية بدعاية.

بل أن تستعيد قدرتك على السؤال. (الشك الإبراهيمي، الاستنطاق!)

أن تستعيد المعنى.

أن تفصل بين الكلمة وما تدل عليه.

وأن تتعلم أن تقول:

«انتظر... هذه مجرد كلمة. ماذا تعني؟ وأين البرهان؟»

لأن الإنسان الذي يفكر حقًا لا يكفيه أن يسمع كلمة جميلة.

إنه يريد أن يعرف حقيقتها. (روحها!)

وهذا، في نهاية المطاف، هو الفارق بين أن تستخدم الكلمات للتعبير عن الفكر فتستنير بنوره، وأن تستخدم الكلمات لكي تمنع الفكر من توريثِك نورًا كما قال الإمام علي.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

مواضيع المقالة