القائمة الرئيسية

الصفحات

الفصل التاسع: خطأ التأويلات المنهجيّة الصارمة

 

الفصل التاسع: خطأ التأويلات المنهجيّة الصارمة

 

قد يظنّ بعضهم أنّ هذه الدراسة تثير من الأسئلة أكثر ممّا تُقدّم من الحلول، والحقّ أنّنا لا نستطيع الاعتراض على نقدٍ من هذا القبيل، إن كان يُعدّ نقدًا في الأصل؛ غير أنّه لا يصدر إلا عن أولئك الذين يجهلون إلى أيّ حدٍّ تختلف المعرفة التنشئيّة عن كلّ معرفة دنيويّة عاديّة. ولهذا السبب، حرصنا منذ البداية على التنبيه إلى أنّنا لا نقصد تقديم عرضٍ كامل، إذ إنّ طبيعة الموضوع نفسها تمنع مثل هذا الادّعاء؛ فضلًا عن أنّ كلّ شيء في هذا المجال مترابط على نحوٍ وثيق، بحيث إنّ الأمر كان يقتضي بلا ريب عدّة مجلّدات لتطوير القضايا المتعدّدة التي ألمحنا إليها في سياق عملنا، تطويرًا يليق بها، دون أن نذكر تلك القضايا الأخرى التي لم تسنح لنا الفرصة لتناولها، والتي كان هذا التطوير نفسه سيُدخلها حتمًا إلى حيّز البحث.

ونختم بالقول، لكي لا يُساء فهم مقاصدنا، إنّ وجهات النظر التي أشرنا إليها ليست حصرًا دون غيرها، ولا شكّ أنّ هناك غيرها ممّا يمكن الوقوف عنده أيضًا، واستخلاص نتائج لا تقلّ أهميّة، على أن تتكامل جميع هذه الوجهات في انسجامٍ تامّ داخل وحدة التركيب الشامل. فممّا هو من صميم طبيعة الرمزيّة التنشئيّة أنّها لا يمكن أن تُختزل في صيغٍ منهجيّة ضيّقة، كتلك التي تستريح إليها الفلسفة الدنيويّة؛ إذ إنّ دور الرموز هو أن تكون حوامل لتصوّراتٍ تمتلك إمكانات امتداد غير محدودة على الحقيقة. بل إنّ كلّ تعبيرٍ هو في ذاته رمز، ومن ثمّ لا بدّ دائمًا من الإبقاء على نصيب غير القابل للتعبير، وهو في ميدان الميتافيزيقا الخالصة ما يكتسب الأهميّة القصوى.

وفي ظلّ هذه الشروط، يسهل إدراك أنّ طموحنا لا يتجاوز تزويد المهتمّين حقًّا بهذه الدراسات بنقطة انطلاق للتأمّل، ممن لديهم القدرة على فهم مداها الحقيقي، وإرشادهم إلى سبيل بعض الأبحاث التي نرى أنّه يمكن استخلاص فائدة خاصّة منها. فإذا كان لهذا العمل أن يُثمر أعمالًا أخرى تسير في الاتجاه نفسه، فإنّ هذه النتيجة وحدها ستكون بعيدة عن أن تكون ضئيلة الشأن، لا سيّما أنّ الأمر لا يتعلّق عندنا بثقافةٍ موسوعيّة قد تكون عبثيّة إلى حدٍّ ما، بل بفهمٍ حقيقيّ. ولعلّه لا يمكن، إلا بمثل هذه الوسائل، أن يتاح يومًا ما أن نُشعر معاصرينا بضيق تصوّراتهم المألوفة وقصورها.

إنّ الهدف الذي نصبوه لأنفسنا قد يكون بعيد المنال، غير أنّنا لا نستطيع مع ذلك أن نكفّ عن التفكير فيه والسعي نحوه، مع الإسهام من جانبنا، مهما كان ضئيلًا، في إلقاء شيءٍ من النور على جانبٍ لا يزال قليل المعرفة من عمل دانتي.

تعليقات

مواضيع المقالة