الفصل الثامن
الدورات الكونيّة (Les Cycles cosmiques)
بعد هذه الملاحظات التي نرى أنّها تُسهم في تثبيت بعض النقاط التاريخيّة المهمّة، نصل الآن إلى ما يُسمّيه السيّد (بِنيني Benini) بـ«الزمن التاريخي» أو «الكرونولوجيا (chronologie)» في قصيدة دانتي. وقد ذكرنا من قبل أنّ دانتي أتمّ رحلته عبر العوالم أثناء الأسبوع المقدّس، أي في ذلك الوقت من السنة الليتورجيّة الذي يُقابل الاعتدال الربيعي. كما رأينا أيضًا أنّه في هذه الفترة بالذات، بحسب ما يذكر (أرو Aroux)، كان الكاثار (Cathares) يُقيمون طقوسهم التنشئيّة الروحية [أي طقوس الإدخال في مراتبهم الباطنية]. ومن ناحية أخرى، ففي الفصول الماسونية المرتبطة بـ(الوردة والصليب Rose-Croix)، يُحتفل بذكرى العشاء الأخير (Cène) يوم الخميس المقدّس، وتُستأنف الأعمال بصورة رمزيّة يوم الجمعة عند الساعة الثالثة بعد الظهر، أي في اليوم والساعة اللذين مات فيهما المسيح. وأخيرًا، فإنّ بداية الأسبوع المقدّس من سنة 1300 توافق اكتمال القمر، ويمكن أن نلاحظ في هذا الصدد ــ لإتمام أوجه التطابق التي أشار إليها (أرو) ــ أنّ النوحيين (Noachites) [وهم طائفة رمزية ماسونية تُنسب إلى نوح بوصفه أبًا للإنسانية الثانية بعد الطوفان] كانوا أيضًا يعقدون اجتماعاتهم عند اكتمال القمر.
إنّ سنة 1300 تمثّل بالنسبة إلى دانتي منتصف عمره (إذ كان آنذاك في الخامسة والثلاثين)، وهي تُجسّد له أيضًا منتصف الزمان الكوني. وهنا نستشهد مرّة أخرى بما أورده السيّد (بِنيني): «وقد استغرق دانتي في فكرة أنانية على نحوٍ فائق الغرابة، فوضع رؤياه في منتصف حياة العالم نفسه؛ إذ كان حَراك السماوات قد استمرّ خمسةً وستّين قرنًا قبله، وكان من المقرّر أن يستمرّ خمسةً وستّين بعده. ومن خلال تركيبٍ رمزيٍّ بارع، جعل تتقاطع في تلك النقطة الذكرى الدقيقة – وفق ثلاثة أنماط من السنين الفلكيّة – لأعظم الحوادث في التاريخ، ثم أضاف في نمطٍ رابع ذكرى أعظم حادثة في حياته الشخصيّة.» وما ينبغي أن يشدّ انتباهنا على وجه الخصوص هو تقدير مدّة العالم كلّه – أو لنقل بالأدقّ مدّة الدورة الكونيّة الراهنة. فبحسب هذا الحساب: ضعف عدد الـ65 قرنًا يُعطي 130 قرنًا أي ثلاثة عشر ألف عام، منها الثلاثة عشر قرنًا المنصرمة منذ بداية العصر المسيحي التي تُشكّل بالضبط عُشر الدورة الكاملة. أمّا العدد 65 فهو جدير بالاهتمام في ذاته؛ إذ إنّ جمع رقمَيْه (6 + 5) يُعيده إلى العدد 11، وهذا العدد نفسه يتكوّن من 6 و5 اللذين يُمثّلان على التوالي الرمزين العدديّين لكلٍّ من (الكون الأكبر Macrocosme) و(الكون الأصغر Microcosme)، وهما يصدُران كلاهما عن الوحدة الأصليّة، كما يقول دانتي: «وكما تشعّ من الواحد، إن عُرف، الخمسةُ والستةُ.» وأخيرًا، إذا حوّلنا العدد 65 إلى أحرف لاتينيّة كما فعلنا في موضعٍ سابق مع العدد 515، نحصل على: LXV، وإذا عكسنا ترتيبها كما من قبل صارت LVX، أي كلمة Lux بمعنى «النور»([1]). وهذا يمكن أن يرتبط بـالعصر الماسونيّ المسمّى بـ(عصر النور الحقّ, ère maçonnique de la Vraie Lumière)، [وهو اصطلاح ماسونيّ يُرمز به إلى بدء الزمن النورانيّ الرمزيّ الموازي لخلق الإنسان الثاني أو انكشاف الحقيقة الروحية].
لكنّ ما هو أعمق وأجدر بالاهتمام هو أنّ المدّة البالغة ثلاثة عشر ألف سنة (13000) ليست في حقيقتها سوى نصف دورة ظاهرة (تقدّم الاعتدالين)، وقد حُدِّدت هذه المدّة مع هامش خطأ لا يتجاوز أربعين سنة بالزيادة، أي أقلّ من نصف قرن، وهي بذلك دقّة مقبولة تمامًا، لا سيّما إذا عُبِّر عنها بالقرون. فالفترة الكاملة في الواقع تبلغ 25920 سنة، ومن ثمّ يكون نصفها 12960 سنة. وهذه النصف-دورة هي ما سمّاه الفرس والإغريق "السنة العظمى"، التي قدّرها بعضهم أيضًا بـاثني عشر ألف سنة، وهي تقدير أقلّ دقّة بكثير من رقم دانتي (13000 سنة). وقد كان القدماء يرون في هذه السنة العظمى المدّةَ الفاصلة بين تجدّدين كونيّين للعالم؛ أي الزمن الذي ينقضي بين كارثتين عُظميين ينمحي فيهما قارات بأكملها – وكان آخرها، بحسبهم، دمار أطلنطس (Atlantide). ومع ذلك فإنّ هذه المدّة لا تمثّل سوى دورة ثانوية يمكن عدّها جزءًا من دورة أوسع أشمل. ولكن، وبمقتضى قانون التناظر (loi de correspondance)، فإنّ كلّ دورة جزئية تعيد على نطاقٍ أصغر مراحل تشبه تلك التي تقع في الدورات الكبرى التي تحتويها. ومن ثمّ، فإنّ ما يُقال عن القوانين الدورية (lois cycliques) بصورة عامّة يجد تطبيقه على مستويات متعدّدة: دوراتٍ تاريخيّة، وجيولوجيّة، وكونيّة بالمعنى الأتمّ، مع تقسيماتٍ وتفرّعاتٍ متواصلة تُضاعف إمكانيّات التطبيق هذه. على أنّه متى تجاوزنا حدود العالم الأرضي، لم يعُد ممكناً قياسُ مدّة الدورة بعدد السنين بالمعنى الحرفيّ؛ إذ تصبح الأعداد عندئذٍ رموزًا خالصة تُعبّر عن نِسَب وتناسبات لا عن أزمنةٍ واقعيّة. ومع ذلك، فإنّنا نجد في الكوسمولوجيا الهندوسيّة أنّ جميع الأعداد الدورية تقوم أساسًا على دورة تقدّم الاعتدالين، ولها معها علاقات محدّدة بدقّة([2]). ومن هنا يُعدّ هذا الحدث الظاهرة الأساسيّة في التطبيق الفلكيّ لقوانين الدورات، وبالتالي النقطة الأولى لانطلاق كلّ القياسات الرمزيّة والتناظرات (transpositions analogiques) التي تُبنى على تلك القوانين. ولا يسعنا أن نعرض هنا لتفصيل هذه النظريّات، ولكن يُلفت النظر حقًّا أنّ دانتي اتّخذ الأساس ذاته في بناء كرونولوجيّته الرمزيّة، فنرى أنّه – في هذا الجانب أيضًا – يبلغ تمام الانسجام مع التعاليم التقليديّة في الشرق([3]).
غير أنّه قد يُتساءل: لِمَ يضع دانتي رؤياه بالضبط في منتصف «السنة العظمى»؟ وهل يصحّ حقًّا أن نُسمي ذلك «تمركزًا حول الذات»، أم أنّ ثمّة عللًا من مرتبة أخرى تفسّر هذا الاختيار؟ يمكننا أن نلاحظ ابتداءً أنّه إذا اتُّخذ أيّ مبدأٍ زمنيّ نقطةَ انطلاق، ثم حُسِبت انطلاقًا منه مدّة الدورة، فإنّنا نصل دائمًا إلى نقطة تكون في تطابقٍ تامّ مع نقطة البداية؛ ذلك أنّ هذا التطابق بعينه بين عناصر الدورات المتعاقبة هو الذي يضمن استمراريّة الدورات. ومن ثمّ يمكن اختيار المبدأ على نحوٍ يجعلنا نقع مثاليًّا في منتصف الدورة؛ فنحصل بذلك على مدّتين متساويتين، إحداهما سابقة والأخرى لاحقة، وفي مجموعهما تتحقّق فعلًا الدورة الكاملة لحركة السماوات. إذ إنّ الأشياء كلّها تعود في النهاية إلى وضعٍ ليس مطابقًا حرفيًّا للبداية – لأنّ الادّعاء بذلك يؤدّي إلى الوقوع في خطأ «العود الأبدي» عند نيتشه – بل إلى وضعٍ مناظرٍ لها تناظريًّا. ويمكن تمثيل ذلك تمثيلًا هندسيًّا على النحو الآتي: إذا كانت الدورة المقصودة هي نصف دورة تقدّم الاعتدالين، وإذا صُوِّرت الدورة الكاملة بدائرة، كفى أن نرسم قطرًا أفقيًّا ليقسّم الدائرة إلى نصفين، يمثّل كلّ واحدٍ منهما نصف دورة، بحيث يتوافق بدء النصف ونهايته مع طرفي القطر. فإذا اقتصرنا على نصف الدائرة العلوي، ورسمنا نصف القطر العمودي، انتهى هذا إلى النقطة الوسطى التي تُقابل «منتصف الأزمنة». والشكل الناتج عن ذلك هو الرمز [يُفهم هنا كدائرة منقسمة بقطر ونصف قطر]، أي الرمز الخيميائي لـمملكة المعادن([4]). وإذا عُلِّم هذا الرمز بصليب، صار «كرة العالم»، وهو الهيروغليف الدالّ على الأرض، وشعار السلطة الإمبراطوريّة. وهذا الاستعمال الأخير للرمز يسمح بالاعتقاد أنّه كان يحمل عند دانتي قيمة خاصّة؛ كما أنّ إضافة الصليب تقتضيها حقيقة أنّ النقطة المركزيّة التي اتّخذها موضعًا له كانت تتوافق جغرافيًّا مع أورشليم، التي مثّلت لديه ما يمكن أن نسمّيه «القطب الروحي». ومن جهةٍ أخرى، ففي مقابل أورشليم تمامًا، أي عند القطب الآخر، يرتفع جبل المطهر، وفوقه تتلألأ النجوم الأربع التي تُكوِّن كوكبة «الصليب الجنوبي». وهناك مدخل السماوات، كما أنّ تحت أورشليم يوجد مدخل الجحيم. وفي هذه المقابلة الرمزيّة تتجلّى مضادّة بين «المسيح المتألّم» و«المسيح الممجَّد».
قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى أن نُقيم على هذا النحو مضاهاةً بين رمزيّةٍ زمنيّة ورمزيّةٍ جغرافيّة؛ غير أنّ هذا بالضبط هو المقصد الذي أردنا الوصول إليه، من أجل أن نمنح الملاحظة السابقة معناها الحقيقي. ذلك أنّ التعاقب الزمني في كلّ ما تقدّم ليس في ذاته إلا نمطًا من أنماط التعبير الرمزي. فأيّ دورة يمكن تقسيمها إلى مرحلتين تُشكّلان، من حيث الترتيب الزمني، نصفيها المتعاقبين، وهو الشكل الذي نظرنا منه إليهما ابتداءً؛ غير أنّ هاتين المرحلتين تمثّلان في الحقيقة فعل نزعتين متقابلتين، وهما في الوقت نفسه متكاملتان. وهذا الفعل يمكن أن يكون متزامنًا بقدر ما يكون متعاقبًا. وعليه، فإنّ التموضع في منتصف الدورة يعني التمركز عند النقطة التي تتعادل فيها هاتان النزعتان؛ وهو ما يُسمّيه المتنسّكون المسلمون: «الموضع الإلهي الذي تتصالح فيه الأضداد والمتقابلات». وهو أيضًا مركز «عجلة الأشياء» بحسب التعبير الهندوسي، أو «الوسط الثابت غير المتحوّل» في التقليد الشرق-أقصوي؛ أي النقطة الثابتة التي يدور حولها دوران الأفلاك والتحوّل الدائم للعالم المتجلّي. إنّ رحلة دانتي تتحقّق على امتداد «المحور الروحي» للعالم؛ إذ إنّه من هناك وحده يمكن النظر إلى الأشياء كلّها في نمط الديمومة، لأنّ المرء يكون هو نفسه منفصلًا عن التغيّر، ومن ثمّ يستطيع أن يحيط بها برؤية تركيبيّة شاملة وكليّة.
من المنظور التلقيني الخالص، فإنّ ما أشرنا إليه آنفًا يستجيب أيضًا لحقيقة عميقة؛ إذ ينبغي على الكائن، قبل كلّ شيء، أن يُحقّق تطابق مركز فرديّته الخاصّةــ الذي يُمثَّل بالقلب في الرمزيّة التقليديّةــ مع المركز الكوني لحالة الوجود التي تنتمي إليها تلك الفرديّة، والتي يتّخذها أساسًا للارتقاء إلى الحالات الوجوديّة الأعلى. في هذا المركز يقيم التوازن الكامل، بوصفه صورة الثبات المبدئي داخل العالم المتجلّي؛ ومنه ينبثق المحور الذي يصل جميع الحالات الوجوديّة بعضها ببعض، أي الشعاع الإلهي الذي يقود، في اتجاهه الصاعد، مباشرةً إلى تلك الحالات العليا المقصودة بالتحقّق. إنّ كلّ نقطةٍ تحتوي إمكان هذه الإمكانيّات بالقوّة، وهي ــ إن صحّ التعبير ــ مركز بالقوّة؛ غير أنّه لا بدّ أن تصير مركزًا بالفعل، عبر تحقّق تطابقيّ حقيقيّ، لكي يُصبح التفتّح الكلّي للوجود ممكنًا على نحوٍ فعليّ. ومن هنا كان لزامًا على دانتي، لكي يتمكّن من الصعود إلى السماوات، أن يتموضع أوّلًا في نقطةٍ تكون بحقّ مركز العالم الأرضي؛ وهذه النقطة هي كذلك زمنيًّا ومكانيًّا معًا، أي بالنظر إلى الشرطين الأساسيّين اللذين يميّزان وجود هذا العالم.
إذا ما عدنا الآن إلى التمثيل الهندسي الذي استعنا به سابقًا، تبيّن لنا كذلك أنّ نصف القطر العمودي الممتدّ من سطح الأرض إلى مركزها يُقابل الجزء الأوّل من رحلة دانتي، أي عبور الجحيم. فمركز الأرض هو أخفض نقطة، لأنّ قوى الثقل تتّجه إليه من جميع الجهات؛ وبمجرّد تجاوزه تبدأ الحركة الصاعدة، وهي لا بدّ أن تسير في الاتجاه المعاكس، لتنتهي عند النقطة المقابلة تمامًا لنقطة الانطلاق. ولتمثيل هذه المرحلة الثانية، ينبغي تمديد نصف القطر إلى ما بعد المركز بحيث يكتمل القطر العمودي؛ فنحصل عندئذٍ على شكل الدائرة المقسومة بصليب، وهو الرمز الهرمسي لمملكة النبات. وإذا نظرنا، على وجه العموم، في طبيعة العناصر الرمزيّة التي تؤدّي دورًا بارزًا في الجزأين الأوّلين من القصيدة، أمكننا أن نلاحظ أنّها تتعلّق، على التوالي، بمملكة المعادن ومملكة النبات؛ ولسنا بحاجة إلى الإلحاح على الصلة الواضحة التي تربط الأولى بمناطق الأرض الداخليّة، ونكتفي بالتذكير بالأشجار الصوفيّة في المطهّر وفي الفردوس الأرضي. وقد يُتوقّع أن يستمرّ هذا التوافق في الجزء الثالث مع مملكة الحيوان([5])؛ غير أنّ الأمر في الحقيقة ليس كذلك، لأنّ حدود العالم الأرضي قد تمّ تجاوزها هنا، بحيث لا يعود من الممكن تطبيق تتابع الرمزيّة نفسها. ففي نهاية الجزء الثاني، أي ما يزال داخل الفردوس الأرضي، نجد أغزر حضور للرموز الحيوانيّة؛ إذ لا بدّ من اجتياز الممالك الثلاث التي تمثّل أنماط الوجود المختلفة في عالمنا، قبل الانتقال إلى حالات أخرى تختلف شروطها اختلافًا تامًّا([6]).
يبقى علينا أن ننظر في النقطتين المتقابلتين الواقعتين عند طرفي المحور المخترق للأرض، واللتين هما، كما أسلفنا، أورشليم والفردوس الأرضي. فهاتان النقطتان تمثّلان، على نحوٍ ما، الإسقاط العمودي للنقطتين اللتين تحدّدان بداية الدورة الزمنيّة ونهايتها، واللتين جعلناهما سابقًا متقابلتين عند طرفي القطر الأفقي في التمثيل السابق. فإذا كانت نهايتا القطر الأفقي تُجسّدان تعارضهما من جهة الزمن، وكانت نهايتا القطر العمودي تُجسّدان تعارضهما من جهة المكان، فإنّنا نحصل بذلك على تعبير عن الدور التكميلي لمبدئين يتجلّى فعلهما في عالمنا عبر شرطي الزمان والمكان. ويمكن النظر إلى الإسقاط العمودي على أنّه إسقاط في ما فوق الزمان، إن جاز هذا التعبير، لأنّه يتمّ وفق المحور الذي تُدرك منه الأشياء في نمط الديمومة لا في نمط العبور؛ ومن ثمّ فإنّ الانتقال من القطر الأفقي إلى القطر العمودي يمثّل فعلًا تحويل التعاقب إلى تزامن.
غير أنّه قد يُقال: ما العلاقة بين النقطتين المعنيّتين وبين طرفي الدورة الزمنيّة؟ أمّا بالنسبة إلى الفردوس الأرضي، فالعلاقة واضحة، إذ إنّه يُقابل بالفعل بداية الدورة؛ أمّا بالنسبة إلى النقطة الأخرى، فينبغي أن نلاحظ أنّ أورشليم الأرضيّة تُؤخذ بوصفها صورة استباقيّة لأورشليم السماويّة التي يصفها سفر الرؤيا. ورمزيًّا أيضًا، تُجعل أورشليم موضع القيامة والدينونة اللتين تختتمان الدورة. ويكتسب كون النقطتين متقابلتين تمامًا معنى جديدًا إذا لاحظنا أنّ أورشليم السماويّة ليست سوى إعادة تشكّل الفردوس الأرضي ذاته، وفق تناظر يجري في الاتجاه المعاكس([7]). ففي بداية الأزمنة، أي في مستهلّ الدورة الراهنة، أصبح الفردوس الأرضي غير متاح نتيجة سقوط الإنسان؛ أمّا أورشليم الجديدة فينبغي أن تنزل من السماء إلى الأرض في نهاية هذه الدورة نفسها، لتدلّ على إعادة جميع الأشياء إلى نظامها الأوّل. ويمكن القول إنّها ستؤدّي للدورة المقبلة الدور نفسه الذي أدّاه الفردوس الأرضي لهذه الدورة. فإنّ نهاية الدورة مماثلة لبدايتها، وهي تتلاقى مع الدورة التالية؛ وما كان بالقوّة في مستهلّ الدورة يتحقّق بالفعل في نهايتها، ويُنشئ فورًا إمكانات جديدة تتفتّح بدورها في مجرى الدورة اللاحقة. غير أنّ هذا موضوع لا يمكننا الإمعان فيه دون الخروج عن نطاق بحثنا([8]). ونضيف فقط، للإشارة إلى وجه آخر من وجوه الرمزيّة نفسها، أنّ مركز الكيان الذي ألمحنا إليه آنفًا يُسمّيه التقليد الهندي مدينة الإله الخالق، وأنّ نصوصًا عديدة تتحدّث عنها بعبارات تكاد تكون مطابقة لتلك التي نجدها في وصف أورشليم السماويّة([9]). وأخيرًا، وبالعودة إلى ما يتّصل برحلة دانتي على نحوٍ مباشر، ينبغي التنبيه إلى أنّ نقطة بداية الدورة هي التي تصير نهاية عبور العالم الأرضي، وفي ذلك إشارة صريحة إلى العودة إلى الأصول التي تحتلّ مكانة محوريّة في جميع التعاليم التقليديّة، والتي يوليها التصوّف الإسلامي والطاويّة عناية خاصّة على نحوٍ لافت. وما المقصود هنا، في الحقيقة، هو استعادة الحالة الفردوسيّة التي سبق أن ذكرناها، والتي يجب اعتبارها شرطًا سابقًا لبلوغ الحالات الوجوديّة الأعلى.
أمّا النقطة المتساوية البعد عن الطرفين اللذين تحدّثنا عنهما، أي مركز الأرض، فهي ــ كما قلنا ــ أخفض نقطة، وهي تقابل أيضًا منتصف الدورة الكونيّة حين تُنظر إليها من حيث التعاقب الزمني. إذ يمكن عندئذٍ تقسيم الدورة إلى مرحلتين: مرحلة هابطة تسير في اتجاه تمايز متزايد، ومرحلة صاعدة تعود نحو الحالة المبدئيّة. وهاتان المرحلتان، اللتان تُشبّههما التعاليم الهنديّة بحركتي الشهيق والزفير، نجد لهما نظيرًا في التعاليم الهرمسيّة حيث تُسمّيان التكثيف والتحليل؛ وبمقتضى قوانين القياس، فإنّ العمل الأعظم يعيد في صورة مختصرة الدورة الكونيّة بأكملها. ويمكن أن نرى في ذلك غلبة متعاقبة لنزعتين متقابلتين سبق تعريفهما: إحداهما تظهر في قوى الانقباض والتكاثف، والأخرى في قوى التمدّد والانبساط. ونجد هنا أيضًا توافقًا مع الخصائص المتقابلة للحرارة والبرودة؛ فالأولى تُوسّع الأجسام، في حين تُقلّصها الثانية. ولهذا السبب فإنّ الدائرة الأخيرة من الجحيم متجمّدة. ويُجسّد لوسيفر الانجذاب المعكوس للطبيعة، أي النزوع إلى التفريد بكلّ ما يلازمه من حدود؛ ومن ثمّ فإنّ مقامه هو النقطة التي تنجذب إليها الأثقال من جميع الجهات، أي مركز قوى الجذب والضغط التي يمثّلها الثقل في العالم الأرضي. وهذا الثقل، الذي يجذب الأجسام إلى الأسفل ــ أي إلى مركز الأرض في كلّ موضع ــ ليس في الحقيقة سوى تجلٍّ لتلك النزعة الأولى. ويمكن أن نلاحظ عرضًا أنّ هذا يتعارض مع الفرضية الجيولوجيّة للنار المركزيّة، لأنّ أخفض نقطة يجب أن تكون تحديدًا موضع أقصى كثافة وصلابة. وهو لا يقلّ تعارضًا مع فرضيّة بعض الفلكيّين القائلة بنهاية العالم عبر التجمّد، لأنّ هذه النهاية لا يمكن أن تكون إلا عودة إلى اللامتمايز. ثم إنّ هذه الفرضيّة الأخيرة تناقض جميع التصوّرات التقليديّة؛ فليس عند هيراقليطس والرواقيّين وحدهم تُقرن نهاية العالم بالاحتراق، بل نجد الفكرة نفسها تقريبًا من الكتب الهنديّة القديمة إلى سفر الرؤيا. ونلاحظ كذلك اتّفاق هذه التقاليد مع التعاليم الهرمسيّة التي تجعل النار ــ بما هي عنصر يغلب فيه المبدأ المنبسط ــ أداة تجديد الطبيعة أو الإرجاع النهائي.
وعليه فإنّ مركز الأرض يمثّل الحدّ الأقصى للتجلّي في حالة الوجود المعنيّة؛ إنّه نقطة توقّف حقيقيّة، ينشأ منها تبدّل في الاتجاه، حيث تنتقل الغلبة من إحدى النزعتين المتقابلتين إلى الأخرى. ولهذا، فما إن يُبلَغ قاع الجحيم حتّى تبدأ فورًا حركة الصعود أو العودة إلى المبدأ، متعاقبة مباشرة مع الهبوط. ويجري الانتقال من نصف الكرة إلى الآخر عبر الالتفاف حول جسد لوسيفر، على نحوٍ يوحي بأنّ النظر في هذه النقطة المركزيّة ليس بعيد الصلة ببعض الأسرار البنّائيّة المتعلّقة بـغرفة الوسط، حيث يكون الحديث أيضًا عن موت وبعث. وفي كلّ موضع، وعلى الدوام، نجد التعبير الرمزي نفسه عن المرحلتين المتكاملتين اللتين تُجسّدان، في مسار التنشئة أو في العمل الأعظم ــ وهما في الجوهر شيء واحد ــ هذه القوانين الدوريّة الشاملة، التي يقوم عليها، في نظرنا، البناء الكامل لقصيدة دانتي.
[1]- سنضيف أيضا أن الرقم 65 هو، باللغة العبرية، الاسم الإلهي أدوناي.
[2]- الأعداد الدورية الرئيسية منها هي 72، و 108، و 432؛ من السهل أن نرى أن هذه هي أجزاء (كسور) دقيقة للعدد 25920، الذي ترتبط به مباشرة عبر التقسيم الهندسي للدائرة؛ وهذا التقسيم نفسه هو تطبيق آخر للأعداد الدورية.
[3]- وعلاوة على ذلك، هناك اتفاق أساسي بين جميع التقاليد، بغض النظر عن اختلافات أشكالها؛ فعلى سبيل المثال، توجد نظرية العصور الأربعة للبشرية (التي ترتبط بدورة أوسع من دورة 13000 عام) في آن واحد في العصور القديمة اليونانية-الرومانية، ولدى الهنود، ولدى شعوب أمريكا الوسطى. يمكن العثور على إشارة لهذه العصور الأربعة (الذهبي، الفضي، النحاسي، والحديدي) في شكل شيخ كريت (Vieillard de Crète) في (الكوميديا الإلهية لدانتي: الجحيم، الباب 14، الأبيات 94-120)، والذي هو متطابق بالمناسبة مع التمثال في حُلم نبوخذ نصر (سِفر دانيال، الإصحاح الثاني)؛ والأنهار الأربعة للجحيم، التي يخرجها دانتي منه، ليست خالية من صلة تشابه مع أنهار الجنة الأرضية؛ كل هذا لا يمكن فهمه إلا إذا تم الرجوع إلى القوانين الدورية (أو القوانين السايكلية).
[4]- هذا الرمز هو واحد من تلك التي تتعلق بالتقسيم الرباعي للدائرة، والتي لتطبيقاتها التناظرية عدد لا يحصى تقريبًا.
[5]- الرمزية الغامضة للمملكة الحيوانية هي العلامة ، التي تحتوي على القطر الرأسي الكامل ونصف القطر الأفقي فقط؛ هذا الرمز قد يكون بالعكس إلى حد ما مقارنة برمز المملكة المعدنية، حيث ما كان أفقياً في أحدهما يصبح عمودياً في الآخر والعكس صحيح؛ ورمز المملكة النباتية، حيث يوجد نوع من التناظر أو التكافؤ بين الاتجاهين الأفقي والعمودي، يمثل جيدًا مرحلة وسطية بين الاثنين الآخرين.
[6]- سنشير إلى أن الدرجات الثلاث في الماسونية الرمزية لها، في بعض الطقوس، كلمات مرور تمثل بدورها الممالك الثلاث، وهي المعدنية والنباتية والحيوانية؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن الكلمة الأولى من هذه الكلمات تُفسر أحيانًا بمعنى له علاقة وثيقة برمزية "كرة العالم".
[7]- هناك نفس العلاقة بين الجنة الأرضية وأورشليم السماوية كما هي بين آدمين يتحدث عنهما القديس بولس (الرسالة الأولى إلى كورنثوس، الخامسة عشر).
[8]- لا تزال هناك العديد من الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع التي قد يكون من المثير الاهتمام التعمق فيها، على سبيل المثال هذا السؤال: لماذا يُوصف الفردوس الأرضي بأنه حديقة وبرمزية نباتية، بينما تُوصف أورشليم السماوية بأنها مدينة وبرمزية معدنية؟ ذلك لأن النباتات تمثل تطور البذور في مجال الاستيعاب الحيوي، بينما المعادن تمثل النتائج المثبتة نهائيًا، «المتبلورة» إذا جاز التعبير، في نهاية التطور الدوري.
[9]- إنّ التقارب الذي تتيحه هذه النصوص يزداد دلالةً وعمقًا حين يُعرَف الارتباط القائم بين الحَمَل في الرمزيّة المسيحيّة ونار الفيدا المقدّسة، التي يُمثَّل حاملها بدوره بالكبش. ولسنا نزعم أنّ هناك، بين لفظي الحَمَل والنار في صيغتهما اللاتينيّة، أكثر من واحدةٍ من تلك التشابهات الصوتيّة التي أشرنا إليها سابقًا، والتي قد لا تُقابل بالضرورة قرابةً لغويّة حقيقيّة، غير أنّها ليست، مع ذلك، محض مصادفات عَرَضيّة. وما نرمي إليه على وجه الخصوص هو وجه معيّن من رمزيّة النار، ذلك الوجه الذي يرتبط، في صورٍ تقليديّة متعدّدة، ارتباطًا وثيقًا بفكرة المحبّة، بعد أن تُرفَع إلى معناها الأعلى، على النحو الذي فعله دانتي. وفي هذا، يستلهم دانتي مرّة أخرى يوحنّا، الذي ظلت الأوامر الفروسيّة تربط به، على نحوٍ خاصّ، تصوّراتها العقائديّة. ويجدر بنا، فضلًا عن ذلك، أن نلاحظ أنّ الحَمَل يرتبط في آنٍ واحد بتمثّلات الفردوس الأرضي وبتمثّلات أورشليم السماويّة.
تعليقات
إرسال تعليق