القائمة الرئيسية

الصفحات

الثلاثية الكبرى - الفصل الأول: الثلاثي Ternary والثالوث Trinity

 

الفصل الأول: الثلاثي Ternary والثالوث Trinity

 من كتاب الثلاثية الكبرى لرينيه غينون

ترجمة وتحرير

أبوالحسن 

 


 

قبل الشروع في دراسة الثُّلاثيّة (Triade) ذات الصلة بالشرق الأقصى، يجدر بنا أن نحتاط احتياطًا شديدًا من حالات الالتباس والتماثلات الزائفة الشائعة في الغرب؛ وهي التباسات تنشأ، في الغالب، من نزعةٍ إلى العثور في كل ثلاثي (ternaire) تقليدي، أيًّا كان نوعه، على مكافئٍ—قلّ أو كثر—للثالوث (Trinité) المسيحي. وهذه الغلطة لا يقترفها اللاهوتيّون وحدهم—ولهم، مع ذلك، ما قد يُعذرون به من ردّ كلّ شيء إلى منظورهم الخاص—بل إنّ الأشدّ غرابة أنّها تصدر كذلك عن أناسٍ غرباء عن كلّ دين، أو معادين له، بما في ذلك المسيحية نفسها؛ غير أنّهم، بحكم الوسط الذي يعيشون فيه، يعرفون هذه الأخيرة أكثر من سائر الأشكال التقليدية الأخرى (وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أنّهم يفهمونها فهمًا أعمق في جوهرها)، فيجعلون منها—بوعيٍ أو بغير وعي—مرجعَ مقارنةٍ يحاولون ردّ كلّ شيءٍ سواه إليه. ومن بين الأمثلة الكثيرة على هذه التماثلات المتعسّفة، يبرز مثالٌ يتكرّر كثيرًا، وهو ما يتعلّق بالـتريموُرتي (Trimūrti) الهندوسي، الذي يُطلق عليه اسما شائعا هو «الثالوث» (Trinité)، مع أنّه من الضروري، اتّقاءً لكلّ لبس، أن يُحفظ هذا الاسم الأخير حصرًا للتصوّر المسيحي الذي وُضع منذ البدء للدلالة عليه وحده على وجه الدقّة. فالواقع أنّ الأمر في الحالتين ينطوي—لا ريب—على مجموعٍ من ثلاثة مظاهر إلهيّة؛ غير أنّ هذا هو حدّ الشبه كلّه فحسب. إذ إنّ هذه المظاهر ليست واحدةً في الجانبين، ولا يقوم تمييزها على المنظور نفسه بحال؛ ومن ثمّ يستحيل تمامًا إقامة مقابلةٍ حدًّا بحدّ بين الحدود الثلاثة لأحد هذين الثلاثيّين (ternaires) وحدود الآخر([1]).

إنَّ الشرطَ الأول ليكونَ بمقدورنا التفكيرُ في مضاهاةِ ثلاثيّين (منظومتين ثلاثيتين) ينتميان إلى أشكال تقليديةٍ مختلفة، هو إمكانيةُ إقامةِ تقابلٍ "حقيقي" بينهما عُنصراً بعنصر؛ وبعبارةٍ أخرى، لا بدَّ أن تكونَ عناصرُهما في علاقةِ تكافؤٍ أو تشابهٍ فعليّ. بيدَ أنَّ هذا الشرطَ لا يكفي وحده لإقرارِ تماهٍ تامٍّ بينهما، إذ قد يحدُثُ تقابلٌ بين ثلاثيَّاتٍ هي من "النوعِ" ذاته، لكنها تقعُ في مستوياتٍ متباينة؛ سواءً في "النطاقِ المبدئي" (الميتافيزيقي)، أو في "نطاق التجلّي" (الظهور)، أو حتى في كِليهما معاً.

وبطبيعةِ الحال، قد يسري هذا الأمرُ أيضاً على الثلاثياتِ الموجودةِ داخلَ التقليدِ الواحد؛ غيرَ أنَّ الحذرَ من التماهي الخاطئ في هذه الحالةِ يكونُ أيسر، إذ مِن البديهيّ ألا يكونَ هناك تكرارٌ أو ازدواجٌ لا طائلَ منه بينها. أما حين يتعلقُ الأمرُ بتقاليدَ مختلفة، فإنَّ المرءَ يميلُ -بمجردِ تشابهِ الظواهر- إلى إيجادِ تكافؤاتٍ قد تفتقرُ في جوهرِها إلى المسوغات.

ومهما يكن من أمر، فإنَّ الخطأَ لا يبلغُ من الخطورةِ مبلغَه حين يقومُ المرءُ بمضاهاةِ ثلاثياتٍ لا يجمعُ بينها سوى كونِها "ثلاثيات" (أي مجموعات من ثلاثة عناصر)، بينما تختلفُ العلاقاتُ الرابطةُ بين عناصرِها تمامَ الاختلاف. لذا، وجبَ أولاً -لمعرفةِ حقيقةِ الأمر- تحديدُ "نوعِ" الثلاثي الذي نتعاملُ معه في كلِّ حالة، قبلَ البحثِ في أيِّ "مرتبةٍ من الحقائقِ" يندرج. فإذا كان الثلاثيانِ من النوعِ ذاته، وُجدَ بينهما تقابل؛ وإذا استقرَّا فوقَ ذلك في المرتبةِ ذاتِها، أو لنقلْ في المستوى ذاته، أمكنَ حينئذٍ الحديثُ عن "تطابق" إن كانت وجهةُ النظرِ واحدة، أو على الأقل عن "تكافؤ" إن اختلفت وجهاتُ النظرِ قليلاً.

إنَّ الإخفاقَ في التمييزِ الجوهري بين أنواعِ الثلاثياتِ هو ما يقودُ إلى تلك المقارباتِ الواهية التي تخلو من أيِّ دلالةٍ حقيقية، كحالِ تلك التي يغرقُ فيها "أصحابُ المذاهب الخفية" (الروحانيون المحدثون)؛ إذ يكفيهم العثورُ على مجموعةٍ من ثلاثة عناصرٍ في مكانٍ ما، حتى يسارعوا بربطِها بكلِّ المجموعاتِ الثلاثيةِ الأخرى في أيِّ مكانٍ آخَر. فمؤلفاتُهم تغصُّ بجداولَ رُتبت بهذا الأسلوب، وهي في حقيقتِها آياتٌ باهرةٌ في الاضطرابِ والخلط([2]).

وكما سنرى بوضوحٍ لاحقاً، فإنَّ "الثلاثية" في الشرقِ الأقصى ينتمي إلى فئةِ الثلاثياتِ المكونةِ من عُنصرين متكاملين وعنصرٍ ثالثٍ ناتجٍ عن اتحادِهما، أو -إن شئتَ- عن تفاعلِهما المتبادل. وإذا استعرنا رموزاً من المجالِ الإنساني، أمكنَ تمثيلُ عناصرِ هذا الثلاثي بصورةِ: الأب، والأم، والابن([3]).

ومن الجليِّ هنا استحالةُ مضاهاةِ هذه العناصرِ الثلاثةِ بعناصرِ "الثالوثِ المسيحي Christian Trinity"؛ فالأولُ والثاني فيه (الأب والابن) ليسا عُنصرين متكاملين أو متناظرين، بل إنَّ الثاني مُشتقٌّ من الأولِ وحدَه. أما الثالثُ (الروح القدس)، ورغمَ صُدورهِ عن الآخَرين، إلا أنَّ هذا الصدورَ لا يُفهمُ بأيِّ حالٍ بوصفهِ "توالداً" أو "بنوة"، بل يشكلُ علاقةً مختلفةً جوهرياً عن ذلك.

وما قد يُثيرُ شيئاً من اللبسِ هو أنَّ اثنينِ من العناصرِ يُسميانِ هنا أيضاً "الأب" و"الابن"؛ لكنَّ "الابن" في الثالوثِ المسيحي هو العُنصرُ الثاني لا الثالث. ثم إنَّ العنصرَ الثالثَ لا يمكنُ أن يقابلَ "الأم" بحالٍ من الأحوال، ولو لم يكن هناك سببٌ سوى أنه يأتي "بعد" الابنِ لا "قبله". وصحيحٌ أنَّ بعضَ الشيعِ المسيحيةِ الهرطوقيةِ حاولت إضفاءَ صفةٍ أنثويةٍ على الروحِ القدسِ رغبةً في منحِه خصائصَ "الأم"، لكنَّ المرجحَ أنها تأثرت بمضاهاةٍ خاطئةٍ بين الثالوثِ المسيحي وثلاثياتٍ من النوعِ الذي ذكرناه، مما يُثبتُ أنَّ مثلَ هذه الأخطاء ليست حكراً على المُحدثين وحدهم. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ الصبغةَ الأنثويةَ المنسوبةَ للروحِ القدسِ لا تستقيمُ مع دورِه "الذُكوري" و"الأبوي" المحض في ولادةِ المسيح؛ وهذه الملاحظةُ مهمةٌ بالنسبةِ لنا، لأننا هنا تحديداً -وليس في عقيدةِ الثالوثِ ذاتها- يمكنُ أن نجدَ في المسيحيةِ ما يقابلُ، في منحىً معينٍ ومع التحفظاتِ التي تقتضيها فروقُ المنظور، ثلاثياتٍ من نوعِ "ثلاثية الشرقِ الأقصى"([4]).

في واقعِ الأمر، إنَّ "فعلَ الروحِ القُدُس" في ولادةِ المسيحِ يُناظرُ تماماً الفعاليةَ "غيرَ الفاعلة" لـ"بوروُشا" (Purusha)، أو ما يُعرفُ بـ"السماء Heaven" وفقَ لغةِ تقليدِ الشرقِ الأقصى. ومن جِهةٍ أخرى، تُعدُّ العذراءُ صورةً مثاليةً لـ"براكريتي" (Prakriti)، التي يصفُها التقليدُ ذاتُه بـ"الأرض"([5]). أما المسيحُ نفسُه، فهو يتماهى بصورةٍ أكثرَ جلاءً مع "الإنسانِ الكلي" (L'Homme Universel)([6]). بناءً على ذلك، إذا أردنا إيجادَ وجهِ تطابقٍ (correspondence)، وجبَ القولُ -بالمصطلحاتِ اللاهوتيةِ المسيحية- إنَّ "الثلاثيةَ" (الشرقية) لا تتعلقُ مطلقاً بصُدورِ "الكلمة" (اللوغوس) في الذات (ad intra)، وهو الصُّدورُ المتضمَّنُ في عقيدةِ الثالوث، بل تتعلقُ بصدورِها في الخارج (ad extra)؛ أي -وفقاً للتقليد الهندوسي- بظهورِ "الأفاتارا" (Avatâra) في عالمِ التجلّي([7]). وهذا أمرٌ يسهُلُ فهمُه؛ إذ إنَّ "الثلاثية"، بانطلاقِها من اعتبارِ "بوروُشا" و"براكريتي" (أو ما يعادلهما)، لا يمكنُ أن تقعَ إلا في جانبِ "التجلي manifestation" الذي يُمثلُ ذانِك العُنصران قُطبَيْه([8]). ويُمكنُ القولُ إنَّ هذه الثلاثيةَ تستغرقُ التجلّيَ بأسره؛ لأنَّ "الإنسانَ" فيها -كما سنرى لاحقاً- يظهرُ كجامعٍ و"برزخ" لـ"العشرةِ آلافِ كائن ten thousand beings"، أي لكلِّ ما يحتويهِ الوجودُ الكونيُّ في كليَّتِه.



[1]- مِن بينِ سائرِ الثلاثياتِ التي يطرحُها التقليدُ الهندوسي، لعلَّ (سات-تشيت-أناندا) هي أكثرُها قابليّةً للمُقارنةِ —بدرجةٍ من الوجاهةِ— بالثالوثِ المسيحيِّ من بَعضِ الوجوه، وإن ظلَّ المَنظورُ بطبيعةِ الحالِ مُختلفاً تماماً (انظر: 'الإنسان ومآله وفقاً للفيدانتا'، الفصل الرابع عشر).

[2]-  إنّ ما نقوله هنا بخصوص المجموعات المؤلَّفة من ثلاثة عناصر لا يقتصر عليها وحدها، بل ينسحب بالقدر نفسه على المجموعات التي تضم عددًا آخر من العناصر، والتي كثيرًا ما تُربط ببعضها البعض على نحو اعتباطي، لمجرّد تساوي عدد عناصرها، من غير أدنى اعتبار لطبيعة هذه العناصر الحقيقية. بل إنّ بعضهم، في سعيه لاكتشاف مُتطابقات موهومة، يذهب إلى حدّ اختلاق تجمعات مصطنعة لا معنى لها تقليديًا أصلًا؛ ومثالٌ نموذجيّ على ذلك ما فعله مالفاتي دي مونتيريغّيو (Malfatti de Montereggio)، الذي ظنّ، في كتابه Mathèse، أنّه عثر على ما يعادل السفيروت العشر (Sephiroth) في القبالاه العبرية، بعدما جمع — من هنا وهناك — أسماء عشرة مبادئ شديدة التباين مقتطعة من التقليد الهندوسي.

[3]- وينتمي إلى هذا الصنف نفسه من الثُّلاثيات (ternaires) أيضًا الثُّلاثيات المصرية القديمة، وأشهرها تلك التي تتألّف من أوزيريس (Osiris)، وإيزيس (Isis)، وحورس (Horus).

[4]- ولنلاحظ عرضًا أنّ الاعتقاد الشائع القائل إنّ التقليد المسيحي لا يعرف أيَّ ثُلاثي (ternaire) سوى الثالوث (Trinité) هو اعتقادٌ خاطئ؛ إذ يمكن، على العكس من ذلك، العثور فيه على ثُلاثيات أخرى عديدة، ولدينا هنا أحدُ أبرز أمثلتها وأشدّها أهمية.

[5]- ويتجلّى ذلك بوضوحٍ خاص في التصوير الرمزي لما يُسمّى «العذراوات السود» (Vierges noires)، حيث يمثّل اللون الأسود هنا رمز عدم التمايز في المادّة الأولى (materia prima).

[6]- ونُعيد التذكير، مرةً أخرى في هذا السياق، بأننا لا نقصد البتّة إنكار «تاريخية» (historicité) بعض الوقائع من حيث هي وقائع، بل على العكس تمامًا، نعدّ الوقائع التاريخية ذاتها رموزًا لواقعٍ من مرتبة أعلى، ولا يكون لها عندنا أيّ اهتمام إلا من هذه الحيثية وحدها.

[7]- إنّ أمّ الأفاتارا (Avatâra) هي مايا (Mâyâ)، وهي عينها براكريتي (Prakriti)؛ ولسنا بصدد الإلحاح على التقارب الذي حاول بعضهم إقامته بين الاسمين مايا ومريم (Maria)، ولا نذكره هنا إلا على سبيل الفضول الخالص.

[8]- انظر: الإنسان وصيرورته بحسب الفيدانتا (L’Homme et son devenir selon le Vêdânta)، الفصل الرابع.

 

تعليقات

مواضيع المقالة