الباب الخامس
الخصائص الجوهرية للميتافيزيقا
من كتاب: مدخل عام إلى النظريات التراثية، رينيه غينو، ص: 85 وما بعدها
في حين يعنى المنظور الديني بالضرورة دخول عنصر مشتق من مستوى وجداني عاطفي؛ فإن المنظور الميتافيزيقى عقلي فحسب، وبالرغم من أننا نرى أن هذه الملحوظة واضحة بما يكفى، فقد يرى كثير من الناس أنها لا تصف المنظور الميتافيزيقي بكفاءة نتيجة غرابته بالنسبة للغربيين، ولا بأس من ذكر بعض الملحوظات الإضافية. فالعلم والفلسفة - كما يوجدان في الغرب - يزعمان أنهما ينحوان النحو العقلي، وإذا لم نعترف بأن هذا الادعاء قائم على أساس متين، وادعينا أن هناك هوة تفصل كل المزاعم التي من هذا النوع عن الميتافيزيقا؛ فذلك لأن العقل البحت - كما نفهمه - هو شيء مختلف تماما عن الأفكار المبهمة التي تدعى هذه الصفة.
ويجب أولا أن نفسر - قبل كل شيء - أننا في تبنينا لاصطلاح الميتافيزيقا لسنا مهتمين بالأصل التاريخي للكلمة؛ حيث إنه عرضة للشكوك، والذى لا مناص من اعتباره أمرا عارضا، إذا كان المرء مستعدا للاعتراف بالرأى التالي وهو أمر غير محتمل كما نعتقد، والذي يقول: إن هذه الكلمة قد ظهرت أول مرة بمعنى الكتاب الذي جاء بعد كتاب "الطبيعة"، ومن ثم سمى ما بعد الطبيعة أو ما وراء الطبيعة في الأعمال الكاملة لأرسطو، كما أننا أيضا لا يصح أن نشغل أنفسنا بالتفاسير الأخرى غير المعقولة التي رأى بعض الكتاب إلصاقها بالكلمة في أزمنة مختلفة، وبالرغم من ذلك فليست كل هذه أسباب تستدعى إسقاطها من الاستخدام فهى على حالتها هذه مناسبة تماما للتعبير عما يقصد بها، وذلك على الأقل بالقدر الذي يوفره أي اصطلاح مستعار من اللغات الغربية.
والواقع أن الكلمة المذكورة في معناها الطبيعي – وحتى في اشتقاقها - تفصح عن كل ما يقع وراء الطبيعة، وكلمة الطبيعة هنا يقصد بها موضوع العلوم الطبيعية ككل، مستخدمة بشكل عام عند الأقدمين، ولا يصح أن تتخذ للدلالة على أحد هذه العلوم بشكل خاص مثلما يجرى اليوم فى سياق الاتجاه السائد للتسمية المقبولة. وعلى هذا فإننا نستخدم كلمة ميتافيزيقا بناء على هذا التفسير، ولا بد من أن نوضح - بشكل نهائي - أن إصرارنا على استخدام الكلمة راجع إلى الأسباب التي ذكرناها، ولأننا نعتبر أنه من غير اللازم الرجوع إلى المعاني المستحدثة لها إلا الضرورة قصوى.
ويمكن لنا الآن أن نقول إن الميتافيزيقا - من هذه الزاوية - هي بالضرورة معرفة القوانين الكلية، أو قد نفضل القول إنها معرفة المبادئ التي تنتمى إلى مستوى الكليات، وهي وحدها الجديرة بصفة المبادئ، ونحن لا نقصد هنا تعريف اصطلاح ميتافيزيقا، حيث إن في ذلك استحالة مؤكدة من واقع الكلية التى نرى أنها الأساس الأول لخصائصها الدلالية، والذي تنبثق منها كل السمات الأخرى. والواقع أن عملية التعريف لا تنطبق إلا على ما هو محدود، في حين أن الميتافيزيقا بحكم طبيعتها، غير محدودة على الإطلاق، ولهذا لن تسمح لنا بأن نحصرها في عبارة ضيقة، وسوف تستحيل عملية التعريف إلى أمر أبعد عن الدقة كلما حاول المرء أن يكون دقيقا. (أي الأفكار العقلية المجردة، ومستوى الأفكار المتعلقة بالأفراد والأمور الفردية).
ومن المهم أن نلاحظ أننا نتكلم عن المعرفة وليس عن العلم، وذلك بغرض التأكيد على الفوارق الأساسية بين الميتافيزيقا من ناحية، وبين العلوم المختلفة بمعنى الكلمة المعروف من ناحية أخرى، وهو يشتمل على كافة العلوم التخصصية الموجهة لدراسة أمر أو آخر من الأمور الفردية. وأساسا ليس هذا الفارق إلا الاختلاف ما بين الطبقتين الكلية والفردية، وهو فارق لا يصح اعتباره نقيضا؛ حيث لا يوجد مقياس مشترك ولا أية علاقة من حيث التماثل أو الاتساق بين الاصطلاحين، والواقع أنه ليس هناك أيضا تضاد أو صراع بينهما من أى نوع؛ حيث إن مجاليهما متباعدان تماما، والأمر نفسه قائم أيضا بين الميتافيزيقا والدين، ولكن لابد من التنويه إلى ضرورة فهم أن الفارق المعنى لا يتصل بالأشياء في حد ذاتها بقدر ما يتصل بالمنظور الذي تُقيَّم من خلاله الأشياء، وهذه نقطة مهمة سنأخذها في اعتبارنا فيما بعد، حين نأتي إلى مقولتنا عن الفروع المختلفة للنظرية الهندوسية، والطبيعة الدقيقة لعلاقاتها الداخلية. ومن السهل أن نرى أن ذات الموضوع يجوز أن يدرس في علوم مختلفة ومن جوانب مختلفة، وعلى المنوال نفسه فكل ما يمكن أن يدرس في إطار من الفردية والتخصص في وجهات النظر يمكن أن يدرس أيضا من المنظور الكلى (والذى لا يصح النظر إليه كوجهة نظر متخصصة على الإطلاق)، وينطبق الأمر نفسه على الحالات التي لا يمكن فحصها من أية زاوية فردية كانت. وهكذا يمكن القول بأن مجال الميتافيزيقا يحتضن كل شيء، وهو شرط لازم لكليتها كما يجب أن تكون، ولكن المجالات المناظرة لها في العلوم الأخرى سوف تظل مختلفة عن مجال الميتافيزيقا؛ حيث إنها لا تحتل ذات المساحات التي تحتلها العلوم المتخصصة، فليست متشاكلة معها، ولن يمكن عقد مقارنة بين النتائج المتحصلة منهما.
ومن ناحية أخرى لا يحتوى مجال الميتافيزيقا بكل تأكيد على تلك الأمور التي فشلت العلوم المختلفة فى تعرُّفِها؛ لأن هذه العلوم ببساطة في درجة ناقصة من التطور، كما أشار إلى ذلك بعض الفلاسفة الذين استطاعوا بالكاد أن يتعرفوا على ما نتناوله هنا، فإن مجال الميتافيزيقا يحتوى على ما يكمُن بطبيعته خارج نطاق هذه العلوم، ويتجاوز بشوط واسع كل ما يمكنهم ادعاء الإلمام به، ومجال كل علم منها يعتمد دائما على التجريب في وجه أو آخر من صيغتها، في حين أن مجال الميتافيزيقا يكمُن جوهريا فيما لا يجوز فيه التجريب؛ حيث إنه وراء ما هو طبيعي، وبناء عليه فإن مجالات العلوم الأخرى يمكن أن تمتد بلا نهاية دون أن تجد أقل قدر من التماس مع المجال الميتافيزيقي.
ونستنتج من الملحوظات السابقة أنه كلما أشير إلى موضوع الميتافيزيقا، فلا يصح النظر إليه باعتباره أمرا يمكن أن يقارن بهذا العلم أو ذاك. ويتبع ذلك أيضا أن ذلك الموضوع يجب أن يظل هو هو، ولا يمكن أن يكون أمرا قابلا للتحول أو خاضعا لظروف الزمان والمكان، فالعارض والحادث والمتغير ينتمون بالضرورة للمجالات الفردية، وهي حتى سمات تؤثر في الجوانب الفردية للأشياء فى صيغها المتعددة. وكل ما يتغير مع الزمن والمكان فيما يتصل بالميتافيزيقا، لا يعدو أن يكون طريقة التعبير من ناحية؛ أي الأشكال البرانية التي تستطيع الميتافيزيقا أن تتقمصها، والتي قد تختلف دون حدود، ومن ناحية أخرى درجة المعرفة أو الجهل بها التي قد تتوفر لدى الناس، ولكن الميتافيزيقا تظل ذاتها دائما، وبشكل أساسي لا يتغير، حيث إن موضوعها كامن في جوهرها، أو بشكل أدق باللا - ازدواجية كما يسميها الهندوس، والموضوع، مرة أخرى، كامن فيما وراء الطبيعة فوق كل التحولات، ويعبر العرب عن ذلك بقولهم: "إن التوحيد واحد".
وإذا نحن استرسلنا في الموضوع نفسه فسوف نقول إن من المستحيل أن نصل إلى اكتشافات جديدة في الميتافيزيقا؛ فهى معرفة لا تحتاج إلى أية وسائل متخصصة وبرانية في البحث، وكل ما يمكن أن يعرف منها قد يكون عرف بالفعل لأشخاص معينين في أية حقبة كانت، وهذا نابع في الواقع من دراسة عميقة للنظريات الميتافيزيقية. وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن فكرة التطور والتقدم قد يكون لها نفع نسبي في علم الأحياء أو علم الاجتماع، بالرغم من أن هذا لم يثبت بالقطع، فمن المؤكد أنها لن تجد مكانا لها في الميتافيزيقا، ثم إن تلك الأفكار غريبة تماما عن الشرقيين، مثلما كانت غريبة عن الغربيين في نهايات القرن الثامن عشر على وجه التقريب، وبالرغم من ذلك يأخذها الناس حاليا في الغرب مأخذ المسلمات، ويعتبرونها ضرورية للفكر الإنساني. ولنلاحظ أن هذا الموقف يتضمن إدانة رسمية لأية محاولة لتطبيق المنهج التاريخي على الفكر الميتافيزيقي، والواقع أن وجهة نظر الميتافيزيقا في حد ذاتها، مناقضة للمنظور التاريخي، أو ما يؤخذ على أنه كذلك، وسوف يظهر أن هذا التناقض سينجلي في النهاية لا عن اختلافات تتصل بالمنهج فقط، ولكن الأكثر أهمية من هذا؛ هو السؤال الحقيقي عن المبادئ، وذلك من حيث إن النظرية الميتافيزيقية - في ثباتها الجوهري - هي نفى لفكرة التطور والتقدم.
ويجوز القول في الحقيقة إن الميتافيزيقا يجب أن تدرس ميتافيزيقيا. ولا يصح الالتفات إلى العوارض من قبيل السيطرة الفردية؛ فهى أساسا لا توجد من هذ المنظور، ولا يمكن أن تؤثر في النظرية بأية درجة، فهى جوهريا من مستوى الكليات، وبالتالى فهى فوق الفرديات، وستظل أبدا محصنة من ذلك النفوذ. وحتى ظروف الزمان والمكان لن تؤثر إلا على طرق التعبير عنهما كما سبق القول، ولكنها لن تطول جوهر النظرية، ثم إنه لن توجد تساؤلات عنها كما يحدث عرضا في مستوى العقائد والآراء التي هي متحولة ومتغيرة، ذلك لأنها معرضة للشك، أما المعرفة الميتافيزيقية فهى جوهريا موضع اليقين الثابت الذي لا يتحول.
والواقع أن الميتافيزيقا لا تشترك بأية درجة كانت في نسبية العلوم المتخصصة، فهى تعنى الإيمان المطلق كأحد سماتها الكامنة، وليس هذا فقط من واقع موضوعها ولكن أيضا من ناحية منهجها لو أن هذه الكلمة يمكن أن تستخدم في السياق الحالي حيث إن هذا المنهج - أو أيا كان ما نسمى به هذا الأمر - لن يكون كافيا لمقاصدها. والميتافيزيقا إذن تنفى بالضرورة أى مفهوم ذو طبيعة افتراضية، ويتبع هذا أن الحقائق الميتافيزيقية لا يمكن في حد ذاتها أن تُدحض، وإذا كان يحدث أحيانا مناقشات أو جدل حولها؛ فذلك نتيجة لعيب في التعبير والطرح، أو لنقص في الفهم لتلك الحقائق. ثم إن أي طرح كان في هذا المقام لن يسلم من العطب؛ حيث إن المفاهيم الميتافيزيقية لا يمكن التعبير عنها بالكامل، ولا يمكن حتى تخيلها بالكامل، فجوهرها لا يمكن الوصول إليه إلا بالذكاء الذي لا شكل له وحده، فهى تتجاوز - بشكل شاسع - كافة الأشكال الممكنة، وخاصة التعابير التي تحاول اللغة أن تحبسها فيها، وهى دائما تعابير خلو من الكفاءة وتميل إلى تحديد مجال تلك المفاهيم، وبالتالي تُصيبها بالتشوه. ويجوز أن تستخدم تلك التعابير كنقطة بداية، وتكون عاملا مُساعدا نحو فهم ذلك الذي لا يمكن التعبير عنه، وعلى كل امرئ أن يحاول استيعابه حسب قواه الفكرية، حتى يعالج تلك العيوب التي لا مناص منها في التعبير الشكلي المحدود بالتناسب مع نجاحه في المحاولة، ومن الثابت أيضا أن تلك العيوب سوف تصل إلى مداها حين نحاول التعبير باللغة وباللغات الأوروبية الحديثة بالذات، التي تبدو عديمة المرونة في طرح الحقائق الميتافيزيقية. وكما ذكرنا سلفا في سياق الحديث عن صعوبات الترجمة والاقتباس، فإن الميتافيزيقا بحكم أنها تنفتح على إمكانات لانهائية، فإنها يجب أن تحتفظ دوما بنصيب الجانب الذي يستحيل التعبير عنه، وهو في الأساس بالنسبة لها: الأمر الجوهري.
والمعرفة بالنظام الكلى هي بالضرورة فيما وراء كل التمايزات التي تكيف المعرفة بالأمور الفردية، والتي يمثل التمايز بين الذات والموضوع نمطها الأساسي العام في التشعبات، وهذا يبين أيضا كيف أن مقاصد الميتافيزيقا لا يمكن أن تُضاهى بأية مقاصد لأية معرفة أخرى من أى نوع كان، ويمكن فقط أن نتحدث عنها بالقياس؛ حيث إن المرء كي يتحدث عنها يكون مجبرا على أن يلصق بها تسمية أو أخرى. وكذلك عندما يتحدث المرء عن الوسائل التي يتوسل بها إلى المعرفة الميتافيزيقية فمن الثابت أن تلك الوسائل هي المعرفة ذاتها؛ والتي يتوحد فيها الذات والموضوع بالضرورة، وهذا يتساوى مع قول إن الوسائل موضوع الحديث- إذا كان مسموحا لنا حقا أن نصفها بذلك، لا يمكن أن تشاكل ممارسة الملكات المتشددة للعقل الإنساني.
وكما ذكرنا سلفا فنحن نتعامل هنا مع مرتبة ما فوق الفردية، والتى لا تعنى اللامعقول بأى شكل فالميتافيزيقا لا تستطيع أن تناقض العقل، ولكنها فوق عقلية، وليس لها دور هنا - إلا بشكل ثانوي - في تكوين تعبير براني عن حقائق، فيما وراء نطاق العقل، وخارج مجاله. إن الحقائق الميتافيزيقية يمكن أن تستوعب فقط من خلال ملكة لا تنتمى للمرتبة الفردية، والتي تعتبر بصيرية من واقع سماتها المباشرة وطريقة عملها، ولكن بشرط ألا يعتقد أن لها أية علاقة كانت بالملكة التي يسميها بعض الفلاسفة المعاصرين بالحدس، باعتباره ملكة غريزية فيما تحت العقل وليس فوقه. وحتى نكون أكثر وضوحا، فإن الملكة التي نتحدث عنها هي الحدس العقلى، وحقيقة وجودها كانت موضع إنكار من الفلسفة الحديثة، كلما فشلت في تجاهلها، وقد فشلت أيضا فى تفهم طبيعتها الحقيقية. وهذه الملكة يمكن أن تسمى العقل البحث أو العقل الخالص، ولو أننا تتبعنا أرسطو وخلفاءه المدرسيين، فقد كانوا يعرفون الحدس بأنه الملكة التي تصل إلى المبادئ بشكل مباشر. وقد أعلن أرسطو أن الحدس أكثر حقيقية من العلم، وهو ما يساوى القول بأنه أكثر حقيقية من العقل الذي ينشئ ذلك العلم، ويقول أيضا ليس هناك ما هو أكثر حقيقية من الفكر، فهو بالضرورة لا يخطئ لأن طريقة عمله مباشرة، ولأنه لا ينفصل عن مقاصده، فهو متوحد مع الحقيقة ذاتها.
هذه هي الأسس الضرورية لليقين الميتافيزيقي، ويمكننا أن ندرك أن الخطأ يمكن أن يطول هذه الأسس فقط، نتيجة استخدام العقل، أى فى صياغة الحقائق التي استوعبها الفكر، وهذا يثبت أن العقل غير معصوم من الخطأ، نتيجة طبيعته الوسيطة والجدلية. وبالإضافة إلى ذلك؛ فحيث إن كل التعابير محكوم عليها بالمحدودية والنقص فالخطأ حتمى فيها شكلا إن لم يكن موضوعا، ومهما حاول المرء أن يضبط التعبير فإن ما يترك منه أجل بكثير مما يُدرك، وهذا الخطأ المحتوم في التعبير، لا يحتوى على ما هو إيجابي، ولا يعدو أن يكون من قبيل الحقائق الصغرى؛ حيث إن مجاله لا يعدو البناء الجزئي الناقص في التعبير عن الحقيقة الكاملة.
ويمكن الآن أن نتفهم المغزى العميق فى الفارق ما بين المعرفة الميتافيزيقية والعلمية، فالأولى مشتقة من الفكر البحت الذى يتناول الكليات، والثانية مشتقة من العقل الذي يتناول العموميات، وكما أعلن أرسطو أنه ليس هناك علم إلا ما يتناول العموميات. ولا يجوز الخلط بين الكليات والعموميات، كما يحدث غالبا مع المناطقة الغربيين، والذين لا تطول معرفتهم إلا العموميات حتى لو طبقوها خطأ على الكليات. ووجهة نظر العلم كما قد رأينا تنتمى إلى المستوى الفردى، والعموميات لا تناقض الفرديات، ولكنها تناقض الخصوصيات؛ حيث إنها ليست إلا امتدادا للفرديات. ثم إن الفردى يمكن أن يمتد بلا نهاية دون أن يغير ذلك من كنهه، ودون تجاوز أحواله المحددة، ولهذا قلنا: إن العلم يمكن أن يمتد إلى ما لا نهاية دون أن يتقاطع مع الميتافيزيقا، وسوف يبقى منفصلا تماما على الدوام؛ لأن الميتافيزيقا وحدها هي التي تحتوى على معرفة الكليات.
ونعتقد أننا قد عرضنا لطبيعة الميتافيزيقا بما يكفى، وليس هناك ما نضيف دون الدخول في تفاصيل النظرية ذاتها، وليس هنا موضعها، إلا أن هذه الملحوظات سوف تتسع في الأبواب التالية، خاصة حين نأتى إلى عرض الفوارق بين الميتافيزيقا وما يسمى عادة بالفلسفة في الغرب الحديث. وكل ما ذكرنا يمكن أن يطبق بلا تحفظات على كافة النظريات التراثية في الشرق، بالرغم من الفوارق الكبيرة في الشكل، تلك التي تعمل على إخفاء هويتها الأساسية عن عين المراقب العابر، فهذا المفهوم للميتافيزيقا يصدق على كل من النظريتين الطاوية والهندوسية كما يصدق على الجانب الجواني فوق الديني للإسلام.
والآن، فهل هناك فى العالم الغربي الحديث ما هو من هذا القبيل؟ وإذا كان على المرء أن يعتبر بواقع ما يوجد بالفعل في الغرب حاليا، فلن يكون هنالك إمكانية لأى جواب إلا النفى؛ حيث إن ذلك الذي يسميه الفكر الفلسفي الحديث بالميتافيزيقا لا علاقة له بما طرحناه عنها من أية ناحية، وسوف نعود إلى هذه المسألة وشيكا، إلا أن ما ذكرناه عن أرسطو والنظرية المدرسية يبين على الأقل أن الميتافيزيقا وجدت بالفعل وإلى حد ما في الغرب بالرغم من نقصها، وبالرغم من هذا الاحتياط اللازم، نستطيع أن نؤكد أننا بصدد أمر ليس له نظير في العقلية الحديثة والذي يبدو أنه أبعد من قدرة هذه العقلية على الفهم. ومن ناحية أخرى؛ فإذا كان الاحتياط المذكور لا يمكن اجتنابه؛ فذلك لأن هناك معوقات خلقية في الفكر الغربي ككل، تمتد على الأقل من الفترة الكلاسيكية حتى الآن، وقد ذكرنا سلفا أن اليونانيين لم يكن لديهم فكرة عن اللامتناهى، ثم إنه لماذا يمثل الغربيون اللامتناهي بالفراغ الذي لا يمكن أن يكون لامتناهيا قط حين يعتقدون أنهم يدركونه؟ ولماذا يخلطون بين الأبدية التي تكمن بالضرورة خارج الزمن، وبين الاستمرارية التي ليست إلا تعبيرا غير محدد عن امتداد الزمن ذلك في حين لا توجد هذه الأغاليط لدى الشرقيين.
والواقع أن العقل الغربي لا يتعلق إلا بالأشياء الحسية، ودائما ما يخلط بين الفهم والتخيل إلى درجة أنهم يعتقدون أن ما لا يمكن إدراكه بالحس لا يمكن أن يعمل فيه العقل، وقد كانت الملكات التخيلية سائدة حتى بين اليونانيين. وهذا بالضرورة نقيض كامل للفكر البحت ولا يمكن أن يوجد والحال هكذا فكر بمعنى الكلمة، وبالتالي لن تكون هناك ميتافيزيقا. وإذا أضفنا إلى ذلك اضطرابا من نوع آخر مثل الخلط بين المعقولية والفكر، يصبح من الثابت أن الفكر الأوروبى المفترض بين المحدثين خاصة، لا يتجاوز ممارسة الملكات الفردية الشكلية للعقل والتخيل، ويمكن أن نفهم الآن الهوة التي تفصله عن الفكر الشرقى، والذى لا يعتبر المعرفة حقيقية أو ذات قيمة، إلا ما ينبثق أعمق جذورها من الكلى، ومما لا شكل له.
تعليقات
إرسال تعليق