القائمة الرئيسية

الصفحات

الباب السادس

العَلاقة بين الميتافيزيقا واللاهوتيات

من كتاب: مدخل عام إلى النظريات التراثية، رينيه غينو، ص: 93 وما بعدها

 

لا تكمن أصول المسألة التي نبحثها الآن في الشرق، وذلك لغياب المنظور اللاهوتي على وجه الخصوص، والذى تكمن فيه الصيغة الدينية بشكل طبيعي، وعلى الأصح، فهى تظهر فقط فى الإسلام؛ حيث تأتى فى شكل البحث عن العلاقة الصحيحة بين شقى التراث: الإلهى منهما، ويشتمل على علم التوحيد وعلم الكلام، وما هو فوق-الديني، ويمكن أن نسميهما الإلهيات والميتافيزيقيات على التوالي. وفي الغرب - من ناحية أخرى، فإن غياب النظرة الميتافيزيقية هو الذي يمنع من ظهور هذا التساؤل وهو أمر لا يؤثر إلا على النظريات المدرسية، والتي كانت في الأصل تحتوى على الشقين اللاهوتى والميتافيزيقي، ولكن الأخير منهما أختزل، ولا يبدو أنه قد تم التوصل إلى حل محدد لهذه المسألة حتى الآن. وعلى ذلك يصبح طرح التساؤل بشكل عام ذا أهمية عظمى؛ حيث إنه يتعلق في الأساس بالمقارنة بين صيغتين فكريتين مختلفتين هما الصيغة الميتافيزيقية المطلقة، والصيغة الدينية المحددة.

وكما ذكرنا سلفا؛ فإن المنظور الميتافيزيقى وحده هو الكلى، وهو بالتالي لا محدود. ويتبع ذلك أن كافة وجهات النظر الأخرى متخصصة، وخاضعة بطبيعتها لمحددات مختلفة. وقد بينا سلفا كيف أن هذا ينطبق على المنظور العلمى مثلا، وسوف نبين فيما يلى انطباقه أيضا على عدة وجهات نظر أخرى تصنف عادة تحت عنوان الفلسفة. وهي لا تختلف - بشكل جوهري - عما يدعى بالمنظور العلمى، ذلك بالرغم من أنهما مطروحتان معا في إطار ادعاءات لا مبرر لها. وهذه المحدودية الجوهرية تنطبق حتى على وجهة النظر اللاهوتية، أى أن هذه الصيغة متخصصة هي الأخرى، بالرغم من أن - ذلك لا يجعلها متخصصة بالمعنى العلمى، كما أن حدودها ليست بالضيق الذي يتسم به مجال العلم، ذلك لاقترابها من الميتافيزيقا أكثر من العلوم الأخرى، ولا تحدها المجالات الضيقة التي تحد العلوم، وتحتاج إلى فهم أعمق لتمييزها عن الميتافيزيقا حيث يظهر الخلط هنا بسهولة أكثر مما يمكن أن يحدث من خلط في أي مجال آخر.

ولم يتوان الخلط في الواقع عن الظهور، حتى إنه اتخذ أبعادا أحدثت انعكاسا في العلاقة التي توجد بصورة طبيعية بين الميتافيزيقا واللاهوت، فحتى في العصور الوسطى التي كانت الحقبة الوحيدة في حياة الحضارة الغربية التي تمتعت فيها بتطور عقلى حقيقى، عامل الغرب الميتافيزيقا باعتبارها معتمدة على اللاهوت، ثم إنها لم تتميز بشكل كاف عن الاعتبارات المختلفة التي تدخل في نطاق الفلسفة، وكون هذا قد حدث بالفعل يعنى أن الميتافيزيقا - كما تفهم في الفكر المدرسي - قد ظلت ناقصة، وكان نتيجة ذلك أن مفهومها الكلى بما هو غياب المحددات من كل نوع، لم يفهم تماما، ولم تعالجها الأفهام إلا في حدود معينة، وقد بقيت في محيط المجهول المراتب الأعلى المحتملة التي تعلو فوق تلك الحدود. وهذه الحقيقة؛ عذر كاف لسوء الفهم الذي طفا منذ ذلك الوقت على السطح، ويكاد يكون من المؤكد لو أن الأسلاف اليونانيين - بما حققوه من فهم للميتافيزيقا - قد كان لديهم ما يشبه اللاهوت من حيث مكانته في الدين اليهودي - المسيحي - لا نخدعوا أيضا بالطريقة نفسها، وهذا يعيدنا إلى ما ذكرنا عن الغربيين الذين كانوا ميتافيزيقيين إلى حد ما، والذين لم يعرفوا الميتافيزيقا كاملة، إلا أنه يمكن أن يكون هناك بعض استثناءات فردية؛ إذ ليس هناك ما يحول في أي زمان - أو في أية بلاد - دون وجود القادرين على الوصول إلى المعرفة الميتافيزيقية الكاملة، وهذا ممكن حتى في العالم الغربي الحالي، إلا إن هذا الأمر يبدو غير محتمل نظرا للميول العامة التي تحكم نظرة الناس، وتخلق خلفية غير مواتية بالمرة كما نتصور. وعلى كل فلو أن تلك الاستثناءات قد تحققت فليس هناك من وثائق مكتوبة تثبت حدوثها، كما لا يمكن للحقائق المعروفة أن تنبى عن آثارها، إلا أن غياب تلك البراهين المباشرة لا يدحض حدوثها، ولا تثير أية غرابة، فلو أنها حدثت في الواقع فما حدثت إلا بفضل طبيعة خاصة ليس من المفضل الخوض فيها حاليا.

ونعود إلى المسألة التي تخصنا هنا، وسوف نذكر القارئ بأننا أشرنا سلفا إلى الاختلافات الجوهرية بين الميتافيزيقا والعقيدة الدينية؛ ففى حين أن المنظور الميتافيزيقي عقلي بحت، فإن المنظور الديني يتصدره عنصر وجدانی (انفعالي) يؤثر في النظرية ذاتها، ولا يسمح بأن تحتفظ النظرية بسمت الاستبطان غير المتحيز، وهذا في الواقع ما يحدث في اللاهوتيات، إلا أنه يتميز بدرجات مختلفة من السيطرة حسب الفرع المعروض للبحث. وذلك العنصر الوجداني لا يتجلى بكامل وضوحه إلا في الشكل الجوانى أو الصوفى من الفكر الدينى، ولننتهز هذه الفرصة كى نؤكد الخلاف بيننا وبين الرأى السائد الذي يقول بتفشى هذه الظاهرة فى الشرق؛ فالصوفية غير مفهومة إلا في إطار المنظور الديني فقط، وهي غير معروفة تماما في الشرقين الأوسط والأقصى. ونستطيع في الفوضى العارمة التي انتابت التعبير عن أفكار ليست صوفية على الإطلاق بتفاسير صوفية، أن نرى مثلا آخر فى الميل الجارف بين الغربيين إلى البحث في أنحاء العالم عن أفكار مناظرة للفكر الذي هو في الواقع من خصائصهم هم أنفسهم، ولكننا لن نناقش هذه المسألة هنا بتفصيل خشية أن تقودنا بعيدا عن موضوعنا.

إن العناصر الوجدانية تشوب بوضوح النقاء الفكرى للنظرية، ولا مناص من القول بأنها تمثل إخفاقا بمعايير الفكر الميتافيزيقي، ذلك السقوط الذي حدث في بعض الأماكن بشكل عام ومتفش، أى فى العالم الغربي، كان محتوما وحتى ضروريا بمعنى ما؛ إذ وجب على النظرية أن تطوع لعقلية الذين فصلت خصيصا من أجلهم، وهم على ما هم عليه من قوة المشاعر، وضعف الفكر، بفضل سيادة مفاهيم مقصورة وصلت إلى أوجها في العصر الحديث، ولكن ذلك لم يغير من طبيعة المشاعر كأمور عارضة ونسبية، وبالتالي فإن اعتماد أية نظرية عليها سوف يجعلها بالضرورة عارضة ، وهذا ملحوظ أساسا فيما يتصل بالاحتياج إلى العزاء الذي ارتبط بالممارسة الدينية ارتباطا وثيقا. والحقيقة فى حد ذاتها لا تحتاج إلى أن تكون عزاء، وإذا تراءى للبعض أنها كذلك فهنيئا لهم، ولكن العزاء الذى يشعرون به ليس نابعا من النظرية، ولكنه نابع من أنفسهم، ومن الميول الخاصة لانفعالاتهم.

ويتبع ذلك أن النظرية التى تطوع ذاتها لمتطلبات أناس يغلب عليهم الانفعال وترتدى لها مسوحا وجدانية لن يمكننا أن نعتبرها حقيقة مطلقة وكلية، والتغير العميق الذي ينتاب هيكل النظرية - نتيجة بروز مبدأ العزاء - يناظر سقوطا فكريا عن جمَّاع الإنسانية التي توجهت إليها بالرسالة. وإذا نحن نظرنا إليها من زاوية أخرى، فهذه الخاصية هي التي تولّد التنوعات المذهبية في إطار العقيدة الواحدة، وبالتالي تسبب عدم التناظر بين النظريات الدينية المتفرعة عن العقيدة؛ حيث إن العقل واحد، والحقيقة أيا كان مقدار تفهمها لا يمكن أن تفهم إلا بطريقة واحدة، في حين لا ينطبق الأمر نفسه على المشاعر، وقد كان على الدين في محاولة إرضاء متطلبات المشاعر أن يطوع نفسه بكل ما أوتى من أجل صياغة هيكليه تتفق مع صيغ الانفعال المتعددة، والتي تختلف مع اختلاف الجنس والزمن. وهذا لا يعنى أن كل الصيغ الدينية من حيث النظرية تعانى من مفعول الوجدانية المذيب هذا، وما يصحبه من احتياج للتغيير، وقد تلقي الدراسة المقارنة بين الكاثوليكية والبروتستانتية - على سبيل المثال - ضوءاً على هذه المسألة.

ويمكن الآن أن نرى أن المنظور اللاهوتى ليس إلا تخصيصا للمنظور الميتافيزيقي، وينطوى ذلك على تغيرات متناسبة؛ حيث إنها تطبيق للمنظور الميتافيزيقي على ظروف عرضية، كما يمكن القول بأن صيغة الاقتباس قد تحددت بالظروف التي وجب عليها أن تستجيب لها؛ إذ إن تلك الضرورات الملحة هي المبرر الوحيد لوجودها. ويتبع ذلك أن كل مقولة لاهوتية، يمكن أن تفهم ميتافيزيقيا بالاستبدال، لو فصلناها عن أصلها، وناظرناها بما يساويها من المقولات الميتافيزيقية، والتي ليست إلا نوعا من الترجمة لها. ولكن هذا لا يعنى أن هناك تساويا مطلقا بين المستويين من الفهم، ويمكن أن يرجع القارئ لما ذكرناه سلفا: من أن كل شيء ينبع عن وجهة نظر فردية يمكن أيضا أن يفهم من المنظور الكلى، دون أن يمنع ذلك من الانفصال التام بينهما.

ولو أننا فحصنا هذه الأمور بالمنطق العكسي لكان علينا أن نقول: إن هناك حقائق ميتافيزيقية معينة قابلة للترجمة إلى اللغة اللاهوتية، ولكن ذلك لا ينطبق على كل الحقائق؛ حيث إنه من المهم أن نضع في اعتبارنا كثيرا من الأمور التي لا يجوز أن تنضوي تحت أية وجهات نظر فردية أيا كانت، والتي تنتمى فقط إلى عالم الميتافيزيقا، فالكلى بكليته لا يمكن أن يحتويه أى شكل كان، وهذا فى الواقع هو المقولة السابقة نفسها.

وحتى في حالة تلك الحقائق التي تناسبها الترجمة المذكورة، فإن تلك الترجمة مثل أي تشبيه كان - لا يمكن إلا أن تظل جزئية وناقصة، وكان ما أهملته هو الذي يوفر القياس الصحيح بين وجهتى نظر اللاهوت والميتافيزيقا. ويمكن أن نضرب على ذلك الأمثلة، ولكن هذه الأمثلة ذاتها سوف تتطلب فهما نظريا لا يجوز الخوض فيه هنا، وأحدها يمثل حالة نمطية تنطبق على حالات كثيرة أخرى؛ فمقارنة مفهوم النجاة في النظرية الهندوسية بمفهوم الخلاص في الديانة الغربية سوف يبين مدى الاختلاف الجوهري بينهما، ومسئولية هذا الخلط واقعة على كاهل بعض المستشرقين الذين حاولوا فهمهما، وبطريقة لا تعدو اللغو في الحديث، ولنلاحظ أيضا أن حالة كهذه تعتبر إنذارا لخطر حقيقى؛ فإذا قيل لهندى لا علم له بالمفاهيم الغربية: إن الأوروبيين يعنون بكلمة الخلاص ما يعنيه هو بكلمة موكشا، فلن يكون لديه دافع لمعارضة ذلك التأكيد أو الشك في دقته، حتى إنه سوف يستخدم بعد ذلك كلمة خلاص ليصف بها مفهوما في حدود علمه - ليس دينيا بأى شكل، وفى هذه الحالة سوف يكون سوء الفهم متبادلا، وسوف يصعب فك الاشتباك في خضم الاضطراب الحادث. وينطبق المدى نفسه من سوء الفهم على نقل المفاهيم الميتافيزيقية إلى الفلسفة الغربية، فالمسلم الذي يقبل - بشكل طبيعي - تعبير وحدة الوجود([1])panthiesme Islamique) ) حين يرد في سياق النظرية الميتافيزيقية (الصوفية) عن الذات العلية، ولكنه بمجرد أن يعى ماذا تعنيه هذه الكلمة عند سبينوزا مثلا؛ فإنه سوف يرفض برعب هذه الفكرة.

وسوف نقتصر في معالجتنا لما يعنى ترجمة الحقائق الميتافيزيقية إلى اللغة الدينية على مثال واحد بسيط ومبدئى، فالمفهوم الميتافيزيقي المباشر: الوجود موجود، حين يعبر عنه حسب المفاهيم الدينية أو اللاهوتية سوف يفتح الطريق لمقولة أخرى هي: الله موجود، ولكن المقولتين ليستا متساويتين، إلا في الشرط المشترك لفهم الله كوجود كلى، وهذا ليس صحيحا في معظم الأحوال، فتوحيد الوجود الملموس مع الوجود الأسمى هو مما يعتبر خطأ من الناحية الميتافيزيقية. ولاشك أن هذا المثال - على بساطته البالغة - لا يفى بحق الجوانب الأعمق من المفاهيم الدينية، ولكنه - على حاله قمين بتوضيح المشكلة؛ حيث إنه جاء بالفعل من سوء فهم دلالة المقولتين المذكورتين وناتج عن اضطراب واقع بين وجهتى نظر متناظرتين، ومنه جاءت المتناقضات التي لانهاية لها، والمرتبطة بما أطلق عليه المسألة الأنطولوجية، والتي هي مجرد نتاج لهذا الخلط ووعاء له.

وهناك نقطة مهمة أخرى نذكرها في سياق المثال نفسه، وهي أن المفاهيم اللاهوتية ليست بمنجاة من الاختلافات الفردية، بخلاف المفاهيم الميتافيزيقية البحتة، فهي خاضعة للاختلاف بين فرد وآخر، وتلك الاختلافات تدور بالضرورة حول المفهوم الأساسى للألوهية، والذين يحاجون في أمور مثل البرهان على وجود الله إذا كان في نيتهم فهم أحدهم الآخر، فلا بد لهم من التأكد من أنهم حين يتلفظون بكلمة الله؛ فهم حقا ينتوون التعبير عن المفهوم نفسه، وغالبا ما يكتشفون أن ذلك ليس كذلك، وليست فرصتهم فى التفاهم بأكثر مما لو كانوا يتكلمون بلغتين مختلفتين. وتتجلى في هذا النطاق من الاختلافات الفردية التي لا لوم فيها - على اللاهوت الرسمي والتعليمي والميول المسبقة المضادة للميتافيزيقا بين الغربيين على وجه الخصوص، وهي التي تشكل الأنسنة، ولكن هذا الموضوع يحتاج إلى بعض التفاسير الإضافية التي سوف تمكننا من طرح المسألة من وجهة نظر أخرى. 


[1]-  نظرية وحدة الوجود الإسلامية (المراجع)

 

تعليقات

مواضيع المقالة