الباب العاشر
التحقق الميتافيزيقي
من كتاب: مدخل عام إلى النظريات التراثية، رينيه غينو، من صفحة: 123 وما بعدها.
عندما كنا نصف السمات الأساسية للميتافيزيقا، ذكرنا أنها تشتمل على معرفة بصيرية مباشرة، كنقيض للمعرفة الكلامية والمعارف الوسيطة التي تنتمى إلى المرتبة العقلانية. والحدس العقلى هو أكثر مباشرة حتى من الحدس الحسي؛ حيث إنها تقع فيما وراء الفوارق التي تفصل الذات عن الموضوع، تلك الفوارق التي يسمح الحدس الحسى ببقائها، وهي وسيلة المعرفة والمعرفة ذاتها في آن واحد، وينتمى إليها كل من الذات والموضوع، والواقع أنه ليس هناك معرفة تستحق هذا الاسم ما لم تكن قادرة على توليد هذا التعريف، وفى كل الأحوال عدا الحدس العقلى، فإن هذا التعريف يبقى دائما رهين النقص وعدم الكمال، وبطريقة أخرى، ليس هناك معرفة حقة عدا ما يمكن أن تسهم بشكل قل أو كثر في تطوير طبيعة المعرفة الفكرية النقية، وكل المعارف الأخرى بما هي أقل مباشرة ليس لها على الأكثر إلا قيمة رمزية أو تشبيهية، والمعرفة الفعالة الأصيلة هي فقط تلك التي تسمح لفهمنا باختراق طبيعة الأشياء، وإذا كان ذلك الاختراق ممكنا إلى درجة ما من خلال معارف أقل مرتبة، فإنه لا يصل إلى كماله وتحققه إلا بالمعرفة الميتافيزيقية.
وينبني على ذلك مباشرة أن المعرفة والوجود هما أساسا شيء واحد لاغير، فهما - على سبيل الكلام - جانبان لا ينفصلان الحقيقة واحدة، ولم يعد من الممكن فصلهما في ذلك المناخ من اللا-ازدواجية. وهذا فى ذاته كاف ليوضح كيف تتهافت كل نظريات المعرفة التي تدعى ادعاءات ميتافيزيقية، وتحتل مكانة مرموقة في الفلسفة الغربية الحديثة مثل حالة كانط على سبيل المثال، والتي تتضخم حتى تمتص كل شيء، أو على الأقل تتسلط على كل شيء. والسبب الوحيد لوجود مثل هذه النظريات ينبع من توجه عقلي معين يصيب كل الفلاسفة المحدثين، وتكمن أصوله فى الازدواجية الديكارتية وهذا التوجه العقلى هو اصطناع الفصل بين المعرفة والوجود، وهو نفى كامل لكل الميتافيزيقا الحقة. والفلسفة الحديثة تتجه إذن إلى محاولة إحلال نظرية المعرفة محل المعرفة ذاتها، وهو ما يساوى اعترافها العُنَّة([1])، ويمثل هذا الاتجاه تمام التمثيل مقولة كانط "إن الاستخدام الرئيسي - وربما الوحيد - لكل الفلسفات التي تنبع من العقل البحت هو استخدام سلبي تماما، ذلك حيث إنها ليست أداة لامتداد المعرفة، ولكنها نظام لتحديدها". ألا تعنى هذه الكلمات - ببساطة ووضوح أن الغرض الوحيد للفلاسفة يجب أن يكون فرض حدودهم الضيقة التفكير على الناس أجمعين؟! فها نحن نرى هنا نتيجة محتومة للنظرة المذهبية، ولنكرر مرة أخرى أنها مضادة للميتافيزيقا إلى أقصى درجة.
فالميتافيزيقا تثبت الهوية الأساسية للمعرفة والوجود([2])، ولن يتساءل عن ذلك إلا من يجهلون كل شيء عن المبادئ الأولية للميتافيزيقا، وحيث إن تلك الهوية متضمنة بالضرورة في طبيعة الحدس العقلى؛ فهى لا تقف عند إثباتها، بل تحققها بالفعل. وهذا صحيح على الأقل فيما يتصل بالميتافيزيقا الكاملة، ولكن لابد من ذكر أن أية ميتافيزيقا وجدت في الغرب ظلت دائما ناقصة في هذا الصدد، إلا أن أرسطو وضع مبدأ ذلك التعريف فى صريح قوله "إن الروح هي كل ما تعرف"([3])، ولكنه لم يحاول هو ولا أتباعه أن يمنحوا هذا الإيجاب معناه الكامل، أو أن يحاولوا تخريج النتائج المتضمنة فيه، وبقيت هذه العبارة مجرد مخزون نظری بحت. ولا شك أن هذا أفضل من لاشيء إلا أنه غير كاف بالمرة، وهكذا يبدو أن الميتافيزيقا الغربية مضاعفة النقص؛ فهي ناقصة نظريا كما سبق القول، وناقصة من حيث إنها لا تمتد خارج الوجود، ثم إنها تضع في اعتبارها الأشياء إلى المدى الذي تحدده في ضوء نظري بحت، وتنظر إلى النظرية باعتبارها أمرا مكتفيا بذاته، وهدفا في حد ذاتها، في حين يجب أن تكون بشكل طبيعي - درجة من الاستعداد - لا غنى عنها بالتأكيد، ولكنها يجب أن تفود إلى تحقق مكافئ.
عند هذه النقطة يلزم أن نذكر كيف نستخدم كلمة نظرية فمن ناحية الاشتقاق یعنی مدلولها الأصلى "التأمل"، وإذا قدر لها أن تحمل ذلك المعنى فيمكن القول بأن الميتافيزيقا فى كليتها بما فيها التحقق الذي تنشده، هي نظرية بالمعنى الكامل، ولكن الاستخدام أضفى على الكلمة معنى مختلفا، هو قبل كل شيء معنى أضيق؛ فقد ظهر تعارض بين النظرية والممارسة، ويكمن أصل معناه في اصطلاح القضية المضادة والذي يعنى تعارض التأمل مع الفعل، ويظل له مبرر هنا؛ حيث إن الميتافيزيقا بالضرورة هى فيما وراء مجال الفعل، والذي هو مجال العوارض الفردية، لكن العقلية الغربية التي اتجهت بكل ثقلها نحو الفعل، ولم تعد قادرة على استيعاب أي تحقق خارج مجال الفعل، قد وصلت إلى اعتراض النظرية مع التحقق بالمعنى العام. وسوف نقبل هذا الاعتراض الأخير حتى لا نخرج عن إجماع الاستخدام، ولنتجنب أي اضطراب قد ينشأ نتيجة مصاعب فصل هذه المصطلحات عن دلالاتها، التي اكتسبتها بالحق أو الباطل، ولن نذهب إلى وصف التحقق الميتافيزيقي بأنه عملي؛ حيث إن هذه الكلمة أصبحت لصيقة بفكرة الفعل الذى كانت تعبر عنه سلفا، ولا تنطبق بأي شكل على موضوعنا الحالي.
والنظرية دائما ما تتزامن مع أو تسبق تحققا فعالا في النظريات الكاملة ميتافيزيقيا كما فى الشرق، وتكون أساسا لازما لها؛ فليس هناك تحقق بدون إعداد نظرى، لكن النظرية محكوم عليها بالنظر إلى ذلك التحقق كوسيلة لتحقيق الغاية، وهذا الرأى مفترض سلفا، أو هو على الأقل متضمن فيها، حتى من الناحية البرانية للنظرية. ومن ناحية أخرى هناك وسائل فعالة من نوع مختلف تماما للتحقق، بالإضافة إلى الإعداد النظرى، ولما بعده، ولكن هذه الوسائل مقدر لها ببساطة أن تكون مجرد نقاط انطلاق، وتلعب دورا معاونا فقط، مهما بلغت أهميتها في الممارسة الفعلية، ومنها الشعائر التي تتميز بسمات ومرام ميتافيزيقية، إلا أن هذه الشعائر - بخلاف الاستعداد النظري - لا تعتبر وسائل لا يستغنى عنها؛ حيث إنها إضافية وليست جوهرية، وهي تحتل موقعا مهما من النظرية الهندوسية، ولكنها صريحة في هذا الأمر، والشعائر قادرة بالرغم من هذا على تسهيل التحقق الميتافيزيقي بفضل خصائصها، أي تحويل المعرفة الافتراضية إلى معرفة فعالة.
ولا شك في أن هذه الاعتبارات سوف تبدو غريبة للغاية في عيون الأوروبيين الذين لم يفكروا أبدا في احتمال من هذا النوع، ولكن هناك فى الغرب تشابها جزئيا مع التحقق الميتافيزيقى الذى يسمى التحقق الجواني. ونعنى مع استخدام كلمة جواني بمعناها الحالي المعتاد، أن هناك عنصرا فعالا في الأحوال الجوانية يجعل منها شيئا أكثر من مجرد معرفة نظرية بحتة، ذلك بالرغم من أن تحققا من هذا النوع هو حتما محدود للغاية. والحق أن هذا التحقق نو سمة دينية صرفة، مما يبين أنه قاصر على المجال الفردي، والحالات الجوانية ليست فوق فردية بأى شكل، وذلك من حيث إنها تتضمن امتدادا غير محدد لإمكانيات فردية، وهذه الإمكانيات حقا أعظم بكثير مما يعرف عنها عامة، وتذهب إلى أبعد كثيرا مما يستطيع النفسانيون على الخصوص إدراكه، بما فيه كل ما يحاولون أن يحشروه في فكرتهم عن اللاوعي، وتحقق من هذا النوع لا يستطيع أن يكتسب قيمة كلية أو ميتافيزيقية، ودائما ما يظل خاضعا لنفوذ عوامل فردية، وعادة ماتكون من مستوى وجداني، وهذه في الواقع هي الطبيعة الجوهرية لوجهة النظر الدينية، ولكنها هنا أكثر وضوحا من غيرها، ولا بد من الإشارة إلى أنه من الأرجح أن الخلط بين المرتبتين الفكرية والوجدانية سوف يكون مصدرا لتوليد الأوهام.
وأخيرا لابد من الإشارة إلى أن هذا التحقق لا يتطلب إعداد نظريا ودائما ما يكون جزئيا وغير قابل للتحكم، والشعائر الدينية دائما ما تلعب الدور نفسه من الدعم فيما يتعلق بها، مثلما يحدث في الشعائر الميتافيزيقية، ولكنها مستقلة بذاتها عن النظرية الدينية، أي اللاهوت، ونشير هنا إلى أن الجوانيين الذين هم على علم بشيء من اللاهوت؛ هم أقل عرضة من غيرهم لارتكاب أخطاء فادحة، يقع فيها من ليسوا على علم، كما أنهم عموما أقدر على التحكم في خيالهم وعواطفهم. وهذا هو التحقق الجواني والديني ومحدداته الأساسية، وهو الصيغة الوحيدة المعروفة في الغرب عن التحقق، وهو أمر لا يصح أن يُهمل، بالرغم من أنه مازال بعيدا عن التحقق الميتافيزيقي الحقيقي.
لقد كان من اللازم أن نصف بإيجاز وجهة النظر في التحقق الميتافيزيقي؛ حيث إنها لازمة جوهريا للفكر الشرقى كافة، وهى مشتركة بين الحضارات الثلاث العظمي التي تحدثنا عنها، إلا أننا لا نرغب في الإسهاب فيها في إطار العمل الحالي، والذي يحب أن يبقى ابتدائيا. وسوف نقتصر على النظر فيها في إطار الحديث عن النظريات الهندوسية، وكلما اضطررنا إلى ذلك؛ حيث إن هذا الأمر قد يكون من أصعب الأمور على أفهام الغربيين، ثم إننا يجب أن نضيف أنه إذا أمكننا طرح النظرية طرحا كاملا بدون تحفظ، فإننا لا يمكن أن نقوم بالطرح نفسه فيما يتصل بالتحقق.
[1]- هو أن يُظهر أحدهم اعتراضًا أو تدخلاً في موقف ما دون أن يكون ذلك مطلوبًا منه، إما بدافع الفضول أو الرغبة في إظهار المعرفة لعجزهم عن الفهم!
[2]- أن المعرفة والوجود هما أساسا شيء واحد لاغير، فهما - على سبيل الكلام - جانبان لا ينفصلان الحقيقة واحدة، ولم يعد من الممكن فصلهما في ذلك المناخ من اللا-ازدواجية.
[3]- De anima
تعليقات
إرسال تعليق