القائمة الرئيسية

الصفحات

مقارنة بين الفكر الميتافيزيقى والفكر الفلسفي

 

الباب الثامن

مقارنة بين الفكر الميتافيزيقى والفكر الفلسفي

 

من كتاب: مدخل عام إلى النظريات التراثية، رينيه غينو، ص: 105 وما بعدها 

 

لقد ذكرنا أن الميتافيزيقا تختلف اختلافا عميقا عن العلم وعن كل شيء يشار إليه في الغرب الحديث خاصة على أنه فلسفة، وتدخل تحت عباءته عدة أمور غريبة بينها أشياء لا يربط بينها شبه، وليس اعتبار الأفكار التي كان يعنيها اليونانيون عندما يفصلون الفلسفة وما تحوى مهما في سياق الأطروحة الحالي، كما كان يبدو في أول الأمر، وكما لو كانت مكوناتها فقط، هي كل ما يدخل في إطار المعرفة الإنسانية، حسب حدود القدرة على فهمها، ولكننا ننوى هنا أن نعرض لما يجرى في الغرب في هذه الأيام تحت هذه العباءة. وقبل كل شيء؛ لابد أن نلاحظ أنه كلما ظهرت الميتافيزيقا في الغرب، حاول الناس أن يربطوها بالمسائل التي تتصل بوجهات نظر عارضة، حتى يدخلوا بهما معا فيما يدعى بالفلسفة، وهذا يثبت أن مفهوم الميتافيزيقا الجوهري لم يتضح بما يكفى فى الغرب من حيث إنه يختلف عن كل المعارف الأخرى. وقد يذهبون حتى إلى معالجة الميتافيزيقا كفرع من الفلسفة سواء وضعوها في مستوى علوم نسبية شتى، أو أسبغوا عليها صفة الفلسفة الأولى كما فعل أرسطو، فإن كليهما يعنى سوء الفهم لنطاقها الحقيقى، وطبيعتها الكلية، فالكل المطلق لا يمكن أن يكون جزءاً من شيء، وليس هناك أي شيء كان قادر على احتواء الكلى. وهذا في ذاته برهان واضح على نقص الميتافيزيقا الغربية، والتي هي محدودة بنظرية أرسطو والنظريات المدرسية، وفيما عدا بعض الشذرات المبعثرة عن أعمال لم يعرف عنها ما يكفى لنتناولها بالحديث بأية درجة من التأكد فليس هناك أية نظريات ذات طبيعة ميتافيزيقية في الغرب منذ العصر الكلاسيكي حتى الآن، وذلك حتى لو عددنا الأخلاط من عناصر شتى، كالعلمية واللاهوتية وغيرهما، إلا أننا نستثنى السكندريين الذين مارسوا الحكمة في زمنهم بشكل مباشر.

ولو أن الفلسفة الحديثة اعتبرت كلا واحدا، لأمكن القول: إن وجهة نظرها لا تختلف عن وجهة النظر العلمية في شيء؛ حيث إنهما في الحالتين وجهتا نظر عقليتان، أو هكذا تدعى الفلسفة على الأقل، وأية معارف تأتى من مجال العقل هي علمية حتى لو وصفت بالفلسفية، وإذا هي أملت في الوصول إلى شيء آخر بالادعاء بسعة المجال أو بالأهمية اللتين تفتقدهما أصلا، فإنها تفقد كل قيمتها، بما فيها القيمة النسبية، وهذا هو ما يسمى بالميتافيزيقا المزيفة. وبالإضافة إلى ذلك فإن الاختلاف بين مجالي الفلسفة والعلم يفتقد ما يبرره؛ حيث إن الأولى تحتوى ضمن ما تحتوى على علوم خاصة وضيقة المجال كغيرها، وليس لديها خصائص تميزها بحيث تستحق مكانة مرموقة، وعلوم من هذا النوع مثل علم النفس وعلم الاجتماع تُدعى علوما فلسفية بناء على مجرد العادة، وليس بناء على أى سبب منطقي، وبالاختصار فإن الفلسفة قائمة على وحدة وهمية، وهي تاريخية لو أحببت، ومن الصعب أن نرى لماذا لم يعد من المعتاد تضمينها في علوم أخرى، كما كان يحدث في الماضي. ومن ناحية أخرى فقد كان هناك بعض العلوم التي صنفت تحت الفلسفة، ولكنها لم تعد كذلك في الوقت الحاضر، وكونها أصابت تطورا تقنيا كبيرا، كان سببا كافيا لانتشالها من تلك المجموعة الملتبسة من العلوم، وبالرغم من ذلك فإن طبائعها الداخلية لم تتغير بأدنى درجة، وإذا كان هناك بعض العلوم التي مازالت مصنفة تحت الفلسفة، فلن نستنتج من ذلك إلا أنها استمرار للمعنى الذي أعطاه اليونانيون للفلسفة، باعتبار أنها تضم كل العلوم.

ومن الثابت بناءً على ما ذكرنا أن الميتافيزيقا الحقة لا يمكن أن يكون لها صلة قربت أو بعدت بعلم النفس مثلا، أكثر مما لها بعلم الطبيعة أو علم وظائف الأعضاء، فهي جميعها علوم طبيعية بالمعنى الأولى العام للكلمة. وأقل من ذلك احتمالا أن تعتمد الميتافيزيقا على أي من هذه العلوم الخاصة، بأية درجة كانت، وادعاء أن للميتافيزيقا أسسا نفسية، كما حاول أن يدعى بعض الفلاسفة، لا يترك عذرا لهم إلا جهلهم المطبق بالميتافيزيقا الحقة، مما يحاكي محاولة إثبات اعتماد الكلى على الفردي أو اعتماد المبدأ الأساسي على إحدى نتائجه غير المباشرة، وكذلك تجرّ في أعقابها الأنسنة، وهي إذن مفاهيم مضادة للميتافيزيقا. فالميتافيزيقا يجب أن تكون مكتفية بذاتها؛ حيث إنها المعرفة المباشرة الوحيدة، ولا يمكن أن تؤسس على شيء إلا ذاتها؛ إذ إنها تتضمن المعرفة بالمبادئ الكلية التى يشتق منها كل شيء، بما فيها مادة العلوم المختلفة. وإذا لجأت العلوم المذكورة إلى فصل مادتها عن تلك المبادئ، بغرض التفكر فيها من وجهات نظرها الخاصة، معتبرين هذا أمرا مشروعا من ناحيتهم، فكيف يتأتى لهم أن يرجعوا مادتهم تلك إلى المبادئ الكلية؟ إن هذا من شأنه أن يخرج بهم من نطاقهم الخاص ونطاق وجهة نظرهم الخاصة. والملحوظة الأخيرة تبين أيضا أنه لا يمكن تأسيس أي من هذه العلوم مباشرة على الميتافيزيقا، ونسبية وجهات النظر التي تمثلها هذه العلوم تترك لها حكما ذاتيا بدرجة ما، وعدم فهم ذلك يؤدى إلى صراعات لا لزوم لها، وهذا الخطأ الذي ينوء به كاهل الفلسفة الغربية قد ارتكبه في الأصل ديكارت والذي كانت ميتافيزيقاه مزيفة، وكان اهتمامه بها لا يزيد على احتياجه المقدمة لكتابه «الفيزيقا»، وقد حسب أنه بذلك سوف يعطيه أساسا متينا.


وإذا نحن اتجهنا الآن إلى المنطق، فسوف نجد أنه ليس على وتيرة باقي العلوم التي عرضنا لها، وكلها يمكن أن تسمى علوما تجريبية لأنها قائمة على المشاهدة. والمنطق أيضا علم خاص من حيث هو دراسة الشروط التي تلزم الفهم الإنساني، ولكن صلته بالميتافيزيقا أكثر مباشرة، بمعنى أن ما يسمى بالمبادئ المنطقية هي ببساطة تطبيقات ومواصفات فى مجال محدد من المبادئ الكلية التى تنتمى إلى الكليات، وهذا يتيح تحقيق الاستبدال الذي اعتبرناه ممكنا حين كنا نتكلم عن اللاهوت. وتنطبق الاعتبارات نفسها على حالة الرياضة، وهذا العلم قاصر بطبيعته على مجال الكميات ويطبق في حدود مجاله الخاص بعض المبادئ النسبية التي تعتبر تخصيصا مباشرا لبعض المبادئ الكلية. وهكذا فلو أخذنا العلم برمته، فسوف يتفرد منه المنطق والرياضيات بعلاقة مباشرة مع الميتافيزيقا، ولكنهما مختزلان إلى حدود العقل، من واقع أنهما يأتيان في إطار التعريف العام للمعرفة العلمية، وذلك يجعلهما منفصلين جذريا عن الميتافيزيقا. وهذا الانفصال هو الذي يمنع من إضفاء أية قيمة على وجهات النظر المطروحة باعتبارها خليطا من المنطق والميتافيزيقا، مثل نظريات المعرفة على سبيل المثال، وهي التي لعبت دورا متميزا في الفلسفة الحديثة، وقد اختزلت إلى ما أمكن اعتباره عناصرها المشروعة، وهذه النظريات هي منطق بحت، وإلى الحد الذي تدعى فيه أنها تذهب إلى ما وراء المنطق، ولكنها في الحقيقة لا تعدو أن تكون أوهاما ميتافيزيقية زائفة، خالية من أية قيمة. ويحتل المنطق في النظريات التراثية مكانة ثانوية، ويعتبر كذلك في كل من الهند والصين، وشأنه شأن الفلك الذي كان يدرس في العصور الوسطى في الغرب كما كان يدرس في الشرق، إلا أن الفلسفة الحديثة تجاهلته، وهو فى الواقع تطبيق للمبادئ الميتافيزيقية إلى درجة ما على وجهة نظر مخصوصة في مجال محدود، وسوف نعود إلى هذه النقطة فيما بعد عندما نعالج النظريات الهندية.

وقد يبدو ما قيل توا عن العلاقة بين المنطق والميتافيزيقا غريبا على الذين تعودوا اعتبار أن المنطق يسود كل المعارف الممكنة بمعنى ما، وذلك على أساس أنه لا يصح أي تصور من أي نوع ما لم يكن منضبطا في حدود المنطق، إلا أنه من الثابت أن الميتافيزيقا لا يمكن أن تعتمد على المنطق، ولا على أى علم آخر من واقع طبيعتها الكلية والخطأ هنا هو اعتبار المعرفة أمرا يعتمد على العقل فقط. ومن الضروري عند هذه النقطة أن نفرق بين الميتافيزيقا نفسها باعتبارها مفهوما فكريا بحتا، وبين التعبير الشكلي عنها؛ ففي حين أن الأولى متحررة تماما من أية محددات فردية، وبالتالي متحررة من العقل، فإن الأخرى - في حدود التعبير الممكن - لا تعدو أن تكون نوعا من ترجمة للحقائق الميتافيزيقية فى الصيغة العقلانية المسهبة، وذلك بسبب أن طبيعة اللغة الإنسانية ذاتها لا تسمح إلا بهذا. والمنطق والرياضة هما علمان عقلانيان ولا غير والتعبير الميتافيزيقي قد يرتدى مسوحا استعارية من حيث الشكل، ومن حيث الشكل فحسب، وإذا كان له أن يتفق وقوانين المنطق؛ فذلك لأن تلك القوانين ذاتها مبنية على أساس ميتافيزيقى وبدون هذا الأساس ليس لها صلاحية، وفى الوقت ذاته إذا هي امتلكت سمتا ميتافيزيقيا حقيقيا، فإن ذلك سوف يجعل التعبير مصوغا بشكل يفتحالطريق لاحتمالات لانهائية للفهم، كالميتافيزيقا ذاتها.

أما فيما يتصل بالأخلاق، فقد فسرنا سلفا وبشكل جزئى ماذا تعنى في سياق أطروحتنا عن العناصر المكونة للدين، وبقى علينا أن نفسر مفهومها الفلسفي خاصة وكلما أمكن تمييز ذلك عن المفهوم الديني لها. وليس في مجال الفلسفة بأكمله ما هو أكثر نسبية وعرضية من الأخلاق، ولم تعد في الواقع تمثل معرفة من أي نوع مخصوص، فما هي إلا مجموعة من الاعتبارات التي لا يتجاوز غرضها ومجالها المنفعة البحتة، بالرغم من الأوهام المتبناة عموما عن هذا الموضوع. والواقع أنها ليست إلا تدبيج قواعد لتطبق على الفعل الإنساني، والاحتياج إليها ينبع أساسا من النظام الاجتماعي، وحيث إن هذه القواعد لن يكون لها معنى إلا لأن الأفراد يعيشون في تالف وفي نطاق مجموعات منظمة بشكل ما، وبدلا من أن تعتبر هذه القواعد نابعة من وجهة نظر النظام الاجتماعي كما هو حال الشرقيين، فقد صيغت من وجهة نظر الشكل الأخلاقي الغريب عن مفاهيم معظم بنى الإنسان. وقد رأينا كيف تأتي لوجهة النظر هذه أن تظهر بين المفاهيم الدينية، وذلك من خلال وصل النظام الاجتماعي بنظريات خضعت في مرحلة مبكرة لنفوذ وجدانى ما، ومن الصعب أن نرى سببا بخلاف هذه الحالة الخاصة ليبررها.

وكل ما يتصل بهذه المرتبة من الأمور يجب أن يختزل منطقيا إلى مجموعة من التقاليد توضع وتطاع بغرض جعل الحياة مستطاعة ومحتملة، وعندما يعترف بهذه التقاليد بصراحة ويُعمل بها، فلا مجال للأخلاقية الفلسفية. وتتدخل النزعة الوجدانية مرة أخرى في هذا الأمر، وكى تجد مادة ترضى احتياجاتها الخاصة، فإنها تتبنى هذه التقاليد، وتتسبب في أن تبدو في طبيعة غير طبيعتها، وينتج عن ذلك اختلافات بين كثير من النظريات، يظل بعضها ذا شكل ومحتوى وجداني، بينما يلتبس بعضها الآخر بمظهر عقلاني. ثم إن الأخلاقية كأى أمر مرتبط بالعوارض الاجتماعية تختلف بشكل بين حسب أحوال الزمان والمكان، وكل النظريات الأخلاقية التي قد تطفو في مجتمع معين، ومهما كانت حدة التناقض بينها، تميل جميعها إلى تبرير القواعد العملية نفسها، والتي هي موضع وحدود الاتفاق الاجتماعي في المجتمع المذكور. ويكفى هذا لبيان أن تلك النظريات جميعها خالية من أية قيمة حقيقية، وكل منها مبنى على يد فيلسوف فردى ربما كتبرير لسلوكه وسلوك الآخرين على الأقل أولئك المفتونين به، بما يتفق وآرائه، ويتفق قبل كل شيء مع مشاعره.


ومن الملاحظ أن النظريات الأخلاقية من هذا النوع تطفو على السطح إبان مراحل الانحطاط الفكرى، ولا شك أن ذلك الانحطاط راجع إلى، أو مرتبط بتوسع الميول الوجدانية لدى الفلاسفة، وربما أيضا إلى استغراقهم في الأوهام والتخيلات، بحيث يحتفظون على الأقل بمظهر التفكر العميق. وقد ظهرت هذه الظاهرة بجلاء عند اليونانيين بعد أن ضعفت ملكاتهم الفكرية، وكان أرسطو هو آخر من استطاعت أن تنجبه، أما المدارس الفلسفية التالية من الأبيقورية أو الرواقية، فقد كان كل شيء فيها خاضعا للمنظور الأخلاقي، ولهذا اكتسبوا شهرة بين الرومان، هؤلاء الذين كان يصعب عليهم استيعاب أي فكر أعلى من ذلك. وتكررت الظاهرة نفسها في أيامنا هذه عندما تفشت الأخلاقية بشكل سافر، ولكنها في هذه المرة كانت بسبب انحطاط الفكر الديني كما يتضح من البروتستانتية مثلا، ومن الطبيعى أنه عندما تكون عقليات هؤلاء الناس عملية صرفا، وحضارتهم مادية بحتة، أن يحاولوا إرضاء تطلعاتهم الوجدانية عن طريق تلك الجوانية المزيفة، والتي تعتبر الأخلاقية الفلسفية واحدة من جوانبها.

لقد عرضنا لكل فروع الفلسفة التي لها خصائص قابلة للتعريف الواضح، ولكن حقل الفلسفة يحتوى أيضا على تشكيلة من العناصر المبهمة التي لا يمكن أن نضعها تحت عنوان أو آخر، ولا يربطها ببعضها أية خصائص كامنة في طبيعتها إلا اجتماعها معا تحت المفهوم النظامي نفسه. ولهذا السبب كان علينا بعد أن فصلنا الميتافيزيقا تماما عما يدعى بالفكر الفلسفي، أن نفى احتياجا آخر لتمييزها عن الأنظمة الفلسفية العديدة التي كان مصدرها - كما رأينا - هو القرصنة على الأصالة الفكرية، والفردية التي تعبر عنها تلك الادعاءات في متناقضة تماما مع روح التراث كما أنها لا تتسق مع كافة المفاهيم الميتافيزيفية الحقة.

والميتافيزيقا البحتة تنفى بالضرورة كل محاولات المنظومية؛ إذ إن النظام -أيا كان - لا يمكن أن يتجنب محدوديته وانغلاقه المفاهيمي على ذاته، ولا بما هو محتوى برمته داخل حدود ضيقة معرفة، وهو بالتالي لا يمكن أن يتصالح مع كلية الميتافيزيقا كما أن النظم الفلسفية دائما ما تكون نظم أشخاص بعينهم، أى أنها هياكل معرفية قيمتها فردية بحتة، ثم إن كل نظام مبنى بالضرورة على أسس خاصة ونسبية، وهو ليس بشيء، إلا تطورا لفرضية ما، هذا، بينما لا تسمح الميتافيزيقا - التي لها سمة اليقين المطلق - بأى شيء مفترض. وهذا لا يعنى أن نظاما ما لا يحتوى على عناصر معينة من الحقيقة؛ فيما يتصل بنقطة أو أخرى، هو مشروع بما هو نظام، إلا أن الزيف الأساسي للمفاهيم يكمن فى الشكل النظامى ذاته. وقد كان لا يبيتز محقا في قوله إن كل نظام صحيح فيما يثبت، وباطل فيما ينفى، وهذا يعدل القول بأن باطله هذا أكبر كثيرا من صحيحه؛ حيث إنه محدود بحدود ضيقة، أو أنه نظامي، ذلك أن مفهوما من هذا النوع سوف يؤدى حتما إلى إنكار كل ما يقع خارج نطاق صحيحه الافتراضي. ومن العدل أن يطبق هذا القول على لا يبنيتز نفسه بدرجة لا تقل عن تطبيقه على غيره من الفلاسفة، وذلك من حيث إن فكره يتشح بالسمة المنظومية، وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن ما احتواه عمله من الميتافيزيقا الحقة مستعار من المدرسيين، وحتى هذه تشوهت على يديه نتيجة عدم فهمه الصحيح لها. أما فيما يتصل بقوله إن كل نظام صحيح فيما يثبت، وباطل فيما ينفى فليس ذلك من قبيل الانتقائية، ولكنها تعنى أن النظام صحيحبالقدر الذي يفتح به الطريق إلى إمكانيات أكثر سعة للفهم، وهذا واضح، ولكنه في الوقت نفسه؛ إدانة لهذا النظام والميتافيزيقا - من ناحية أخرى - هي خارج نطاق كل ما ينتمى إلى الفردية، ولهذا لا يمكن أن يطبق عليها أي نوع من أنواع المنظومية، كما لا يمكن أن تحتويها أية معادلة.

وقد اتضح الآن ما نعنى باصطلاح الميتافيزيقا المزيفة، وهى تتضمن كل ما يأتي به نظام فلسفى يدعى العلم بسمة ميتافيزيقية ما، وكل ادعاء من هذا النوع ليس له مبرر على الإطلاق من واقع هيكله المنظومى، وهو كاف ليسلب من النظريات التي من هذا النوع أى معنى كان. والحقيقة أن بعض الإشكاليات التي تستهلك انتباه الفكر الفلسفى تبدو خالية من كل أهمية، بل ومن كل معنى أيضا؛ إذ تنشأ حزمة من المشاكل لا مصدر لها إلا النية في تمكين الغموض والتلبيس، أو أنها ناتجة عن اضطراب وجهات النظر، وهي مشاكل لا توجد أصلا - ولا يصح لها أن تظهر - إلا نتيجة سوء التعبير عنها، وهي كافية بذاتها في بعض الأحوال لحل هذه المشاكل، ما لم يكن للفلسفة مصلحة في بقائها، فالفلسفة تزدهر وتترعرع بالغموض. وهناك أيضا عدد من المسائل الأخرى تنتمى إلى أفكار مختلفة تماما، ويبدو طرحها مشروعا تماما، ولكن مجرد صياغتها بشكل منضبط مختصر، قد يؤدى إلى حلها على الفور؛ إذ إن الصعوبات المطروحة كلامية أكثر منها حقيقية. وإذا حدث أن كان بينها مسائل ذات طبيعة قادرة على الارتكاز على نقاط ميتافيزيقية معينة، فإنها تفقد هذه الخاصية بمجرد ضمها إلى نظام، ولا يكفى أن تكتسب المسألة طبيعة ميتافيزيقية، ولكنها يجب أن تستوعب وتعالج ميتافيزيقيا. ومن الثابت أنه يمكن علاج موضوع ما من المنظور الميتافيزيقي، كما يمكن أن يعالج بعدة طرق أخرى، وسواء أكانت المسائل التي يقبل عليها معظم الفلاسفة هي مسائل تستحق الاهتمام أم لا، فثمة أمر واحد مؤكد هو أنها لاتمت إلى الميتافيزيقا بصلة. ومن المؤسف أن قلة الوضوح التي غدت سمة مؤكدة في الفكر الغربي الحديث، وتتضح أيضا بالقدر نفسه في طرق التعبير عنها، تسمحبالمحاورات والمناقشات العشوائية التي لا تنتهى، دون أن تخلص إلى حل، وتترك الباب مفتوحا لافتراضات شتى يحق لها أن توصف بأنها فلسفية، ولكن ليس هناك ما يربطها بالميتافيزيقا الحقة.

ومن هذه الناحية نشير أيضا بشكل عام إلى مسألة تبرز كما لو كانت بالصدفة وتثير اهتماما خاصا ولحظيا، مثلما نجد من مسائل في تاريخ الفلسفة الحديثة، وهذه المسائل جميعها خلو مما يتعلق بالميتافيزيقا، أو بتعبير آخر، فهى تفتقد السمات الكلية بالإضافة إلى أن معظم المسائل من هذا النوع هي ذات وجود مصطنع. ولنكرر مرة أخرى أن الميتافيزيقي الحق، هو ذلك الذي يظل مستقرا بشكل مطلق، ثابت ومستقل عن كل عوارض التاريخ الخاصة، هذا فقط هو الميتافيزيقي، الذي لا يتغير، كما أن الكلية الميتافيزيقية هي التي تشكل وحدتها الأساسية، وتحول دون التكاثر الذي يصيب النظم الفلسفية والدينية على السواء، وهي التي تضفى عليها ثباتها العميق.


مما سبق يتضح أن الميتافيزيقا لا علاقة لها بأى من المفاهيم التي تشاكل المثالية أو الحلولية، أو الروحانية، أو المادية، وكلها موسومة بالسمة المنظومية لفكر الفلسفة الغربية، وهذه النقطة تزداد أهمية في ظروف التملكات التي تنتاب المستشرقين فيحاولون بأي ثمن حشو الفكر الشرقى في الأطر الضيقة التي لم تصنع له أصلا وسوف تتاح لنا الفرصة فيما بعد للفت النظر إلى سوء الاستخدام الذي طرأ على تلك العناوين المتهافتة، أو طرأ على الأقل على بعضها. أما الآن فهناك نقطة واحدة من المهم أن نصر عليها، وهي أن المعركة بين الروحانية والمادية التي دار فيها ما يقرب من كل الفكر الفلسفى منذ ديكارت: ليس لها صلة بالميتافيزيقا، وهذا المثال الذي أشرنا إليه سلفا له طابع عارض بحت فثنائية الروح / المادة لم تطرح قط كأمر مطلق غير قابل للتفاوض فيما قبل المفهوم الديكارتي، والواقع أن فكرة المادة بالمعنى الحديث للكلمة كان دائما غريبا عن القدماء بما فيهم اليونانيين، ومازال غريبا بالقدر نفسه على معظم الشرقيين اليوم، وليس في اللغة السنسكريتية ما يشير إليها حتى عن بعد. وليس المفهوم ثنائية من هذا النوع غير غرض وحيد هو الإشارة إلى ظاهر الأشياء، ولكنها تظل سطحية لأنها قائمة على وجهة نظر فردية تقتصر على المظاهر الخارجية، وتؤدى من موضعها هذا إلى نفى الميتافيزيقا بمجرد محاولة جعلها مفهوما ذا قيمة مطلقة وذلك بإثبات عدم إمكان تصالح حديها، وهو تأكيد يثبت الثنائية بمعنى الكلمة، ثم إن المقابلة بين الروح والمادة؛ لا يمثل إلا أمرا واحدا من الثنائية، وحيث إن الاصطلاحين المتقابلين النسبيين يمكن أن يستبدلا بأى زوج من المتقابلات النسبية، فإنه يمكن تصور مصفوفة لانهائية من الأزواج المتقابلة من بينها هذا الزوج، وكلها مكرسة لكثرة من التحديدات المخصصة.

وعلى وجه العموم، فالثنائية تتميز بالقصور عن إدراك القضية المضادة بين أي اصطلاحين، وهذا التناقض هو واقعى بالفعل من وجهة نظر خاصة، ويوجد فيه عنصر الصدق الذي تحتوى عليه الازدواجية، ولكن ذلك بشرط أن تكون مطلقة، في حين أنها نسبية وعارضة، وقد تم حذف كل ما يمكن أن يجرى فيما وراء التعاكس الاصطلاحي وهكذا نستنتج أن الازدواجية محدودة بطبيعتها المنظومية. وإذا لم يقبل هذا القصور وكانت هناك رغبة فى حل التناقض الذي تتعلق به الازدواجية بعناد، فمن الممكن أن نجد عدة حلول مختلفة، وهناك حلان موجودان بالفعل ويظهران في الأنظمة الفلسفية التي يمكن أن تجتمع تحت عنوان مشترك هو الواحدية. ويمكن القول بأن الواحدية هذه تتميز برفضها الاعتراف بوجود اختزالية مطلقة، وبالرغبة في تخطى التناقض الواضح، مما يؤدى في النهاية إلى اختزال أحد الاصطلاحين لصالح الآخر، ونجد نتيجة ذلك، أنه في شأن مزدوجة الروح / المادة تظهر الواحدية الروحانية من ناحية وتدعى القدرة على اختزال المادة إلى روح، وتظهر الواحدية المادية من ناحية أخرى لتدعى القدرة على اختزال الروح إلى مادة. وأيا كان نوعها؛ فالواحدية على حق فقط في التمسك بأنه ليس هناك تناقض مطلق، وهي من هذه الناحية أكثر رحابة من الازدواجية، وهي - على الأقل - تمثل محاولة للنفاذ إلى قلب الأمور، ولكنها تنتهى حتما إلى السقوط في الخطأ نتيجة الإهمال، أو نتيجة الإنكار الكامل للتناقض المطروحللنقاش، وحتى لو كان التناقض برانيا فيجب أن نتعرفه عليه بهذا الاعتبار، وهنا مرة أخرى تكون مقصورية النظام سببا في عيبه الرئيس. ولو أننا رغبنا - من ناحية أخرى - أن نختزل أحد الحدين إلى الآخر مباشرة، فمن المستحيل الهرب تماما من البديل الذي تحتمه الازدواجية؛ حيث لا وجود فيها لما يخرج عن حديها، وهو ما تعتبره أساسها الأول، وحيث يتلازم هذين الحدين، يجوز التساؤل عما إذا كان لوجود أيهما مبرر بعيدا عن الآخر. وهكذا نجد أنفسنا أمام حلّين، هما أكثر تماثلا مما يبدو على سطحيهما، وليس من المهم حقا أن الواحدية الروحانية تثبت أن كل شيء ما هو إلا روح، بينما تحاول الواحدية المادية أن تثبت العكس، وهو أن كل شيء ما هو إلا مادة خاصة وأن كلا منهما تضطر إلى إسناد الخصائص الجوهرية للمبدأ الذي تحاول أن تدحضه إلى المبدأ الذي تحاول أن تدافع عنه. ومن الثابت أن الحوار بين الروحانيين والماديين لابد وأن يتدنى إلى مستوى المعركة الكلامية؛ فالروحانية والمادية على السواء تمثلان وجهين لحل مزدوج، وهو في ذاته غير ذي كفاءة.

وهنا نجد لزاما علينا البحث عن حل مختلف، ولكن في حين كان اهتمامنا بالثنائية والواحدية قائما على نوعين مختلفين من المفاهيم المنظومية الخاضعة للمرتبة الفلسفية، فسوف ننظر الآن في نظرية وجهة نظرها ميتافيزيقية، وبالتالي لم تحظ لنفسها باسم في الفلسفة الغربية، والتي - من ناحيتها - لا مناص أمام تلك الفلسفة من تجاهلها. وسوف نطلق على هذه النظرية اللا_ازدواجية، أو حتى من الأفضل أن نسميها نظرية عدم الازدواج حتى نترجم الاصطلاح الهندوسي أدفياتا فادا بأقرب ما يكون، وليس له مقابل معروف في أية لغة أوروبية، والاصطلاح المقترح الأول يتميز بالاختصار عن الثاني، ونحن مستعدون لاستخدامه لهذا السبب فقط، ومن الصحيح أنه يعاني من نهايته ية التي تستخدم عادة كمصدر صناعي في لغة الفلسفة لتطلق على أسماء النظم، ولكننا ندفع بأن النفى محمول على كلمة ازدواجية بكليتها، بما فيها نهايتها. وفي حين تتفق اللا ازدواجية مع الواحدية من حيث رفضها للاختزال المطلق فهي تختلف اختلافا عميقا عنها من حيث إنها لا تدعى أن أيا من الحدين قابل للاختزال إلى الآخر، فكلا الحدين له قيمة في إطار مبدأ كلى، ويحتوى على الحدين الجزئيين سواء بسواء، وليس كأضداد بالمعنى المعتاد للكلمة، ولكن بنوع من التكامل والقطبية التي لا تؤثر في وحدة المبدأ الكلى المشترك.


وهكذا نرى أن تدخل وجهة النظر الميتافيزيقية من شأنه أن يحل على الفور ذلك التناقض الواضح، ثم إنه هو فقط الذي يحقق ذلك بينما وجهة النظر الفلسفية تثبت عجزها عنه، وما يصح فى أمر ثنائية الروح والمادة يصح على كل الثنائيات الأخرى أيا كان عددها، والتي يحاول المرء بها أن يربط بين جوانب خاصة من الوجود. فإذا أمكن أن نرى مصفوفات لانهائية من تلك الثنائيات، وكلها صحيح ومشروع في جزئيته الخاصة؛ فذلك لأننا لم نعد منغلقين فى منظومية محدودة تأخذ بواحد من تلك التمايزات وتنكر كل ما يتبقى، وهكذا نرى أن اللا ازدواجية هي النوع الوحيد من النظريات التي تناسب كلية الميتافيزيقا. وعموما يجوز قول إن النظم الفلسفية قاطبة قد تكون إما ازدواجية أو واحدية، ولكن اللا ازدواجية كما شرحناها من حيث مبادئها قادرة على تجاوز مجال كل الفلسفات؛ حيث إنها ميتافيزيقية في جوهرها، أو بطريقة أخرى هي تعبير جوهرى عن السمات الأساسية للميتافيزيقا.

وإذا بدا لنا من الضرورى أن نعالج هذه المسائل بإسهاب، فذلك نتيجة الجهل المعتاد في الغرب بكل ما يتصل بالميتافيزيقا الحقة، ثم إن تلك الاعتبارات لها صلة مباشرة بأطروحتنا، أيا كان ما يعتقده بعض الناس؛ حيث إن الميتافيزيقا هي في مركز كل النظريات الشرقية، فلا مجال لفهم شيء عنها ما لم تفهم فكرة الميتافيزيقا، بما يكفى لتوضيح أي غموض محتمل. ولقد أظهرنا كيف أن فروقا كبيرة تفصل الفكر الميتافيزيقي عن الفكر الفلسفي فالمشاكل الكلاسيكية للفلسفة بما فيها تلك التي تعتبرها مشاكل عامة لا وجود لها على الإطلاق في الميتافيزيقا فمجرد الانتقال من وجهة نظر إلى أخرى كفيل بإنهاء تلك المشاكل، وينتج عن هذا الانتقال إلقاء الضوء على المغزى الأعمق لحقائق معينة، لتختفى تلك المشاكل المفتعلة ببساطة، وهو يدل على أنها تفتقد عمق المعنى. ولقد أتاحت لنا هذه الشروح فرصة تفسير اللا - ازدواجية وفهمها كأمر ضرورى للميتافيزيقا، وليست أقل أهمية في فهم النظريات الهندوسية على وجه الخصوص، وهذا نابع من أن هذه النظريات ميتافيزيقية بحتة من حيث الجوهر.

تبقى ملحوظة أخيرة على درجة كبيرة من الأهمية هي أنه يستحيل تحديد الميتافيزيقا باعتبارات تتصل بثنائيات الجوانب متكاملة من الوجود، من أي نوع كان وسواء أكانت تتصل بجوانب مخصوصة مثل الروح والمادة، أم على العكس من ذلك مثل اصطلاحي الجوهر و العرض، ولا يمكن حتى تحديدها بمفهوم الوجود البحث بالرغم من كليته، ذلك أنها لا يحدها شيء. ولا يمكن أن تعرف الميتافيزيقا على أنها معرفة الوجود أو علم الوجود كما قال أرسطو، فهذه مجرد أنطولوجيا، وهي لاشك واقعة في مجال الميتافيزيقا، ولكنها لا تشتمل على الميتافيزيقا بالكامل، وقد كان ذلك سببا لبقاء الميتافيزيقا في الغرب على حالها من النقص وعدم الكفاءة، ذلك بالإضافة إلى جانب آخر سوف نتناوله. فالوجود ليس هو بالفعل أكثر المبادئ كلية، ويجب ألا يكون كذلك حتى يتماهى مع الأنطولوجيا، فحتى لو كان الوجود هو الأساس الأول لكل أنواع الجبر الممكنة، إلا أنه مازال جبرا بشكل واضح، وكل جبر هو تحديد لا يجدر بالميتافيزيقا التوقف عنده، وكل مبدأ تتناسب فيه قلة الجبرية مع زيادة الكلية، يحمل في طياته درجة متناسبة منهما، ولو لجأنا إلى لغة الرياضة لجاز لنا القول إن الإيجاب الجبرى (+) مساو للسلب (-) الميتافيزيقي.

ولقد كانت اللاجبرية المطلقة التي تميز أكبر المبادئ الكلية سببا في مشاكل جمة تلك المبادئ التي يجب اعتبارها قبل باقى المبادئ، وليس ذلك بما هي مفاهيم، إلا إذا كان ذلك عند الذين لم يتعودوا عليها، ولكن على الأقل في طرح النظريات الميتافيزيقية التي تتعلق بها، حتى إنه يتحتم استخدام تعبيرات تبدو من ظاهرها سلبية بحتة. مثلما نجد في فكرة اللامتناهى وهى الفكرة الأكثر إيجابية من بين كل الأفكار حيث إن اللامتناهي لابد وأن يكون الكل المطلق، والذي لا يحده شيء ولا يخرج عنه شيء). ولا يمكن التعبير عنه إلا باصطلاح سلبي البنية حيث إن كل إيجاب مباشر لشيء، هو بالضرورة نفي لشيء آخر، أى أنه إيجاب خاص وجبرى، ولكن نفى الجبر أو المحدودية هو في الواقع نفى النفى، وهو بالتالى إثبات حقيقى، ويكون نفى كل الجبرية مساويا في الحقيقة للإيجاب الكامل المطلق. وما ذكرناه عن فكرة اللامتناهي قابل للتطبيق على عديد من المفاهيم الميتافيزيقية المهمة، وهذا المثال يكفى حاليا، ولكن يجب ألا ننسى أن الميتافيزيقا البحتة هي في حد ذاتها مستقلة بشكل مطلق عن كل الاصطلاحات الناقصة التي نحاول أن نسبغها عليها حتى تتضح للفهم الإنساني.

تعليقات

مواضيع المقالة