مفتاح التناظر أو الأنالوجي (Analogy)
أبوالحسن مهدي
كيف يُمكن أن نحصل على الدراية الروحية، بمعنى كيف نكتسب المعرفة النظرية بإعمال الفكر؟
أحد أهم المفاتيح الرئيسية لاكتساب الدراية الروحية هو ما يُسمى"التناظر" أو "الأنالوجي". ينص هذا المفتاح على مبدأ فكري أساسي وهو:
"أنَّ كل ما في العالم الكبير أي الكون يوجد ما يُناظره ويتماثل معه في العالم الصغير أي الإنسان".
ولكي نعرف ما يُناظر الشمس أو القمر أو أي شيء آخر في عالمنا الداخلي، فيجب أن ننطلق من المثال المحسوس وذلك في أن نُحاول معرفته قدر الإمكان لنكوِّن فكرة عن وظيفته، ثم نذهب ونبحث عن ما يُشبه هذه الوظيفة في داخلنا، وبذلك نعثر على النظير المماثل.
أمثلة عملية:
فمثلا، وظيفة ضوء الشمس أن يجعلنا نُميز الأشياء حولنا في النهار، أي تمييزًا عامًّا. إذ نحن بضوء الشمس نُميز كلَّ شيءٍ بصورة عامة.
والسؤال: ما الذي يوجد في داخلنا له نفس وظيفة الضوء؟
الجواب: الوعي. فبالوعي نحن نُميز الأشياءَ بصورةٍ عامة.
مثال آخر: النور، مثل نور القمر، وظيفته أن يُضيءَ شيئًا ما بعينه بشكل خاص فنُميزه بشكل خاص، ويكون ذلك في الليل.
والسؤال: ما الذي يوجد في داخلنا له نفس وظيفة النور؟
الجواب: إنَّه الفِكر. فنحن نُسلط الفكرَ على شيءٍ بعينه بشكل خاص فيُضيئه لنا فنُميزه وندركه ونفهمه.
هذا في ما يخص البعد الكوني للمفتاح، أي طبقناه على البعد الكوني، ولكن يمكن تطبيقه في أبعاد أخرى، مثل البعد الاجتماعي.
فلو سألنا: ما وظيفة القاضي؟
الجواب: يقرأ القضية، يربط بين الحقائق، يستنتج نتيجة، يحكم بهذه النتيجة. أي يُصدر حكمه.
والسؤال: ما الشيء داخلنا الذي له نفس وظيفة القاضي؟
والجواب: هو العقل المنطقي. فالعقل يقرأ المعلومات، ويربط بينها، ويستنتج نتيجة هي حكمه المبني على المقدمات السابقة.
ولو ذهبنا إلى البُعد الفني، وسألنا: ما وظيفة الفنان عمومًا؟
الجواب: أن يبتكر أو يُبدع أفكارًا جمالية فيها فائدة من نوع ما.
والسؤال: ما الشيء في داخلنا له نفس وظيفة الفنان؟
الجواب: إنَّه الخيال مع الفكر مع قوى الإبداع الأنثوي داخلنا.
وهكذا، كما نرى، يُمكن تطبيق المفتاح في أبعاد لا تُحصى، ومن جميعها نجني ثمرة معرفية توسع من أفق رؤيتنا لأنفسنا وقوانا الداخلية، وتجعلنا نرى العالمَ بشكل مختلف، ونرى أنفسنا بشكل مختلف، أي نرى أنفسنا بمنظور كوني، ونرى الكون بمنظور روحي، وبذلك نفهم عمق مقولة: وفيك انطوى العالم الأكبر.
تعليقات
إرسال تعليق