القائمة الرئيسية

الصفحات

 

11

الخصائص الجوهرية للميتافيزيقا

Essential Characteristics of Metaphysics

 

بينما وجهة النظر الدينيّة تفترض بالضرورة تدخّل عنصرٍ من المجال العاطفي أو الوجداني (sentimental order)، فإنّ وجهة النظر الميتافيزيقيّة هي عقلية/فكرية خالصة أو محضة (purely intellectual). غير أنّ هذا القول — وإن بدا لنا واضحًا كفاية — قد يبدو للكثيرين وصفًا غير كافٍ لماهيّة النظرة الميتافيزيقيّة، لما في هذه النظرة من غَرابةٍ عن الذهن الغربي، ولذلك لا يضُرّ أن نضيف بعض الإيضاحات المتمّمة. إنّ العِلم والفلسفة، كما نعرفهما في العالم الغربي، تدّعيان لنفسيهما طابعًا عقليًّا أيضًا؛ غير أنّنا — إذ لا نُقرّ بأنّ هذه الدعوى في محلّها — نُصرّ على أنّ هوةً سحيقة تفصل كلَّ هذا النمط من التأملات عن الميتافيزيقا الحقة. فـالعقلية الصرفة التي نعنيها شيءٌ مغايرٌ تمامًا لتلك الأفكار الضبابية التي يجري عادةً تداولها تحت هذا الاسم.

ينبغي أن نُوضِّح أولًا أننا في اعتمادنا مصطلح الميتافيزيقا لا نهتم كثيرًا بالأصل التاريخي لهذه الكلمة، إذ يكتنفه شيءٌ من الغموض، بل يجب في الحقيقة أن يُعَدّ أمرًا عرضيًّا تمامًا إذا قبلنا الرأي — الذي نعدّه نحن غير مرجَّح — القائل إنّ الكلمة استُعملت أول مرة للدلالة على ما جاء "بعد الطبيعة (after physics)" في ترتيب أعمال أرسطو. وبالمثل، لسنا معنيين بمختلف التأويلات المتكلّفة التي ألصقها بعض الكُتّاب بهذه الكلمة في أزمنةٍ لاحقة. غير أنّ هذه الأسباب ليست كافية للتخلّي عن استعمالها، إذ إنّ الكلمة — على ما هي عليه — صالحة تمامًا للتعبير عمّا يُفترض أن تدلّ عليه في معناها السويّ، على الأقلّ بقدر ما يمكن لأي لفظٍ مأخوذٍ من اللغات الغربيّة أن يفي بالغرض. ففي الواقع، إذا أُخذت الكلمة بمعناها الطبيعيّ، بل وبمعناها الاشتقاقيّ (etymological) أيضًا، فإنّها تدلّ على كلّ ما هو «ما وراء الطبيعة» (beyond physics). وينبغي هنا أن تُفهَم «الطبيعة (physics) بمعناها الواسع، أي بوصفها مجموع العلوم الطبيعيّة، كما كان القدماء يرونها في كليّتها، لا بالمعنى الضيّق المتداول اليوم الذي يحصرها في علمٍ مخصوصٍ بعينه. وعلى أساس هذا الفهم تحديدًا نستخدم لفظ الميتافيزيقا، ونؤكد منذ البدء أننا نُصرّ على استعماله لهذا السبب وحده، إذ نرى أنّ الابتداع اللغويّ (neologism) أمرٌ لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى.

يمكننا أن نقول إن الميتافيزيقا، وفق هذا الفهم، هي المعرفة بالكليّ أو المعرفة بالمبادئ التي تنتمي إلى النظام الشامل للوجود، وهي وحدها التي يمكنها بحقّ أن تُدعى "مبادئ". غير أننا حين نقول ذلك، لا نحاول أن نُقدِّم تعريفاً للميتافيزيقا، إذ إن تعريفها أمرٌ مستحيل بحكم طابعها الكليّ الشامل الذي نعدّه السمة الأولى فيها، ومنها تتفرّع سائر خصائصها الأخرى. فالذي يمكن تعريفه هو فقط ما كان محدوداً، أما الميتافيزيقا فهي — بطبيعتها — غير محدودة إطلاقاً، ولذلك لا يمكن حصرها ضمن صيغة أو عبارة مهما بلغت من الدقة؛ بل إن محاولة تعريفها تزداد خطأً كلّما ازدادت دقّة في الظاهر.

من المهم أن نلاحظ أننا استخدمنا لفظ "معرفة" (Knowledge) لا لفظ "علم" (Science)؛ والغرض من ذلك هو التأكيد على الفارق الجذري الذي يجب إقامته بين الميتافيزيقا من جهة، وبين العلوم بمفهومها الدقيق من جهة أخرى، أي بين سائر العلوم الجزئية المتخصّصة التي تنصرف إلى دراسة جانبٍ معيّنٍ أو وجهٍ محدَّدٍ من الموجودات الفردية. والحقّ أن هذا التمييز ليس في جوهره إلا الفارق بين النظام الكلّي والنظام الجزئي الفردي؛ غير أنه لا ينبغي النظر إلى هذا الفارق كأنه تعارض أو تضاد، إذ لا توجد بين هذين المستويين قياسٌ مشترك ولا علاقة تناظر أو تقابل. بل في الحقيقة، لا يمكن تصوّر أيّ تعارض أو تناقض بين الميتافيزيقا والعلوم، لأن مجاليهما منفصلان انفصالاً تاماً؛ والأمر نفسه ينطبق تماماً على العلاقة بين الميتافيزيقا والدين. ومع ذلك، ينبغي أن يُفهم أن هذا التقسيم لا يتعلّق بالموضوعات في ذاتها بقدر ما يتعلّق بوجهات النظر التي تُدرَس منها. فمن السهل أن نرى أن موضوعاً واحداً يمكن أن تدرسه علوم مختلفة كلٌّ من زاويته الخاصة؛ وعلى هذا النحو، فإن كل ما يمكن النظر إليه من منظورٍ جزئيٍّ وفرديٍّ يمكن، إذا أُجري له تحويلٌ ملائم، أن يُنظر إليه أيضاً من المنظور الكلّيّ الشامل — وهو منظور لا يُعَدّ منظوراً خاصاً من جملة المناظير، بل يتجاوزها كلّها. وينطبق ذلك أيضاً على الأشياء التي لا يمكن أصلاً النظر إليها من أي منظورٍ فرديّ. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن ميدان الميتافيزيقا يشتمل على كلّ الأشياء، وهو شرط لا غنى عنه لكي تكون شاملةً بحقٍّ كما تقتضي طبيعتها؛ غير أن ميادين العلوم المختلفة تظلّ رغم ذلك متميّزة عن ميدان الميتافيزيقا، لأن الميتافيزيقا لا تعمل على المستوى نفسه الذي تعمل فيه العلوم المتخصّصة، ولا تقوم بينها وبين تلك العلوم أيّ مشابهةٍ أو مماثلةٍ، ولذلك لا يمكن مطلقاً المقارنة بين نتائج الميتافيزيقا ونتائج العلوم الأخرى.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإن المجال الميتافيزيقي لا يتألّف من تلك الأشياء التي عجزت العلوم المختلفة عن إدراكها لمجرد أن حالتها الراهنة من التطوّر لم تكتمل بعد، كما يظنّ بعض الفلاسفة الذين لم يُدرِكوا بعدُ حقيقة ما هو مقصودٌ هنا؛ بل إن ميدان الميتافيزيقا يتكوّن في جوهره مما يقع، بطبيعته، خارج نطاق تلك العلوم، ويتجاوز حدودها بما لا يُقاس. إن ميدان كلّ علمٍ من العلوم مشروطٌ دائماً بالتجريب (Experimentation) على اختلاف صوره وأشكاله، في حين أن ميدان الميتافيزيقا قائمٌ في الأساس على ما لا يمكن بحثُه أو التحقّق منه من الخارج؛ فبما أنها «ما وراء الطبيعة»، فهي بذلك نفسها تقع أيضاً «ما وراء التجربة» (Beyond Experiment). وعليه، يمكن القول إن كلّ ميدانٍ من ميادين العلوم الجزئية يمكن — إن كان قابلاً لذلك — أن يتّسع فيكون اللامحدود، دون أن يبلغ أدنى نقطة تماسٍّ مع الحيّز الميتافيزيقي.

وممّا تقدّم يتبيَّن أنّه حين يُشار إلى موضوع الميتافيزيقا، فلا ينبغي اعتباره شيئًا يُقارَن أو يُشبَّه بموضوعٍ مخصوص من موضوعات العلوم الجزئية. كما يتبيّن أيضًا أنّ الموضوع المقصود هنا لا بدّ أن يكون واحدًا على نحوٍ مطلق، لا يتبدّل ولا يخضع لتأثير الزمان أو المكان؛ إذ إنّ العَرَضيّ (the contingent) والجزافيّ (the accidental) والمتغيّر (the variable) إنّما تنتمي في جوهرها إلى المجال الفرديّ، بل هي خصائص تُشترط بها ماهية الموجودات الفردية نفسها، أو بتعبيرٍ أدقّ، هي ما يحدّد الجانب الفرديّ من الأشياء في تعدّد مظاهره وصوره. أمّا في ميدان الميتافيزيقا، فكلّ ما يمكن أن يتبدّل بتبدّل الزمان أو المكان هو — من جهةٍ — أسلوب التعبير عنها، أي الصور الخارجية التي يمكن أن تتخذها الميتافيزيقا، وهذه يمكن أن تتنوّع إلى ما لا نهاية؛ ومن جهةٍ أخرى، درجة المعرفة بها أو الجهل بها بين الناس. غير أنّ الميتافيزيقا في ذاتها تبقى دائمًا ثابتةً في جوهرها، لا يلحقها تبدّلٌ ولا تغيّر، لأنّ موضوعها واحدٌ في ذاته، أو بالأدقّ «بلا ثنائية» (Advaita) كما يعبّر الهنود، وموضوعها هذا — لكونه «ما وراء الطبيعة» — فهو أيضًا ما وراء كلّ تغيّر؛ وقد عبّر العرب عن ذلك بقولهم: «إنّ عقيدة التوحيد واحدة».

وبالاستمرار في هذا الخط من الاستدلال، يمكننا أن نُضيف أنّه من المستحيل تمامًا إجراء أيّ "اكتشافات" في مجال الميتافيزيقا؛ إذ إنّ هذا النمط من المعرفة لا يتطلّب أيّ وسائل بحثٍ مخصوصة أو أدواتٍ خارجية، ومن ثَمَّ فإنّ كلّ ما يمكن معرفته في هذا المجال قد يكون معروفًا فعلاً لبعض الأشخاص في أيّ زمانٍ أو مكانٍ كان — وهذا ما يتّضح بجلاء من خلال الدراسة المتعمّقة للعقائد الميتافيزيقية التقليدية. ثمّ، حتى لو سُلِّم — جدلًا — بأنّ مفهومي التطوّر (evolution) والتقدّم (progress) قد يمتلكان قيمةً نسبيةً في علم الأحياء أو علم الاجتماع (وهو أمر لم يُثبت بعد)، فإنّه من المؤكّد أنّ هذين المفهومين لا يمكن أن يكون لهما أيّ موضع في الميتافيزيقا. بل إنّ مثل هذه الأفكار غريبة تمامًا عن العقلية الشرقية، كما كانت غريبةً أيضًا عن الغربيين أنفسهم حتى أواخر القرن الثامن عشر، وإن كان أهل الغرب اليوم يعدّونها من المسلّمات التي لا تقوم المعرفة من دونها. وهذا ما يعني، في الوقت نفسه، رفضًا صريحًا لأيّ محاولةٍ لتطبيق "المنهج التاريخي" على المجال الميتافيزيقي؛ إذ إنّ المنظور الميتافيزيقي يقف في تعارضٍ جذريٍّ مع المنظور التاريخي — أو ما يُسمّى كذلك —، وهذا التعارض لا يقتصر على كونه مسألة منهجٍ فحسب، بل هو في جوهره مسألة مبدأ؛ لأنّ وجهة النظر الميتافيزيقية، في ثباتها الجوهري، تُنكر من حيث المبدأ مفهومي التطوّر والتقدّم. ويمكن القول في الحقيقة إنّه لا يمكن دراسة الميتافيزيقا إلا ميتافيزيقيًا. فلا يجوز الالتفات إلى الطوارئ الفردية أو "التأثيرات الشخصية"، لأنّها منعدمة الوجود من هذا المنظور ولا يمكن أن تؤثّر في صميم العقيدة، فهذه الأخيرة تنتمي إلى النظام الكلّي (الشمولي/الكوني)، ومن ثَمَّ فهي فوق-فردية بطبيعتها، وتبقى بالضرورة بمنأى عن كلّ تلك المؤثرات. كذلك فإنّ الظروف الزمانية والمكانية — كما أشرنا من قبل — لا تمسّ سوى التعبير الخارجيّ، أمّا جوهر العقيدة فغير قابلٍ للتغيّر أو التحوّل. ثمّ إنّه لا مجال هنا — كما هو الحال في المراتب النسبية والعَرَضية — للحديث عن "معتقدات" أو "آراء" قابلةٍ للتبدّل والاختلاف، لأنّ هذه بطبيعتها تتضمّن إمكان الشكّ، بينما المعرفة الميتافيزيقية تفترض في جوهرها يقينًا دائمًا لا يتغيّر.

في الحقيقة، وبمجرّد كون الميتافيزيقا لا تشترك بأيّ وجهٍ من الوجوه في نسبيّة العلوم، فإنّها تتضمّن بالضرورة اليقين المطلق كإحدى خصائصها الجوهرية؛ لا فحسب من جهة موضوعها — إذ إنّ موضوعها هو اليقين ذاتهبل أيضًا من جهة منهجها، إن جاز بعدُ استخدام لفظ "المنهج" في هذا السياق، إذ لولا ذلك لما كان هذا المنهج، أو أيّ اسمٍ آخر نختاره له، كافيًا أو ملائمًا لموضوعه. ومن ثمّ، فإنّ الميتافيزيقا تستبعد بالضرورة كلّ تصوّرٍ ذي طابعٍ افتراضيٍّ أو احتماليٍّ، ويترتّب على ذلك أنّ الحقائق الميتافيزيقية في ذاتها لا يمكن أن تكون محلّ جدال أو تشكيكٍ بأيّ حالٍ من الأحوال. فإذا ما وُجدت أحيانًا مناقشات أو خلافات في هذا المجال، فإنّ ذلك لا يحدث إلا نتيجة خللٍ في العرض أو قصورٍ في الفهم لتلك الحقائق. وعلاوةً على ذلك، فإنّ كلّ عرضٍ ميتافيزيقيٍّ ممكن هو عرضٌ ناقص بالضرورة؛ ذلك لأنّ المفاهيم الميتافيزيقية، من حيث شموليّتها المطلقة، لا يمكن أن يُعبَّر عنها تعبيرًا تامًّا ولا حتى أن تُتَصوَّر تخيّلًا؛ إذ إنّ جوهرها لا يُدرك إلا بالعقل الخالص "اللامشكّل" (formless intelligence). فهي تتجاوز جميع الأشكال الممكنة، ولا سيّما الصيغ التي تحاول اللغة أن تحصرها فيها، لأنّ هذه الصيغ قاصرة دائمًا وتميل إلى تضييق نطاقها ومن ثَمّ إلى تشويهها. إنّ هذه الصيغ، شأنها شأن الرموز جميعًا، لا يمكن أن تكون إلا منطلقًا أو "دِعامةً" (support) تعين على فهم ما لا يُعبَّر عنه في ذاته. ويقع على كلّ إنسانٍ أن يسعى لتصوّر تلك الحقائق بحسب سعة قدرته العقلية الخاصة، جابرًا — بقدر ما يوفَّق — النقائص الملازمة للتعبير اللفظي المحدود والمشروط. ومن البيّن كذلك أنّ قصور التعبير يبلغ ذروته حين يُضطرّ إلى أن يُنقل بواسطة لغاتٍ معيّنة، كاللغات الأوروبية الحديثة بخاصة، إذ تبدو هذه اللغات غير مهيّأة بطبيعتها للتعبير عن الحقائق الميتافيزيقية. إنّ الميتافيزيقا، إذ تفتح أمام الفكر أفقًا لا نهائيًّا من الإمكانات، لا بدّ لها أن تحرص دائمًا على ألا تغيب عن وعيها حقيقة اللامُعبَّر عنه (the inexpressibleإذ هو في الواقع ما يشكّل جوهرها الأصيل.

إنَّ المعرفة التي تنتمي إلى النظام الكُلّي (universal order) تَكمن، بحكم الضرورة، في ما يتجاوز جميع التمايزات التي تُقيِّد معرفة الأشياء الجزئية، ومن جملتها — بل من أهمّها وأعمّها — التمييز بين الذات (subject) والموضوع (object). وهذا وحده كافٍ لأن يُبيّن أنَّ موضوع الميتافيزيقا لا يمكن أن يُشبَّه بموضوع أيّ نوعٍ آخر من المعرفة الجزئية، بل يُسمّى "موضوعًا" فقط على سبيل التشبيه (analogy)، إذ لا سبيل إلى الحديث عنه دون أن يُنسَب إليه — لغرض التعبير فحسب — اسمٌ أو تعيينٌ ما. وكذلك، حين يُتحدَّث عن الوسائل التي تُوصِل إلى المعرفة الميتافيزيقية، فإنّ من الواضح أنَّ هذه الوسائل لا يمكن أن تكون سوى عين المعرفة نفسها، إذ يتّحد فيها الذات والموضوع اتحادًا جوهريًّا؛ أي إنّ الوسيلة والمعرفة في هذه المرتبة شيءٌ واحد. وهذا يعني أنّ تلك "الوسيلة"، إن صحّ أن نسمّيها كذلك، لا يمكن أن تشبه بحالٍ ممارسةَ ملكةٍ استدلاليةٍ كالعقل الإنساني الفردي. فكما قلنا من قبل، نحن هنا بإزاء مرتبةٍ فوق-فردية (supra-individual)، ومن ثمَّ فهي فوق-عقلية (supra-rational)؛ وهذا لا يعني البتّة أنها "لاعقلانية" (irrational)، إذ إنّ الميتافيزيقا لا يمكن أن تُناقض العقل، ولكنها تسمو عليه، والعقل ليس له في هذا المقام إلا وظيفة ثانوية، تتمثّل في صياغة الحقائق الميتافيزيقية والتعبير عنها خارجيًّا، وهي حقائق تتجاوز نطاقه (beyond its province) وتفوق مجاله (outside its scope). إنّ الحقائق الميتافيزيقية لا تُدرَك إلا بوساطة قوّةٍ لا تنتمي إلى النظام الفردي، وهيلما تتّصف به من طابعٍ مباشرٍ وفوريٍّ في إدراكهايمكن أن تُسمّى "الحدس العقلي" (intellectual intuition)؛ على أن يُفهَم هذا المصطلح بشرطٍ صارم، وهو ألا يُخلَط بينه وبين ما يُسمّيه بعض الفلاسفة المعاصرين "الحدس" (intuitionالذي ليس سوى ملكةٍ غريزيةٍ وحيويةٍ، فهي أدنى من العقل وليست أسمى منه. والتحديد الأدقّ هو أن نقول إنّ هذه القوّة هي العقل المحض (pure intellect)، على نحو ما سمّاها أرسطو (Aristotle) ومن تبعه من المدرسـيّين (Scholasticsإذ كان العقل عندهم هو القوّة التي تملك معرفةً مباشرةً بالمبادئ الأولى (principles). وقد صرّح أرسطو تصريحًا صريحًا بأنّ «العقل أصدق من العلم»، أي أنّه أقرب إلى الحقيقة من العقل الاستدلالي الذي يبني العلم، كما قال أيضًا: «ليس شيءٌ أصدق من العقل»، لأنّه معصومٌ بالضرورة من الخطأ، إذ إنّ عمله مباشر، ولأنّه، إذ لا يختلف حقًّا عن موضوعه، فهو متّحدٌ بالحقّ ذاته.

تقوم أسس اليقين الميتافيزيقي على ما يلي: يمكننا أن نرى أن الخطأ لا يمكن أن يتسلل إلا حين نستخدم العقل (Reason)، أي حين نحاول أن نصوغ (formulate) الحقائق التي يدركها العقل المحض أو الذهن الصافي. ويعود ذلك إلى أن العقل المنطقي — بطبيعته الخطّية والتدرّجية [أي التي تنتقل من مقدمة إلى نتيجة] — قابل للخطأ. وفوق ذلك، فإن كل تعبير لغوي أو رمزي لا بد أن يكون ناقصًا ومحدودًا، ومن ثَمَّ فإن نوعًا من الخطأ يصبح حتميًّا في صيغ التعبير، إن لم يكن في مضمونها الداخلي. فمهما حاول الإنسان أن يجعل عبارته دقيقة، يبقى ما لم يُعبَّر عنه أعظمَ بكثير مما تضمّنه التعبير نفسه. لكن هذا الخطأ اللفظي أو التعبيري لا يتضمن أي إثبات إيجابي للباطل، بل هو نقص في التمام فحسب؛ إنه ليس خطأً بمعنى الزيف، بل حقيقة ناقصة، لأنه لا يقع إلا في حدود الصياغة الجزئية للحقيقة الكاملة.

يصبح من الممكن الآن أن ندرك المعنى العميق للتمييز بين المعرفة الميتافيزيقية والمعرفة العلمية: فالأولى صادرة عن العقل المحض، الذي يكون المطلق أو الكلّي ميدانَه؛ أما الثانية فهي صادرة عن العقل المنطقي أو الاستدلالي (Reason)، الذي يكون العام ميدانَه، إذ يقول أرسطو: «لا علمَ إلا بما هو عام». ولا يجوز البتّة أن نخلط بين الكلّيّ (Universal) والعامّ (General)، كما يفعل كثير من المناطقة الغربيين، الذين لا يتجاوزون في الحقيقة دائرة العامّ، حتى حين يطلقون عليه خطأً اسم الكلّيّ. لقد بيّنا أن منظور العلوم ينتمي إلى النظام الفرديّ؛ والعامّ لا يعارض الفرديّ، بل يعارض فقط الجزئيّ (the particular)، إذ ليس العامّ في ذاته سوى الفرديّ الموسَّع. ثم إن الفرديّ يمكن أن يُمدّ إلى ما لا نهاية دون أن يغيّر طبيعته أو يتحرّر من شروطه المحدِّدة والمقيِّدة. ولهذا نقول إن العلم يمكن أن يمتد إلى ما لا نهاية دون أن يبلغ الميتافيزيقا، لأنه سيبقى دائمًا منفصلًا عنها انفصالًا تامًّا، إذ إن الميتافيزيقا وحدها هي التي تتناول معرفة الكلّيّ أو المطلق.

كلّ ما قلناه آنفًا يمكن تطبيقُه، بلا أيّ تحفّظ، على جميع التعاليم التقليدية في الشرق، على الرغم من التنوّع الكبير في صورها التي قد تُخفي وحدتَها الجوهرية عن الناظر السطحي؛ فهذا المفهوم للميتافيزيقا صادقٌ بالقدر نفسه على الطاوية (Taoism)، وعلى العقيدة الهندوسية (Hindu doctrine)، وكذلك على البعد الباطنيّ والمتجاوز للدين في الإسلام. والسؤال الآن: هل يوجد في العالم الغربيّ ما يُشبه ذلك؟ لو اقتصرنا على ما هو موجود فعليًا في الوقت الحاضر، لما أمكن أن نُجيب إلا بالنفي، إذ إن ما يُسمِّيه الفكرُ الفلسفيّ الحديثُ أحيانًا "ميتافيزيقا" لا يمتّ بأدنى صلةٍ إلى المفهوم الذي عرضناه آنفًا. ومع ذلك، فإنّ ما ذكرناه عن أرسطو وعن التعليم المدرسيّ (Scholastic doctrine) يدلّ على أنّ الميتافيزيقا وُجدت فعلًا في الغرب إلى حدٍّ ما، وإنْ على نحوٍ غير كامل؛ وبرغم هذا التحفّظ اللازم، يمكن القول إنّ في ذلك التراث شيئًا لا نظير له إطلاقًا في الذهنية الحديثة، بل يتجاوز تمامًا نطاقَ فهمها. لكن هذا التحفّظ ضروريّ، لأنّه —كما أشرنا من قبل— هناك قيودٌ مخصوصة تبدو فطريةً في البنية العقلية الغربية كلّها، على الأقل منذ العصر الكلاسيكيّ القديم؛ وقد لاحظنا في هذا الصدد أنّ اليونانيين لم يكن لديهم أيُّ مفهومٍ عن "اللامتناهي" (the Infinite). وفوق ذلك، لِمَ يظلّ الغربيون المحدثون، حين يتوهّمون أنهم يُدركون اللامتناهي، يمثّلونه في صورة الفضاء، وهو لا يكون في الحقيقة إلا اللامحدود (the indefinite)؟ ولِمَ يُصرّون على الخلط بين الأبدية (Eternity)، التي تقوم في جوهرها في "اللازمنيّ"، وبين الدوام أو الاستمرار (Perpetuity)، الذي ليس إلا امتدادًا غير محدود للزمان؟ بينما لا نجد مثلَ هذه الأوهام عند الشرقيين؟ والسبب أنّ العقل الغربيّ، لكونه منصرفًا انصرافًا شبه تامٍّ إلى دراسة الأشياء المحسوسة، قد أصبح ميّالًا دومًا إلى الخلط بين "التصوّر العقليّ" و"التخيّل"، حتى صار كلّ ما لا يمكن تمثيله حسّيًا يبدو له غيرَ قابلٍ للتفكير أصلًا. بل حتى عند الإغريق أنفسهم كانت الملكاتُ التخيّلية (imaginative faculties) هي الغالبة. وهذا على وجه الدقّة نقيضُ الفكر الخالص (pure thought)؛ ففي مثل هذه الظروف لا يمكن أن توجد عقلانيةٌ حقيقية بالمعنى الأصيل للكلمة، ولا ميتافيزيقا. وإذا أضفنا إلى ذلك الخلطَ الشائع بين "العقلانيّ (rational)" و"العقليّ المحض (intellectual)"، بان لنا بوضوحٍ أنّ ما يُسمّى بالعقلانية الغربية —وخاصة الحديثة منها— لا يتجاوز في الواقع ممارسةَ الملكات الفردية والشكلية للعقل والتخيّل فحسب؛ ومن ثَمّ يمكن إدراك الهوة السحيقة التي تفصل بين الفكر الغربيّ والفكر الشرقيّ، إذ لا يرى الشرقيّ أيَّ معرفةٍ حقيقية أو ذات قيمة إلا تلك التي تمتدّ جذورُها في المطلق واللامتشكّل (the Universal and the Formless).

تعليقات

مواضيع المقالة