12
التَّحقُّق الميتافيزيقي
عندما وصفنا السمات الجوهرية لعلم الميتافيزيقا، قلنا إنّه يقوم على معرفة حدسية (Intuitive Knowledge)، أي معرفة مباشرة لا وساطة فيها، في مقابل المعرفة الخطابية أو الاستدلالية (Discursive Knowledge) التي تنتمي إلى النظام العقلي. إنّ الحدس العقلي (Intellectual Intuition) أكثر مباشرة حتى من الحدس الحسّي (Sensory Intuition)، لأنّه يتجاوز التمييز بين الذات والموضوع الذي يسمح الحدس الحسّي ببقائه. فالحدس العقلي هو في الوقت نفسه وسيلة المعرفة وجوهرها، إذ تتّحد فيه الذات بالموضوع، فلا انفصال بين العارف المعروف. وفي الحقيقة، لا تستحق المعرفة هذا الاسم إلا بقدر ما تُحدث مثل هذا الاتحاد بين العارف والمعروف، غير أنّ هذا الاتحاد، فيما عدا حالة الحدس العقلي، يظل دائمًا ناقصًا وغير تام. وبعبارة أخرى، لا وجود لمعرفة حقيقية إلا تلك التي تشارك -بدرجة ما- في طبيعة المعرفة العقلية الخالصة، وهي المعرفة العليا والأسمى. أمّا سائر أنواع المعرفة، لكونها معرفة غير مباشرة بدرجات متفاوتة، فلا تمتلك إلا قيمة رمزية أو تمثيلية فحسب. والمعرفة الفعّالة حقًا هي تلك التي تتيح لنا النفاذ إلى صميم ماهية الأشياء. وإذا كان مثل هذا النفاذ ممكنًا إلى حدٍّ ما في المراتب الدنيا من المعرفة، فإنّه لا يتحقّق على وجه الكمال والتمام إلا في المعرفة الميتافيزيقية.
إنَّ النتيجة المباشرة لهذا هي أنَّ المعرفة (Knowing) والكائن (Being) ليسا في جوهرهما سوى شيءٍ واحد بعينه؛ فهما وجهان لا ينفصلان لحقيقةٍ واحدة، حتى إنَّهما في المجال الذي يكون فيه كلُّ شيءٍ «بلا ثنائية» لا يعودان قابلين للتمييز أصلًا. وهذا وحده كافٍ لإظهار مدى عبثيّة جميع «نظريّات المعرفة» ذات الادّعاءات الميتافيزيقيّة التي تحتلُّ مكانة بارزة في الفلسفة الغربيّة الحديثة، والتي تذهب أحيانًا — كما في حالة كانط (Kant) — إلى حدّ ابتلاع كلّ ما سواها أو إخضاعه لسلطانها. والسبب الوحيد في وجود مثل هذه النظريّات إنما ينشأ من موقفٍ ذهنيٍّ تشترك فيه الغالبيّة العظمى من الفلاسفة المحدثين، وله أصله في الثنائيّة الديكارتيّة؛ وهذه الطريقة في التفكير تقوم على معارضةٍ مصطنعة بين «المعرفة» و«الكائن»، وهي معارضة تمثّل نفيًا لكلّ ميتافيزيقا حقيقيّة. وهكذا تنتهي الفلسفة الحديثة إلى الرغبة في استبدال «نظريّة المعرفة» بـ«المعرفة ذاتها»، وهو ما يعادل اعترافًا صريحًا بعجزها التام. وليس هناك ما هو أصدق تعبيرًا عن ذلك من تصريح كانط التالي:
«إنَّ الاستخدام الرئيسي — وربّما الوحيد — لكلّ فلسفةٍ للعقل الخالص هو، في نهاية الأمر، استخدام سلبيٌّ خالص؛ إذ ليست أداة لتوسيع المعرفة، بل انضباطٌ لتقييدها».
ألا تعني مثل هذه الكلمات، ببساطةٍ ووضوح، أنَّ الغاية الوحيدة للفلاسفة ينبغي أن تكون فرض الحدود الضيّقة لفهمهم هم على سائر الناس؟ هنا تتجلّى النتيجة الحتميّة للنظرة المنهجيّة (Systematic Outlook) التي هي — كما يجب أن نكرّر — مناقضة للميتافيزيقا في أعلى درجاتها.
تُقرُّ الميتافيزيقا بالهُويّة الجذرية بين المعرفة والكائن (Being)، وهي حقيقة لا يُمكن أن يُنكرها إلا مَن يجهل أبسط المبادئ الميتافيزيقية. وبما أنّ هذه الهُويّة متضمَّنة في طبيعة الحدس العقلي ذاتها، فإنَّ الميتافيزيقا لا تكتفي بتأكيدها، بل تُحقّقها أيضًا. هذا، على الأقل، ما يصحّ على الميتافيزيقا الكاملة أو المتكاملة؛ غير أنّه ينبغي أن نضيف أنّ الميتافيزيقا كما عرفها الغرب ظلّت — على ما يبدو — ناقصة دائمًا من هذه الناحية. ومع ذلك، فقد قرّر أرسطو بوضوح مبدأ التحقّق بالمعرفة (Principle of Identification by Knowledge)، حين صرّح صراحةً بأنّ «النفس هي كلّ ما تعرفه (“the soul is all that it knows”.)». غير أنّه — لا هو ولا خلفاؤه — بدا أنهم منحوا هذا القولَ معناه الكامل، أو استخرجوا منه ما ينطوي عليه من نتائج؛ فبقي عندهم مجرّد تأكيدٍ نظريّ. ولا شك أنّ هذا خير من لا شيء، لكنّه رغم ذلك يظلّ قاصرًا إلى حدٍّ بعيد، ولهذا تبدو الميتافيزيقا الغربيّة ناقصةً من وجهين: فهي نظريًا ناقصةٌ سلفًا — كما أشرنا من قبل — لأنها لا تتجاوز حدود الكائن (Being)؛ ومن جهةٍ أخرى، فإنّها لا تنظر إلى الأشياء، حين تنظر إليها أصلًا، إلا من زاويةٍ نظريةٍ خالصة. فالمنهج النظريّ (Theory) يُتعامل معه كما لو كان كافيًا بذاته، غايةً نهائيّة في حدّ ذاته، في حين أنّه ينبغي أن يُنظر إليه في الأصل على أنّه مجرّد تمهيدٍ، ضروريٌّ بلا شك، لكنه تمهيد يقود إلى تحقّقٍ مطابقٍ (Corresponding Realization) لما يُدركه.
من الضروري في هذا الموضع أن نقول شيئًا عن الكيفية التي نستخدم بها كلمة «نظرية» (Theory)؛ فباعتبار أصلها الاشتقاقي، فإنّ معناها الأوّل هو «تأمّل» (Contemplation)، وإذا أُخذت بهذا المعنى، أمكن القول إنّ الميتافيزيقا في مجملها — بما في ذلك التحقّق الذي تنطوي عليه — هي «نظرية» بالمعنى الأكمل والأتمّ للكلمة. غير أنّ الاستعمال اللغوي قد منح الكلمة معنى مختلفًا إلى حدٍّ ما، وأضيق بكثير قبل كلّ شيء. فقد أصبح من المألوف أوّلًا أن تُوضَع «النظرية» في مقابل «الممارسة» (Practice)، وفي معناها الأصلي، أي بوصفها مقابلةً بين «التأمّل» و«الفعل» (Action)، كانت هذه المقابلة لا تزال مقبولة هنا، إذ إنّ الميتافيزيقا تتجاوز في جوهرها نطاق الفعل، لأنه نطاق الوقائع الفرديّة الطارئة (Individual Contingencies). غير أنّ الذهنيّة الغربيّة، إذ اتجهت تقريبًا بكليّتها نحو الفعل، وأصبحت عاجزة عن تصوّر أيّ تحقّق (Realization) خارج نطاق الفعل، انتهت إلى إقامة معارضةٍ بين «النظرية» و«التحقّق» على وجهٍ عام. ومن ثمّ، فإنّنا سنقبل في هذا السياق بهذه المعارضة الأخيرة، لا خروجًا على الاستعمال الشائع، بل اتّقاءً لأيّ لبسٍ قد ينشأ من صعوبة فصل هذه المصطلحات عمّا ارتبط بها عادةً من معانٍ، سواء أكانت صحيحة أم مغلوطة. غير أنّنا لن نذهب إلى حدّ وصف التحقّق الميتافيزيقي بأنّه «عمليّ» (Practical)، لأنّ هذه الكلمة ما تزال، في اللغة المتداولة، ملازمةً لفكرة «الفعل» التي كانت تعبّر عنها في الأصل، وهي فكرة لا يصحّ بحالٍ تطبيقها على هذا المقام.
في جميع العقائد أو النُّظم التي بلغت كمالها الميتافيزيقي — كما هو الحال في تعاليم الشرق — تكون النظرية مصحوبة دائمًا، أو متبوعة، بـ"تحقّق فعلي"، لا تُعدّ النظرية فيه إلا أساسًا ضروريًا له. فلا يمكن الشروع في أيّ تحقّق من دون إعدادٍ نظريٍّ كافٍ، غير أنّ النظرية تُرتَّب بكاملها لتكون وسيلةً للغرض الأسمى، أي وسيلةً إلى ذلك التحقّق. وهذه النظرة — أي كون النظرية تمهيدًا للتحقّق — مفروغٌ منها، أو على الأقل متضمَّنة ضِمنيًّا، حتى في الصياغة الخارجية للعقيدة نفسها. وعلى الجانب الآخر، فإلى جانب الإعداد النظريّ وبعده، يمكن أن تُستخدم وسائل أخرى من طرازٍ مختلف لتحقيق التحقّق الفعّال؛ غير أنّ هذه الوسائل وُجِدت لتكون دعائم (Supports) أو نقاط انطلاق (Points of Departure)، فهي لا تؤدّي سوى وظيفة المُعِينات (Aids)، مهما بلغت أهميتها من الناحية التطبيقية. ولهذا السبب تحديدًا وُجدت الشعائر (Rites) التي تحمل طابعًا ميتافيزيقيًّا أصيلًا ودلالةً باطنيّةً حقيقية. غير أنّ هذه الشعائر — بخلاف الإعداد النظريّ — لا تُعَدّ أبدًا وسيلةً لا غنى عنها، لأنّها تبقى عارضةً لا جوهريّة، كما هو مُصرَّح بوضوح في التقليد الهندوسي، رغم ما تحتلّه من مكانة مهمّة فيه. ومع ذلك، فإنّ هذه الشعائر، بفضل قوّتها الذاتيّة وفاعليّتها الرمزيّة، قادرةٌ على أن تُيسّر على نحوٍ ملحوظ عمليّة التحقّق الميتافيزيقي، أي تحويل المعرفة الكامنة أو الاحتماليّة (Virtual Knowledge) — التي تمثّل مجرّد ما تحتويه النظرية — إلى معرفة فعليّة (Effective Knowledge) متحقّقة في الكائن ذاته.
خلاصة هذا المقال في نُقاطٍ موجزة:
1. المعرفة والكائن العارف وجهان لحقيقة واحدة: فـ«المعرفة» ليست عملية ذهنية منفصلة عن «الكائن»، بل هما اتحاد جوهريّ يلتقي فيه العارف والمعروف في نقطةٍ لا تعرف الانقسام ولا الازدواج.
2. الحدس العقلي هو النور الأعلى للمعرفة: إذ يتجاوز التمييز بين الذات والموضوع، ويجعل من المعرفة ذاتها فعلًا من أفعال الكائن العارف، ومن الكائن ذاته معرفةً متحقّقة.
3. المعرفة الحقّة هي التي تُحقِّق الاتحاد: فكلّ معرفة لا تؤدّي إلى اتحاد العارف بالمعلوم هي معرفة ناقصة، رمزيّة، أو تمثيليّة فحسب؛ أمّا الكاملة فهي التي تنفذ إلى جوهر الأشياء وتذوب فيه.
4. الفلسفة الحديثة وقعت في الانقسام: حين فصلت بين «المعرفة» و«الكائن»، واستبدلت «نظرية المعرفة» بـ«المعرفة نفسها»، فأعلنت بذلك — كما يقول المؤلف — عجزها عن إدراك المبدأ الميتافيزيقي الأوّل.
5. الميتافيزيقا الحقيقية لا تتوقّف عند النظر: بل تتطلّب تحقّقًا داخليًا يَحول النظر إلى وُجود، والفكر إلى حضورٍ حيّ؛ فهي ليست مجرّد تصوّر، بل عبورٌ من الفكرة إلى الكينونة.
6. النظرية تمهيدٌ لا غاية: فكلّ تأمّل ميتافيزيقي ليس إلا طريقًا نحو التحقّق، وسُلّمًا إلى المعرفة الفعليّة. النظرية وسيلة، أمّا الغاية فهي التجلّي العيانيّ للحقّ في الذات العارفة.
7. الطقوس وسائل مُعينة لا أسس جوهرية: فهي تُهيّئ النفس وتُيسّر سُبل التجلّي، ولكنّها ليست ضروريّة بذاتها، بل عونٌ رمزيّ يعجّل تحوّل «المعرفة الكامنة» إلى «معرفة متحقّقة».
8. الميتافيزيقا الشرقية مثال الكمال: لأنّها تجمع بين التأمّل والتحقّق، بين النظر والذوق، بين الكلمة والفعل الباطني؛ فهي لا تكتفي بأن تقول «اعرف»، بل تجعل المعرفة نفسها طريقًا للوجود.
تعليقات
إرسال تعليق