10
ما المقصود بالتراث الروحي (التقليد)؟
What is Meant by Tradition?
رينيه غينون
لقد تكرّر أن تحدّثنا عن التقليد([1]) (Tradition)، وعن التعاليم التقليدية أو المفاهيم التقليدية، بل حتى عن اللغات التقليدية؛ وهذا أمر لا مفرّ منه حين نحاول أن نصف الخصائص الجوهريّة للفكر الشرقي في مختلف أشكاله. ولكن ما المقصود تحديدًا بكلمة "التقليد" (Tradition)؟ ولدرء أيّ التباس محتمل، يجدر أن نوضح منذ البداية أنّنا لا نستعمل كلمة «التقليد» (Tradition) بالمعنى المحدود الذي تُعطيه لها أحيانًا بعضُ التيارات الدينيّة في الغرب، حين تضع "التقليد" في مقابل "الكلمة المكتوبة"، مستعملةً المصطلح الأوّل للدلالة على ما نُقل شفهيًّا فحسب. أما نحن، فإنّنا نأخذ كلمة "التقليد" بمعناها الأشمل بكثير؛ إذ يمكن أن يكون التقليدُ مكتوبًا كما يمكن أن يكون شفهيًّا، وإنْ كان من المعتاد – إن لم يكن من الضروري دائمًا – أن يكون أصله شفهيًّا في المقام الأول. ومع ذلك، ففي الحالة الراهنة للعالم، يتكوّن التقليد، سواء اتخذ شكلًا دينيًّا أو غير ديني، من فرعين متكاملين: الفرع المكتوب والفرع الشفهي؛ ولهذا لا نجد حرجًا في الحديث عن «الكتابات التقليدية» (Traditional Writings)، وهو تعبيرٌ كان سيكون متناقضًا لو أنّنا حصرنا معنى كلمة "التقليد" في معناها الضيّق المتخصّص. ثم إنّ الأصل الاشتقاقي للكلمة يوضّح ذلك بجلاء، إذ إنّ (Traditio) (من اللاتينية) تعني ببساطة «ما يُنقَل» أو «ما يُسلَّم» بأيّ وسيلة كانت. وعلاوةً على ذلك، يجب أن نُدرج ضمن مفهوم "التقليد"، بوصفها عناصر ثانوية ومشتقّة وإن كانت ذات أهميّة بالغة لاستكمال الصورة الكاملة، جميع المؤسَّسات (Institutions) على اختلاف أنواعها، تلك التي تجد مبدؤها أو أصلها في التعاليم التقليدية ذاتها.
وعلى هذا النحو من النظر، قد يبدو أنّ التقليد (Tradition) لا يمكن تمييزه عن الحضارة (Civilization) نفسها، والتي يعرّفها بعض علماء الاجتماع بأنّها «المجموع الكامل للتقنيات، والمؤسّسات، والمعتقدات المشتركة بين جماعة من الناس خلال فترة زمنية معيّنة». لكن ما القيمة الحقيقية لمثل هذا التعريف؟ في الواقع، لا نرى أنّ الحضارة يمكن أن تُعرَّف بوجهٍ عام بصيغةٍ من هذا النوع؛ إذ إنّها ستكون دائمًا، من بعض الوجوه، إمّا شاملة أكثر مما ينبغي أو ضيّقة أكثر مما ينبغي، مما يعرّضها لخطر إغفال عناصر مشتركة بين جميع الحضارات من جهة، أو إدخال عناصر تختصّ بحضاراتٍ بعينها من جهة أخرى. فالتعريف السابق – مثلًا – لا يأخذ بعين الاعتبار العنصر الفكري الجوهري الموجود في كل حضارة، إذ إنّ هذا العنصر لا يمكن إدراجه في الفئة التي يسمّونها «التقنيات (techniques)»، والتي يُقال عنها إنّها تضمّ «أنواع الممارسات التي تهدف بوجهٍ خاص إلى تعديل البيئة المادية». ومن جهة أخرى، حين يتحدّث هؤلاء العلماء عن «المعتقدات (beliefs)، مضيفين أنّ الكلمة يجب أن تُؤخذ «بمعناها الشائع»، فإنّهم يشيرون بذلك إلى أمرٍ يفترض ضِمْنًا وجودَ منظورٍ دينيّ، وهو منظور لا يوجد إلا في بعض الحضارات دون غيرها. ولهذا السبب، ولتفادي كل هذه الصعوبات، اكتفينا – في البدء – بتوصيف الحضارة بأنها نتاجٌ وتعبيرٌ عن نظرةٍ عقليةٍ معينة يشترك فيها عددٌ من الناس، على نحوٍ محدود أو واسع، وبذلك يمكن معالجة كل حالةٍ على حدة لتحديد عناصرها المكوِّنة تحديدًا دقيقًا.
ومهما يكن الأمر، فإنّ الحقيقة تبقى ثابتة – على الأقل فيما يخصّ الشرق – أنّ تطابق التقليد (Tradition) مع الحضارة بأسرها هو أمر مبرَّر في جوهره. فكلّ حضارةٍ شرقية، إذا ما نُظِر إليها في مجموعها، يمكن رؤيتها على أنّها حضارةٌ تقليديةٌ في أساسها وجوهرها. أمّا الحضارة الغربية، فقد بيَّنّا أنّها، على العكس من ذلك، خالِيَة من أي طابعٍ تقليدي، باستثناء العنصر الديني الذي وحده احتفظ بذلك الطابع. فالمؤسّسات الاجتماعية – لكي تُعَدَّ تقليدية بحق – يجب أن تكون مرتبطةً في أصلها بمبدأٍ مستمَدٍّ من عقيدةٍ تقليدية، سواء أكانت ميتافيزيقية (metaphysical) أو دينية أو من أيّ نوعٍ آخر يمكن تصوّره. وبعبارةٍ أخرى، إنّ المؤسّسات تُعَدّ تقليدية حين تجد مبرّرها الأسمى في اعتمادها – اعتمادًا مباشرًا أو غير مباشر، ولكن دائمًا عن قصدٍ ووعيٍ – على عقيدةٍ يكون طابعها الأساسي من النظام العقليّ (intellectual order) في جميع الأحوال. غير أنّ هذه العقلانية (intellectuality) قد تكون خالصةً صافية – في الحالات التي تكون فيها العقيدة ميتافيزيقية صرفًا – أو مختلطة بعناصر غريبة عنها، كما هو الشأن في الأشكال الدينية أو غيرها من الأطوار الخاصة التي يمكن أن تتخذها العقيدة التقليدية.
ففي الإسلام، يظهر التقليد (Tradition) في صورتين متميّزتين: إحداهما دينية، وهي التي تعتمد عليها المنظومة العامة للمؤسّسات الاجتماعية؛ وأمّا الصورة الأخرى، وهي شرقيةٌ خالصة، فهي ميتافيزيقيةٌ محضة. وفي درجةٍ ما، وُجد شيءٌ من هذا القبيل في أوروبا العصور الوسطى، في حالة العقيدة المدرسية (Scholastic doctrine)، التي تأثّرت – إلى حدٍّ واضح – بالتأثيرات العربية. غير أنّه، تجنّبًا للمغالاة في هذا القياس، ينبغي أن نضيف أنّ الميتافيزيقا في الفكر المدرسي لم تُفْرَز بوضوحٍ كافٍ عن اللاهوت (Theology)، أي عن تطبيقها الخاص ضمن النمط الديني للتفكير. وفوق ذلك، فإنّ الجزء الميتافيزيقي الأصيل الموجود في هذه العقيدة ناقصٌ، ويظلّ خاضعًا لقيودٍ معيّنة تبدو كأنّها ملازمةٌ لطبيعة الذهنية الغربية برمّتها. ولا شكّ أنّ هاتين النقيصتين ينبغي النظر إليهما بوصفهما نتاج الإرث المزدوج لكلٍّ من العقليّة العبرانية والعقليّة اليونانية.
في الهند نجد أنفسنا أمام تَقليدٍ (Tradition) ميتافيزيقيٍّ خالصٍ في جوهره؛ تتفرّع عنه – كامتداداتٍ تابعةٍ له – تطبيقاتٌ متعدّدة تنشأ عنه، سواء في فروعٍ ثانويةٍ من العقيدة ذاتها، مثل ما يتعلّق بـعلم الكوسمولوجيا (Cosmology)، أو في النظام الاجتماعي، الذي يخضع بدقّةٍ لِـمبدأ المماثلة التناظرية (Analogy) الرابطة بين الوجود الكوني والوجود الإنساني. وما يبدو في هذا التقليد أوضحَ بكثيرٍ ممّا هو في التقليد الإسلامي – ويرجع ذلك أساسًا إلى غياب المنظور الديني وما يستلزمه من عناصر غير عقلية (extra-intellectual) – هو الخضوع التامّ لمختلف المستويات الجزئية لِـلمرتبة الميتافيزيقية، أي لعالم المبادئ الكونية الكلية (universal principles).
في الصين، نجد تمييزًا حادًّا بين التقليد الميتافيزيقي من جهة، والتقليد الاجتماعي من جهةٍ أخرى. وقد يبدو هذان التقليدان، للوهلة الأولى، لا مختلفين فحسب – كما هما في الواقع – بل حتى مستقلّين نسبيًّا أحدهما عن الآخر. ويزداد هذا الانطباع وضوحًا لأنَّ التقليد الميتافيزيقي ظلَّ حكرًا تقريبًا على نخبةٍ فكريةٍ عليا، بينما التقليد الاجتماعي – بحكم طبيعته – فرض نفسه على الجميع دون استثناء، وطالب بمشاركتهم الفعّالة على نحوٍ متكافئ. ومع ذلك، ينبغي التذكير بأنَّ التقليد الميتافيزيقي، الذي تبلور في صورة الطاوية (Taoism)، ليس إلا تطوّرًا منبثقًا من مبادئ تقليدٍ أقدمَ وأولى (primordial tradition) صيغت في كتاب التغيّرات (I Ching)، ومن هذا التقليد الأوّلي ذاته انبثقت جميع المؤسّسات الاجتماعية التي تُعرَف عادةً باسم الكونفوشيوسية (Confucianism) ، وإنْ كان ذلك بصورةٍ غير مباشرة، وباعتبارها تطبيقًا في نطاقٍ عَرَضيٍّ ومشروط بالظروف. وهكذا تُستعاد الاستمرارية الجوهرية بين الجانبين الرئيسيين للحضارة الشرق-أقصوية، ويُوضَّح العلاقة الحقيقية بينهما. غير أنّ هذه الاستمرارية كانت ستفلت من الفهم تقريبًا لو لم نرجع بهما إلى أصلهما المشترك، أي إلى التقليد الأوّلي الذي حُفِظ تعبيره الإيديوغرافي (ideographical expression) — كما وُضع منذ عهد فو-هي (Fu Hsi) — صحيحًا وسليمًا طوال ما يقرب من خمسين قرنًا.
[1]- كلمة (Tradition) تعني التراث الروحي التقليدي لشعب أو حضارة ما تتناقله الأجيال جيلا من بعد جيل، وهو المنقولات المتوارثة. وفي أصلها هي عينها كلمة (الطرد جمعها طرود) التي تُرسل وتُسلم، ومن هذه الحركة أتى معنى (Tradition) ما يُسلم للآخر. المُحرر
تعليقات
إرسال تعليق