القائمة الرئيسية

الصفحات

سناتانا دارما: الفلسفة الدائمة

Sanātana Dharma

رينيه غينون


 

إنَّ مفهوم الـ(سناتانا دارما) لا نظير له في الفكر الغربي، إلى درجةٍ تجعل من المستحيل تقريبًا العثور على مصطلحٍ أو تعبيرٍ يمكن أن ينقل معناه كاملًا بكلّ أبعاده، إذ إنَّ أيّ ترجمةٍ مقترَحة له ستكون — إن لم تكن خاطئة تمامًا — قاصرةً على الأقلّ. وقد رأى أ. ك. كوماراسوامي (A. K. Coomaraswamy) أنّ أقرب تعبيرٍ يمكن أن يوازيه هو (الفلسفة الدائمة) Philosophia Perennis، على أن تُؤخذ بالمعنى الذي كانت تُفهم به في العصور الوسطى. وهذا القول صحيحٌ من وجوهٍ معيّنة، غير أنّ هناك مع ذلك فروقًا جوهريّة واسعة بين المفهومين، سيكون من المفيد جدًّا أن نعرضها هنا، لأنّ كثيرين يظنّون — بسهولةٍ مفرطة — أنّ في الإمكان استيعاب هذين المفهومين في إطارٍ واحد دون تمييز.

ينبغي أن نُلاحظ منذ البداية أنّ الصعوبة لا تتعلّق بترجمة كلمة (Sanātana) نفسها، إذ إنّ المقابل اللاتيني (Perennis) يُعَدّ في الحقيقة معادلًا دقيقًا لها. فالمقصود هنا هو الدوام أو الاستمرارية (Perenniality)، لا الأبدية (Eternity) كما يُظَنّ أحيانًا. ذلك أنّ لفظ (Sanātana) يتضمّن فكرة المدّة أو الامتداد الزمني (Duration)، في حين أنّ الأبدية هي في جوهرها «اللازمن» (Non-Duration). وهذه المدّة التي يشير إليها المصطلح ليست محدودة، بل هي — إذا أردنا الدقّة — دوريّة (Cyclical)، كما هو الحال في اللغة اليونانية التي تفتقر بدورها إلى معنى «الأبدية» الذي نسبه إليها المحدثون خطأً في كثير من الأحيان. وما هو «دائم» بهذا المعنى هو ما يستمرّ وجوده من بداية الدورة إلى نهايتها، ووفقًا للتقليد الهندوسي، فإنّ الدورة التي ينبغي النظر إليها في سياق الـ(سناتانا دارما) Sanātana Dharma هي (المانفانتارا) Manvantara، أي المدّة الكاملة لتجلّي الإنسانية الأرضيّة. ويجب أن نضيف مباشرة — لأنّ أهميّة هذه الإضافة ستتّضح لاحقًا — أنّ كلمة (Sanātana) تعني أيضًا «الأولي» أو «البدئي» (Primordial)، ومن السهل إدراك الصلة الوثيقة بين هذا المعنى وما سبق ذكره، إذ لا يكون الدائم حقًّا إلا ما يعود إلى بداية الدورة ذاتها. وأخيرًا، ينبغي أن نُدرك بوضوح أنّ هذا «الدوام» وما يستلزمه من ثبات (Stability)، مع أنّه لا يجوز بأيّ حالٍ الخلط بينه وبين الأبدية التي لا يُقاس بها، فإنّه يُمثّل بمثابة انعكاسٍ في شروط عالمنا لتلك الأبدية والثبات المطلق (Eternity and Immutability) اللذين ينتميان إلى المبادئ العليا التي يُعدّ الـ(سناتانا دارما) تجلّيها أو تعبيرها في نطاق عالمنا.

ينبغي أن نُلاحظ أولًا أنَّ الصعوبة في فهم المصطلح لا تتعلق بترجمة كلمة (ساناتانا Sanātana) نفسها، إذ إنَّ اللفظ اللاتيني (perennis) يُعادلها بدقة، فالمعنى هنا هو «الدوام» أو «الاستمرار عبر الزمن»، لا «الأبدية» كما يُظن أحيانًا. فـ(ساناتانا) تُشير إلى نوعٍ من الامتداد الزمني، في حين أنَّ الأبدية (eternity) تعني بالجوهر نفيَ الزمن أصلًا، أي الوجود في حالة «اللازمن».

إنَّ الامتداد المقصود في كلمة (ساناتانا) هو امتداد غير محدد، بل أدق من ذلك: امتداد «دوريّ» (cyclical)، شبيه بما في المفهوم اليوناني القديم الذي لا يحمل بدوره معنى «الأبدي» الذي أُقحم عليه خطأً في الفكر الحديث. فالشيء «الدائم» بهذا المعنى هو ما يستمر بلا انقطاع من بداية الدورة إلى نهايتها. وبحسب التقليد الهندوسي، فإنَّ الدورة المقصودة في (سناتانا دارما Sanātana Dharma) هي دورة (مانفانتارا Manvantara)، أي المدة الزمنية الخاصة بظهور الإنسانية الأرضية وبقائها. ويجب أن نُضيف فورًا — لما لهذا من أهمية ستتضح لاحقًا — أنَّ كلمة (ساناتانا) تحمل أيضًا معنى «الأوليّ» أو «البدئيّ»، وهو معنى يرتبط منطقيًا بالمعنى السابق، لأنَّ ما هو دائم حقًّا لا يمكن أن يكون إلا ما يرجع إلى بداية الدورة نفسها.

وأخيرًا، ينبغي أن يُفهَم أنَّ هذا «الدوام» وما يتضمّنه من ثبات واستقرار، وإنْ لم يكن بأي حال من الأحوال مرادفًا للأبدية — التي لا وجه للمقارنة معها — إلا أنه يُمثّل انعكاسًا في شروط عالمنا الزمني للأبدية والثبات اللذين يخصّان المبادئ العليا التي يُعَدُّ (الدارما الأبدي Sanātana Dharma) تعبيرًا عنها داخل نطاق عالمنا هذا. أما عن اللفظ اللاتيني (perennis) في ذاته، فهو يتضمن كل ما أشرنا إليه آنفًا، لكن من الصعب الجزم بمدى إدراك المدرسيين (Scholastics) في العصور الوسطى لكل هذه المعاني، لأن رؤيتهم — وإن كانت تقليدية — اقتصرت على المجال الخارجي، وكانت محدودة في وجوهٍ عدة.

وعلى أي حال، حتى لو افترضنا أنه يمكن إعادة إحياء الكلمة بكل ملئها الدلالي متجاوزين الاعتبارات التاريخية، فإنّ موضع التحفظ الأكبر على المماثلة بين (سناتانا دارما) و(الفلسفة الدائمة Philosophia Perennis) يكمن في استخدام كلمة (فلسفة Philosophia) نفسها، إذ إنها تُعبّر عن حدود تلك النظرة المدرسية. فكلمة (فلسفة) تولِّد لبسًا كبيرًا، خاصةً في الاستعمال الحديث، لكن يمكن تجاوز ذلك إذا أوضحنا أنَّ (الفلسفة الدائمة) ليست «فلسفة» بمعناها المألوف، أي ليست تصوّرًا ذهنيًّا خاصًّا أو نسقًا محدودًا منسوبًا إلى شخص بعينه، بل هي الأساس المشترك الذي يصدر عنه كل ما هو حقّ في سائر الفلسفات. وهذا الفهم يُوافق ما كان عليه رأي المدرسيين. غير أنَّ في هذا الاستعمال قدرًا من عدم الدقة، لأنَّ ما يُمثّل حقيقةً مُتجسّدة ينبغي أن يُسمّى (الحكمة Sophia) لا (محبة الحكمة Philosophia)، فـ«الحكمة» لا تُساوي «الرغبة في الحكمة» أو «السعي إليها»، وهو المعنى الحقيقي الذي تحمله كلمة «فلسفة» بحسب أصلها الاشتقاقي. ولعلّ من الممكن القول إنَّ الكلمة تخضع هنا لنوعٍ من التحويل المعنوي، ومع أنَّ هذا المصطلح قد يُقبل من باب المجاز، إلا أنه لا يُعدّ مع ذلك معادلًا حقيقيًّا لكلمة (دارما Dharma)، لأنَّه لا يمكن أن يدلَّ إلا على مذهبٍ أو منظومة فكرية، مهما اتسع نطاقها، فإنها تبقى في النهاية نظريةً فحسب. وهذا يجعلها بعيدة عن المعنى الذي يُحيط به المنظور التقليدي في كماله، إذ إنَّ العقيدة (doctrine) من وجهة النظر التقليدية لا تُعدّ نظريةً مجردةً كافيةً بذاتها، بل هي «معرفة» ينبغي أن تتحقق فعليًّا في الكيان الإنساني، وتتضمن تطبيقاتٍ تمتدُّ إلى جميع أنماط الحياة الإنسانية دون استثناء.

ينشأ هذا الاتساع في المعنى من طبيعة كلمة (دارما – Dharma) نفسها، التي يستحيل في الواقع ترجمتها بكلمة واحدة في اللغات الغربية. فهي مأخوذة من الجذر (دهري – dhri) الذي يعني «الحمل» و«الدعم» و«الإسناد» و«الحفظ»، ومن ثَمَّ تُشير قبل كل شيء إلى مبدأ الحفاظ على الكائنات، أي إلى مبدأ الثبات والاستقرار، بقدر ما يسمح به الوجود في عالم التجلي. ومن اللافت أنَّ هذا الجذر dhri يكاد يتطابق شكلًا ومعنىً مع الجذر (دهرو – dhru) الذي اشتُقّت منه الكلمة (دهروفا – dhruva) أي «القطب». ولفهم معنى (الدارما) في أعمق دلالاته، ينبغي الرجوع إلى فكرة «القطب» أو «المحور» (axis) الذي يقوم عليه العالم المظاهر؛ فهو المركز الثابت الذي لا يتغيّر وسط دوائر التحوّل والحركة، ومن خلال ثباته يحكم مجرى التبدّل ذاته، لأنه لا يشارك فيه. إنَّ هذا المعنى العميق يجعل من (الدارما) مبدأ «الثبات في قلب الحركة» و«النظام الذي يُبقي الوجود قائمًا» كما يبقي المحورُ دورانَ العجلة منتظمًا دون أن يدور هو نفسه. ويجب أن نتذكر أنَّ هذا النمط من التعبير اللغوي متصل اتصالًا وثيقًا بالرمزية (symbolism)، لأن اللغة القديمة التي صيغ بها هذا الفكر تمتاز بطابعها التركيبي الذي يجمع بين المعنى العقلي والدلالة الرمزية في آنٍ واحد، بخلاف اللغات الحديثة التي فقدت هذا الارتباط إلا في آثار بعيدة منه. ولو لم يُبعدنا ذلك كثيرًا عن موضوعنا، لأمكن أن نُبيّن أن مفهوم (الدارما) يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالرمز الكوني لـ «محور العالم» أو «شجرة العالم – World Tree»، التي تُصوِّر هذا الثبات المحوري الذي تتجلّى حوله حركة الكون بأسره.

يمكن القول إنَّه إذا نُظِر إلى الدارما (Dharma) من حيث المبدأ، فهي بالضرورة أبدية (سَنَاتَانَا – Sanātana)، بل في معنى أوسع مما أشرنا إليه سابقًا، إذ لا تقتصر على دورة كونية معيّنة أو على كائنات مخصوصة ضمنها، بل تشمل جميع الكائنات في كل مراتب تجليها ووجودها. وهنا أيضًا نلتقي بفكرة الدوام والثبات، غير أن هذا الثبات — الذي بدونه لا يمكن الحديث عن دارما البتة — يمكن أن يُفهم على نحو نسبي، فيُطبَّق بدرجات متفاوتة وعلى مستويات مختلفة، وهذا ما يُبرّر تعدّد المعاني الثانوية أو «المتخصصة» لهذا المصطلح. فبما أن الدارما تُعدُّ مبدأ الحفاظ على الكائنات، فإنها تُتمثّل في كل كائنٍ بقدر توافقه مع طبيعته الجوهرية. ومن هذا المنطلق يمكن أن يُقال إن لكل كائن «دارمته الخاصة» (سْفَدارما – Svadharma)، وكذلك لكل صنف من الكائنات، بل لكل عالم أو حالة من حالات الوجود، أو حتى لجزء محدد من ذلك العالم، كأمة بعينها أو حقبة زمنية معينة. أما حين نتحدث عن الدارما الأبدية (Sanātana Dharma)، فإن المقصود هو نظام الحياة الكامل للإنسانية في دورتها الزمنية كلها، أي على امتداد الـ(مانفنترا – Manvantara)، وهي مدة ظهور الإنسانية الأرضية. وفي هذا الإطار يمكن القول إن الدارما الأبدية تمثل «القانون» أو «الناموس» الخاص بتلك الدورة الكونية، الذي صيغ منذ بدايتها على يد الـ (مانو – Manu)، أي «العقل الكوني» الذي يعكس الإرادة الإلهية ويُعبّر عن النظام الكوني الشامل (الرتا – Ṛta) فيها. وهذا هو المعنى الأصيل لما يُسمّى (مانافا دارما – Mānava Dharma)، إذا نُظر إليه بمعزل عن تطبيقاته الجزئية المتفرعة عنه، وإن كانت هذه التطبيقات يمكنها أن تُسمّى بالاسم نفسه لأنها ليست إلا ترجمات وتكييفات لتلك المبادئ الأولى بما يناسب اختلاف الأزمنة والأمكنة. غير أنه يجب التنبيه إلى أن فكرة «القانون» (Law)، وإن كانت تُستعمل أحيانًا للدلالة على مجموع النصوص المقدسة كلها — كما في المقابل العبري (التوراة – Torah) — إلا أنها تُوحي في الذهن مباشرةً بالجانب التشريعي أو التنظيمي، وهو جانبٌ لا يُمثل جوهر التقليد (Tradition) ولا يحيط به، وإن كان جزءًا أصيلًا منه في كل حضارة يمكن وصفها بـ«الطبيعية» أو «المنسجمة مع النظام الكوني». فهذا الجانب التشريعي، على الرغم من أنه لا يُعدّ إلا تطبيقًا اجتماعيًّا لمبادئ أعمق، إلا أنه يقوم على الأساس الميتافيزيقي (Metaphysical Doctrine) الذي يُشكّل جوهر التقليد وأصله، أي المعرفة المبدئية (Principial Knowledge) التي يعتمد عليها كل ما سواها، والتي بدونها لا يمكن لأي بُعدٍ من أبعاد التراث الأصيل أن يوجد وجودًا حقيقيًّا.

لقد تحدثنا عن النظام الكوني (Universal Order)، الذي يُمثّل تجلّي الإرادة الإلهية (Divine Will) في عالم الوجود، والذي يتخذ في كل مستوى من مستويات الكينونة هيئات خاصة (Modalities) تحددها الشروط الملازمة لذلك المستوى. ومن بعض الوجوه، يمكن تعريف الدارما (Dharma) بأنها الانضباط وفق النظام أو التوافق معه (Conformity to Order)، وهو ما يفسّر الصلة الوثيقة بينها وبين مفهوم الرتا (Ṛta)، الذي يعني هو الآخر «النظام»، ويحمل من حيث الأصل اللغوي معنى الاستقامة (Rectitude)، تمامًا كما هو الحال في مفهوم التِه (Te) في التقاليد الصينية، الذي يشترك مع الدارما الهندوسية في معانٍ جوهرية كثيرة، وكل ذلك يعيد إلى الذهن من جديد فكرة المحور (Axis)، أي الاتجاه الثابت المستقيم الذي لا يتبدّل. وفي الوقت نفسه، فإن كلمة رتا (Ṛta) تماثل من حيث الجذر والمعنى كلمة الطقس أو الشعيرة (Rite)، التي كانت في أصلها تدل على كل ما يُنجز وفق النظام الحق. ولهذا فإن جميع الحضارات التقليدية الأصيلة — ولا سيّما في بداياتها — كانت تتصف بطابع طقسي (Ritual) شامل. غير أن الطقوس بدأت مع الزمن تكتسب معنًى أضيق نتيجة الانحطاط (Degeneration) الذي أفرز نشاطًا «دنيويًّا (Profane)» في شتّى الميادين، بعد أن كانت الرؤية التقليدية تشمل كل مظاهر الحياة. وهكذا ظهرت التفرقة بين المقدّس (Sacred) والمدنّس أو الدنيوي (Profane)، أي بين ما ظلّ خاضعًا للنظام الإلهي وبين ما خرج عنه. ومن ثمّ فإن كل ما صار يُعتبر دنيويًّا أصبح في حقيقته نقيضًا للدارما (Adharma) أو نقيضًا للرتا (Anṛta). وعلى النقيض من ذلك، ينبغي أن نُدرك أن الطقوس (Rites) التي ظلّت تعبّر عن المقدّس ما تزال تحتفظ بطابعها «الدارمي» الأصيل، إذ تمثل ما بقي قائمًا من الحالة الأولى التي سبقت الانحراف. أما النشاط غير الطقسي (Non-ritual Activity) فهو في جوهره انحراف أو شذوذ عن النظام، وبخاصة ما يُعرف بالعادات والاتفاقات الاجتماعية (Conventions & Customs)، لأنها خالية من أي أساس عميق، ومجرد اختراعات بشرية لم تكن موجودة في الأصل، بل نشأت بسبب الانفصال عن النظام الكوني. ولذلك، فمهما ظنّ البعض، فإن الطقوس بالمعنى التقليدي الحق لا يمكن أن تكون في أي حال من الأحوال مرتبطة بتلك المحاكيات الزائفة أو البدائل المزيّفة (Counterfeits or Parodies). ثم إن ثمة أمرًا جوهريًّا يجب التأكيد عليه، وهو أن التوافق مع النظام (Conformity to Order) لا ينبغي أن يُفهم فقط في سياق النظام الإنساني أو الاجتماعي، بل في سياق النظام الكوني (Cosmic Order) قبل كل شيء. ففي كل رؤية تقليدية حقيقية توجد دائمًا مقابلة دقيقة (Correspondence) بين هذين النظامين، الإنساني والكوني. ومن هنا كان الطقس (Rite) هو الوسيلة الواعية التي تحفظ هذه العلاقات الحية بين العالمين، إذ يُمثّل في جوهره مشاركة الإنسان في حفظ التوازن الكوني، أي تعاون الإنسان مع النظام الإلهي في مستوى وجوده.

يترتّب على ما تقدّم أنَّ الدارما الأبدية (Sanātana Dharma)، حين تُنظَر باعتبارها تراثًا كاملاً ومتكاملاً (Integral Tradition)، تشتمل من حيث المبدأ على جميع فروع النشاط الإنساني، وهذه الفروع لا تُدمَج فيه فحسب، بل تتحوّل جوهريًّا بفضله، إذ إنها من خلال هذا الاندماج تُصبح مشمولةً بالطابع اللامَعنِي أو فوق الإنساني (Nonhuman) الذي يميّز كل تراث أصيل، بل إنها تُشكّل في الحقيقة جوهر التقليد ذاته. ومن ثمّ فهي النقيض التام لما يُسمّى النزعة الإنسانية (Humanism)، أي تلك النظرة التي تُريد أن تردّ كلّ شيء إلى المستوى الإنساني الخالص، وهي في جوهرها لا تختلف عن المنظور الدنيوي أو المُدَنَّس (Profane Point of View). وهنا بالتحديد يتجلّى الفارق الأعمق بين النظرة التقليدية إلى العلوم والفنون وبين نظرتها الدنيوية الحديثة، حتى ليصحّ القول — من غير مبالغة — إنَّ بينهما هوة سحيقة لا يمكن ردمها. فمن وجهة النظر التقليدية، لا تكون العلوم والفنون (Sciences and Arts) صحيحة أو مشروعة إلا بقدر ما تستند إلى المبادئ الكونية (Universal Principles)، بحيث تُصبح في حقيقتها تطبيقاتٍ للعقيدة الميتافيزيقية الأساسية (Fundamental Doctrine) في نطاقٍ مخصوص من الوجود، تمامًا كما تُعدّ التشريعات والتنظيمات الاجتماعية تطبيقاتٍ لها في نطاقٍ آخر. ومن خلال هذا الاشتراك في جوهر التراث، تكتسب العلوم والفنون، في جميع صور ممارستها، الطابع الطقسي (Ritual Character) الذي أشرنا إليه من قبل، وهو الطابع الذي لا يُفارِق أي نشاطٍ ما دام يظل على ما ينبغي أن يكون عليه. ويُضاف إلى ذلك أنَّه، من هذه الزاوية، لا فرق بين الفن والحرفة (Arts and Crafts)، لأنهما في المفهوم التقليدي شيءٌ واحد؛ فالفن ليس إبداعًا ذاتيًّا منفصلًا عن النظام الكوني، بل هو تجلٍّ رمزي للعقل الكلي في المادة. ولا يتّسع المقام لمزيدٍ من التفصيل في هذه النقاط، غير أنّ ما قيل يكفي لبيان أنَّ كلَّ ذلك يتجاوز حدود «الفلسفة (Philosophy)» في أي معنى تُفهم به، إذ إنّ الفلسفة — مهما سمت — تبقى في دائرة النظر النظري، في حين أنَّ الدارما الأبدية هي حياةٌ تُعاش وفق الحقيقة، لا مجرد فكرة تُدرَك بالعقل.

يمكننا الآن أن نفهم بوضوح ما هو الـ(سَناتَانا دارما Sanātana Dharma) في حقيقته: فهو ليس سوى التقليد الأوّلي (Primordial Tradition)، الذي يظلّ وحده قائمًا على امتداد الـ(مانفنتارا Manvantara) بأسره من غير تبدّل، ولهذا يمتلك دوامًا دوريًّا، لأن طبيعته البدئية تُخرجه من تقلّبات العصور المتعاقبة، وهو وحده الذي يمكن اعتباره تقليدًا كاملًا حقًّا وشاملًا بالمعنى التامّ للكلمة. غير أنّ هذا التقليد البدئي، بسبب المسار الانحداري للدورة وبسبب التعتيم الروحي الناتج عنه، أصبح خفيًّا وغير متاح للإنسان العادي. وهو المصدر الأوّل والأساس المشترك لجميع الأشكال التقليدية الخاصة التي انبثقت منه تكيّفًا مع ظروف الشعوب والأزمنة المختلفة، إلاّ أنّ أياً من هذه الأشكال لا يمكن أن يُطابق الـ(سَناتَانا دارما) ذاته، ولا أن يُعدّ تعبيرًا كافيًا عنه، وإن كانت جميعها مع ذلك صورًا منه، تحجب أصله في درجات متفاوتة. وكلّ تقليد أرثوذكسي هو انعكاسٌ و«بديلٌ» عن التقليد البدئي، بقدر ما تسمح به الملابسات العرضية، حتى لو لم يكن هو الـ(سَناتَانا دارما) ذاته، فإنّه يمثّله تمثيلًا حقيقيًّا لأولئك الذين يلتزمون به فعليًّا ويشاركون في روحه، إذ لا سبيل لهم إلى بلوغه إلاّ من خلاله، لأنه يعبّر عمّا يخصّهم مباشرة، وبالشكل الأنسب لطبيعتهم الفردية. وفي معنى معيّن، تحتوي هذه الأشكال التقليدية المتعددة، من حيث المبدأ، على الـ(سَناتَانا دارما)، لأنها ليست سوى تكييفات منتظمة ومشروعة له، وليس في أيّ تطوّر يطرأ عليها عبر الزمن ما يمكن أن يكون في النهاية غير هذا الجوهر ذاته. وفي معنى آخر مكمّلٍ ومضادّ، تضمّ هذه التقاليد جميعًا في باطنها الـ(سَناتَانا دارما) بوصفه ما فيها من جوهرٍ باطنيٍّ و«مركزيّ». فهي في درجاتها المختلفة من الظاهرية أشبه بحُجبٍ متعدّدة تخفي الـ(سَناتَانا دارما)، ولا تسمح له بالانكشاف إلاّ في صورةٍ مُخفّفة وجزئية.

وبناءً على ذلك، فإن هذا الحكم يسري على جميع الأشكال التقليدية بلا استثناء، ومن ثمّ يكون من الخطأ أن نرغب في مساواة الـ(سَناتَانا دارما Sanātana Dharma) على نحوٍ بسيط ومباشر بأيٍّ منها، أيًّا كانت، حتى ولو بالتقليد الهندوسي نفسه كما نعرفه اليوم. وإن وُجد من يرتكب هذا الخطأ، فليس ذلك إلاّ من أولئك الذين تَحدّ آفاقهم ظروفُهم بحيث لا يرون إلاّ داخل حدود هذا التقليد وحده. ومع ذلك، فإذا كان هذا التماثل جائزًا إلى حدٍّ ما وفق ما أوضحناه آنفًا، فبالمعنى نفسه وبالحقّ ذاته يمكن لأتباع التقاليد الأخرى أن يقولوا إن تقاليدهم هي الـ(سَناتَنا دارما)، ويكون قولهم هذا صحيحًا بمعنى نسبيّ، وإنْ كان باطلًا بمعنى مطلق. على أنّ ثمة سببًا يجعل فكرة الـ(سَناتَانا دارما) تبدو متّصلة على وجهٍ خاص بالتقليد الهندوسي، إذ من بين جميع الأشكال التقليدية الباقية اليوم، يُعدّ هذا الأخير الأكثر اتصالًا مباشرةً بالتقليد البدئي (Primordial Tradition)، فهو يُمدّه ظاهريًّا — إذا جاز التعبير — مع التزامه التامّ بالظروف التي يسير وفقها الدورة الإنسانية، وهي الدورة التي يصفها وصفًا أكمل مما يَجد المرء في أي موضع آخر، ومن ثمّ يشترك بدرجةٍ أعلى من سائر التقاليد في صفة الدوام التي تميّز الأصل البدئي. ومن اللافت أيضًا أنّ التقليدين الهندوسي والإسلامي يعلنان صراحةً اعترافهما بصحّة جميع التقاليد الأرثوذكسية الأخرى، وذلك لأنهما — لكونهما الأوّل والآخر في مجرى الـ(مانفنتارا Manvantara) — يضمان في جوهرهما، وإنْ بطريقتين مختلفتين، جميع الأشكال المتنوّعة التي نشأت في ما بينهما، ليُتاح بذلك إمكان «العودة إلى الأصول»، التي بها يتّصل آخر الدورة ببدايتها، وحينذاك، في مطلع (مانفنتارا) جديد، سيظهر الـ(سَناتَانا دارما) الحقيقي من جديد في صورةٍ ظاهرة للعالم.

علينا أن نشير بعدُ إلى مفهومين خاطئين شائعين جدًّا في عصرنا، وهما دليلان على جهلٍ أعمق وأخطر بكثير من مجرد مساواة الـ(سَناتَانا دارما Sanātana Dharma) بشكلٍ تقليديٍّ معيّن. أحد هذين المفهومين هو ما يروّجه أولئك الذين يُسمَّون «الإصلاحيين» — الذين يُوجَدون اليوم حتى في الهند نفسها — ممن يتوهّمون أنهم قادرون على استعادة الـ(سَناتَانا دارما) عبر نوعٍ من «التبسيط» التعسفي للتقليد، تبسيطٍ لا يعكس إلا ميولهم الفردية، وغالبًا ما يُظهر تحيّزاتٍ متأثرةً بروح الغرب الحديث. إن ما يسعى إليه هؤلاء «الإصلاحيون» في المقام الأول هو إزالة ما له أعمق الدلالات وأغزر المعاني، إمّا لأنهم يعجزون عن إدراكه تمامًا، أو لأنه يتعارض مع أفكارهم المسبقة. وهذا السلوك يشبه تمامًا سلوك «النقّاد» الذين يرفضون من النصوص كل ما لا ينسجم مع تصوّرهم الخاص عنها أو مع المعنى الذي يريدون فرضه عليها. أمّا نحن، فحين نتحدث عن «العودة إلى الأصول»، كما فعلنا قبل قليل، فإنما نعني أمرًا آخر تمامًا، أمرًا لا يتوقّف البتة على مبادرة الأفراد بوصفهم أفرادًا؛ ثم إننا لا نرى سببًا يجعل التقليد البدئي (Primordial Tradition) يجب أن يكون بسيطًا كما يزعم هؤلاء، إلا إذا كانت عِلّتهم الفكرية أو ضعفهم العقلي يتمنّى أن يكون كذلك. ولماذا ينبغي للحقيقة أن تُخضع ذاتها لضآلة قُدرة الفهم لدى الإنسان العادي في هذا العصر؟ إن إدراك خطأ هذا الرأي يكفي فيه أن نفهم أمرين: أولهما أن الـ(سَناتَانا دارما) تحتوي كلّ ما عُبّر عنه في جميع الأشكال التقليدية بلا استثناء، بل وأكثر من ذلك، وثانيهما أنها تتضمّن بالضرورة حقائق من أعلى وأعمق مراتب المعرفة، وهي تلك التي أصبحت أكثر صعوبةً على الإدراك بسبب التعتيم الروحي والفكري الملازم لمسار الانحدار الدوري. في ظلّ هذه الحال، يتبيّن أن «البساطة» التي يعشقها الحداثيون على اختلاف مشاربهم ليست في شيء من سمات قِدَم التعاليم التقليدية، فضلاً عن أن تكون علامةً على أصالتها الأولى.

أما المفهوم الخاطئ الآخر الذي ينبغي أن نلفت الانتباه إليه، فهو ما يخصُّ المدارس الحديثة المختلفة المرتبطة بما يُسمّى بحق «علم الباطن» (Occultism). فهذه المدارس تقوم في الغالب على منهج «الترقيع التوفيقي» (Syncretism)، أي جمع شتات عناصر من تقاليد متباينة بقدر ما تعرفه منها، جمعًا سطحيًّا خارجيًّا خاليًا من أي محاولة لاستخراج الجذر المشترك أو الروح الموحدة بينها، بل تكتفي بمجرد ضمّ تلك العناصر جنبًا إلى جنب على نحوٍ عشوائي لا يربطها منطقٌ ولا وحدة. والنتائج التي تخرج بها، على ما فيها من تناقضٍ وغرابة، تُقدَّم رغم ذلك على أنها تمثّل «حكمةً قديمة» أو «تعليمًا بدئيًّا» زُعم أنّ جميع التقاليد انبثقت منه، وأنه هو نفسه «التقليد الأوّلي» أو (الـسَّناتَانا دارما)، مع أنّ هذه المصطلحات ذاتها لا تبدو مفهومة لديهم فهمًا حقيقيًّا. ومن البديهي أنّ كلّ ذلك — مهما كانت ادعاءاته — لا يحمل أدنى قيمةٍ حقيقية، إذ لا يعكس سوى وجهة نظر دنيوية محضة، بل ومُبتذلة، إذ غالبًا ما تكون هذه التصورات مقرونة بعجزٍ تام عن إدراك ضرورة الالتزام أولًا وقبل كلّ شيء بتقليدٍ معين لمن أراد أن يلج ميدان الروح ولو أدنى ولوج. وينبغي أن يُفهم هنا أننا نعني بالالتزام انخراطًا وجدانيًّا تامًّا يحمل في طيّاته جميع نتائجه العملية، بما في ذلك ممارسة الطقوس والشعائر الخاصة بذلك التقليد، لا مجرد إحساسٍ «مثاليٍّ» غامض بالانتماء كما يفعل بعض الغربيين الذين يعلنون أنفسهم هندوسًا أو بوذيين دون أن يكون لهم معرفة حقيقية بما يعنيه ذلك، ودون أن يخطر ببالهم أن يقيموا ارتباطًا فعليًّا ومنتظمًا بتلك التقاليد، رغم أن هذا الارتباط هو نقطة الانطلاق الضرورية التي منها فقط يمكن لكلٍّ — بحسب طاقته واستعداده — أن يسعى إلى ما هو أبعد. إن المطلوب في الحقيقة ليس التأملات العقيمة في الفراغ، بل معرفةٌ جوهرها التوجّه نحو التحقّق الروحي (Spiritual Realization). فبهذا وحده، ومن داخل التقاليد نفسها — بل ومن مركزها العميق إذا أمكن بلوغه — يمكن للإنسان أن يُدرك بحق الوحدة الجوهرية والأساسية التي تجمع تلك التقاليد، ومن ثم يبلغ معرفةً تامّةً حقيقية بـ(السَّناتَانا دارما).

تعليقات

مواضيع المقالة