القائمة الرئيسية

الصفحات

الأصول الجوهرية في فكر رينيه غينون: الميتافيزيقا، والتراث الروحي، وأزمة الحداثة

 

الأصول الجوهرية في فكر رينيه غينون: الميتافيزيقا، والتراث الروحي، وأزمة الحداثة

 

رينيه غينون

المحرّر: جون هيرلي (John Herlihy)

مقدّمة: مارتن لينغز (Martin Lings)

الناشر: World Wisdom, 2004

 

ترجمنا القسم الثاني من صفحة 75 إلى صفحة 92.

 

الترجمة بالذكاء الاصطناعي

ChatGPT

 

تدقيق وتحرير

أبوالحسن

 



 

القسم الثاني

العالَمُ الميتافيزيقي

THE METAPHYSICAL WORLD

 

إنّ الميتافيزيقا (Metaphysics) الحقّة تمثّل معرفةً روحية من مرتبةٍ عليا، وهي، في نظر رينيه غينون، أقدمُ وأشملُ ما امتلكه الجنسُ البشري من معارف. فخلف حدود المعرفة العقلانية المحضة التي تمثلها العلوم، تمتدّ معرفةٌ من نوعٍ آخر: معرفةٌ بالمبادئ الكونية (Universal Principlesتُدرَك بالعقل المحض (Pure Intellectأي بالقدرة الذهنية المتجرّدة من الفردية والمحدودية. وهذه المعرفة تقود إلى وعي فعّال بالحالات الوجودية المتجاوزة للفردية (Supra-individual states of beingأي إدراكٍ مباشرٍ لمراتب الكينونة التي تتخطّى حدود الذات الإنسانية الجزئية. وذلك هو «الموضوع الحقيقي للميتافيزيقا» — أي غايتها الأصيلة التي تتجاوز كل معرفةٍ نظرية إلى معرفةٍ وجوديةٍ تحوّل الكائن نفسَه.

 


 

9

الميتافيزيقا الشرقية

Eastern Metaphysics

 

لقد اتخذتُ من الميتافيزيقا الشرقية (Eastern Metaphysics) موضوعًا لهذا البحث. وربما كان من الأدق أن أقول ببساطة: "الميتافيزيقا" دون توصيفٍ إضافي، لأنّ الميتافيزيقا الخالصة (Pure Metaphysics) في حقيقتها ليست شرقيةً ولا غربية، بل هي كونيةٌ شاملة، تتجاوز في جوهرها جميع الأشكال والظروف العارضة. إنّ ما يُوصَف بأنه شرقي أو غربي ليس سوى الأشكال الخارجية (Exterior Forms) التي تكسو هذه الحقيقة الميتافيزيقية، لتؤدي وظيفةَ العرض والتعبير بقدر ما يمكن أن يُعبَّر عنه من تلك الحقيقة. لكن، تحت هذا التنوّع في الصور، توجد في كل مكانٍ وأيّ زمانٍ أسسٌ واحدة بعينها (Selfsame Basis)، على الأقل حيثما وُجدت ميتافيزيقا حقيقية أصيلة. والسبب في ذلك بسيط: لأنّ الحقيقة واحدة (Truth is one).

إذا كان الأمر كذلك، فما الحاجة إذًا إلى الحديث تحديدًا عن الميتافيزيقا الشرقية؟ السبب هو أنّ الميتافيزيقا، في الحالة الفكرية الراهنة للعالَم الغربي، قد غدت أمرًا منسيًّا، مجهولًا على وجه العموم، بل مفقودًا تقريبًا بكليّته؛ بينما هي، في الشرق، ما تزال موضوع معرفة فعَّالة (Effective Knowledge)، أي معرفةٍ حيةٍ تُمَارَس وتُدرَك بوصفها خبرةً واقعية لا مجرد نظرٍ عقليٍّ أو نظريٍّ. فمن أراد أن يعرف الميتافيزيقا معرفةً حقيقية، فعليه أن يتوجّه نحو الشرق؛ وحتى إن كانت رغبته هي استعادة بعض التقاليد الميتافيزيقية التي كانت موجودةً في الغرب قديمًا — ذلك الغرب الذي كان، من نواحٍ كثيرة، أقربَ إلى الشرق مما هو عليه اليوم — فإنّ السبيل الأجدى إلى ذلك إنما يكون بمعونة التعاليم الشرقية (Eastern Doctrines)، وبمقارنتها بما بقي من آثار غربية، لأنها تمثل التعاليم الوحيدة في ميدان الميتافيزيقا التي ما تزال قابلةً للدراسة المباشرة [أي ليست منقولة عبر تفسيراتٍ ثانوية أو بقايا نصوص]. لكن من الواضح أنّ هذه الدراسة لا تكون مثمرة إلا إذا أُجريت كما يدرسها أهل الشرق أنفسهم، لا وفق تأويلاتٍ افتراضيةٍ أو خياليةٍ يبتدعها الغرب أحيانًا، مبتعدًا عن روح تلك التعاليم. وغالبًا ما يُنسى كذلك أنّ الحضارات الشرقية (Eastern Civilizations) لا تزال موجودةً، وأنّ لها ممثلين مؤهلين وأمناء لتلك المعارف، لا يحتاج المرء سوى أن يلجأ إليهم ليتعلّم منهم الطبيعة الحقيقية لهذا الموضوع.

لقد قلتُ "الميتافيزيقا الشرقية"، ولم أقل "الميتافيزيقا الهندوسية" على وجه الحصر، لأنّ التعاليم من هذا النمط، بما تشتمل عليه من مضامين، لا تُوجَد في الهند وحدها، خلافًا لما يظنّه بعضُ الناس الذين لا يدركون طبيعتها الحقيقية إدراكًا عميقًا. فالهند ليست حالةً استثنائية في هذا الصدد، بل تمثّل ما تشترك فيه جميع الحضارات ذات الأساس التقليدي (Traditional Foundation). أمّا الاستثناء والشذوذ الحقيقيان، فهما من نصيب تلك الحضارات التي تفتقر إلى مثل هذا الأساس — وبالحق، فإنّ الحضارة الوحيدة التي نعرفها وتتميّز بهذا النقص هي الحضارة الغربية الحديثة (Modern Western Civilization). ولنأخذ أهمّ الحضارات الشرقية مثالًا: ففي الصين نجد ما يعادل الميتافيزيقا الهندوسية في الطاوية (Taoism)؛ وفي مواضع أخرى نجدها في بعض المدارس الباطنية في الإسلام (Esoteric Schools of Islam). وينبغي أن يُفهَم هنا أنّ الباطنية الإسلامية (Islamic Esoterism) لا تمتّ بصلة إلى الفلسفة العربية الظاهرة، التي استمدّت معظم عناصرها من الإلهام الإغريقي. [أي إنّ "الباطنية الإسلامية" تشير إلى المعرفة الميتافيزيقية الروحية المتعالية، لا إلى الفلسفة الجدلية التي صاغها الفلاسفة المسلمون المتأثرون باليونان]. والفرق الوحيد هو أنّ هذه التعاليم، في كل مكانٍ ما عدا الهند، بقيت محفوظةً ضمن نخبة محدودة ومنعزلة. وكان هذا هو الحال أيضًا في الغرب إبّان العصور الوسطى (Middle Ages)، حيث وُجد نوعٌ من الباطنية المماثلة في جوانب كثيرةٍ للباطنية الإسلامية، وكانت ميتافيزيقيةً خالصة كذلك؛ غير أنّ أبناء العصر الحديث لا يكادون يشتبهون حتى بوجودها. أما في الهند، فلا يمكن الحديث عن "باطنية (Esoterism)" بالمعنى الدقيق للكلمة، لأنّ التعليم هناك لا ينقسم إلى جانبٍ ظاهريٍّ (Exoteric) وآخر باطنيٍّ (Esoteric). يمكن فقط الحديث عن باطنيةٍ طبيعية، بمعنى أنّ كلّ إنسانٍ يبلغ من أعماق التعاليم بقدر ما تتيح له قدراته العقلية الصافية. فثمة حدودٌ فطريةٌ كامنة في طبيعة بعض الأفراد، لا يستطيعون تجاوزها، مهما سعوا أو اجتهدوا.

من الطبيعي أن تختلف الأشكال([1]) من حضارةٍ إلى أخرى، لأنها يجب أن تتكيّف مع الشروط الخاصة بكل بيئةٍ وثقافة. وعلى الرغم من أنني أكثر إلمامًا بالأشكال الهندوسية (Hindu Forms)، فليس لديّ أيّ حرجٍ في الاستعانة بغيرها متى اقتضت الحاجة، إذا كان ذلك يعين على توضيح بعض النقاط أو تعميق فهمها. ولا مشكلة في هذا، لأنّ تلك الأشكال ليست سوى تعبيراتٍ مختلفة عن حقيقةٍ واحدة (Different Expressions of the Same Thing). ومرةً أخرى أؤكّد: إنّ الحقيقة واحدة، وهي هي لكلّ من أدركها، أيًّا كانت الطريق التي سلكها إليها. [أي إنّ تنوّع الصور والمناهج لا يمسّ وحدة الحقيقة الجوهرية التي تتجلّى بأشكالٍ شتّى بحسب الاستعدادات الثقافية والروحية لكلّ تقليد.]

بعد أن قلنا هذا، ينبغي الآن أن نوضّح ما المقصود حقًّا بكلمة الميتافيزيقا (Metaphysics)، ولا سيّما بعد أن لاحظتُ كثيرًا أنّ الناس لا يفهمونها جميعًا على نحوٍ واحد. وأرى أنّ أفضل سبيلٍ للتعامل مع الألفاظ التي قد تُحدث لبسًا هو أن نُعيد إليها – بقدر الإمكان – معناها الأصلي والجذري من حيث الاشتقاق. فبحسب تركيبها اللغوي، تعني كلمة "ميتافيزيقا" حرفيًا: ما وراء الطبيعة (Beyond Physics)، إذا أخذنا كلمة "فيزيقا (Physics)" بالمعنى الذي كانت تُستعمل فيه عند القدماء، أي "معرفة الطبيعة" (Knowledge of Nature) بأوسع معانيها. فـ"الفيزيقا" هي دراسة كلّ ما يتعلّق بميدان الطبيعة (Nature)، أمّا "الميتافيزيقا" فهي دراسة ما يتجاوز الطبيعة (Lies Beyond Nature). فكيف يمكن إذًا لبعض الناس أن يزعموا أنّ المعرفة الميتافيزيقية (Metaphysical Knowledge) هي معرفة "طبيعية"، سواء من حيث موضوعها أو من حيث القوى التي تُنال بها؟ هنا نقع أمام سوء فهمٍ كامل وتناقضٍ صريح في المصطلحات؛ والأعجب من ذلك أنّ هذا الخلط يوجد حتى عند أولئك الذين يُفترض بهم أن تكون لديهم فكرة صحيحة عن الميتافيزيقا الحقة، وأن يميزوا تمييزًا واضحًا بينها وبين الميتافيزيقا الزائفة (Pseudo-Metaphysics) التي يتحدث بها الفلاسفة المحدثون. [بعبارة أخرى: الميتافيزيقا عند غينون لا تُدرَك بالحواس أو بالعقل الطبيعي الذي يدرس الظواهر، بل بالعقل المحض الذي يتناول المبادئ الأولى؛ ومن هنا فإنّ مساواتها بالمعرفة "الطبيعية" يُعدّ انقلابًا في المعنى.]

قد يُقال — اعتراضًا — إن كانت كلمة الميتافيزيقا تثير هذا القدر من الالتباس، أفلا يكون من الأفضل أن نتخلى عنها ونستبدل بها لفظًا أنسب؟ لكن الواقع أنّ هذا سيُحدث مشكلاتٍ أكبر، لأنّ الكلمة من حيث تركيبها اللغويّ ملائمةٌ تمامًا لما تدلّ عليه، ثم إنّ اللغات الغربية لا تملك، في الحقيقة، لفظًا آخر يعبّر عن هذا المعنى بدقةٍ مماثلة. ولا يمكننا أن نستخدم ببساطة كلمة المعرفة (Knowledge) كما هو الحال في الهند، حيث تُستعمل للدلالة على المعرفة العليا بامتياز (Knowledge par excellence) — أي المعرفة الوحيدة الجديرة حقًّا بهذا الاسم — لأنّ ذلك من شأنه أن يزيد الأمور التباسًا بالنسبة للغربيين، الذين اعتادوا ربط كلمة "معرفة" بكلّ ما هو داخل نطاق العلم والعقل التحليلي فحسب. وعلى أي حال، هل من الضروري أن نُقلق أنفسنا كثيرًا بسبب إساءة استخدام كلمةٍ ما؟ فلو كان علينا أن نرفض كلّ لفظٍ استُعمِل استعمالًا خاطئًا، فكم يبقى من الكلمات التي يمكننا استعمالها؟ أليس كافيًا أن نتخذ الحيطة لتجنّب سوء الفهم والتحريف (Misunderstanding and Misrepresentation)؟ إننا لا نتعلّق بكلمة "الميتافيزيقا" أكثر من غيرها، ولكن — إلى أن يُقترَح لفظٌ أفضل ليحلّ محلّها — سنستمرّ في استعمالها كما كانت تُستعمل من قبل. [ومعنى هذا أنّ غينون لا يرى في المصطلح ذاته مشكلة، بل في سوء استعماله، إذ المهم هو إدراك المضمون الميتافيزيقي الحقيقي لا الشكل اللفظي الذي يُعبَّر به عنه.]

وللأسف، هناك أناسٌ يظنّون أنهم قادرون على الحُكم على ما يجهلونه، فحين يُطلقون اسم الميتافيزيقا على نوعٍ من المعرفة الإنسانية العقلانية البحتة — وهي عندنا ليست إلا علمًا أو فلسفة — يتوهّمون أن الميتافيزيقا الشرقية لا تعدو أن تكون هي ذاتها، ثم يستنتجون من ذلك — منطقيًا في نظرهم — أنها لا يمكن أن تُفضي إلى أيّ نتائج حقيقية متميّزة. لكنها في الواقع تُفضي إلى نتائج حقيقية بالفعل، لا لكونها من نوع المعرفة التي يتصوّرونها، بل لأنها شيء آخر تمامًا. فالصورة التي يتخيّلونها لا تمتّ إلى الميتافيزيقا بصلة، إذ ليست سوى معرفة من مرتبة طبيعية، أي معرفة دنيوية سطحية، وهي ليست البتة موضوع حديثنا هنا. فهل نُساوي إذن بين "الميتافيزيقي" و"الخارق للطبيعة (Supernatural)"؟ نعم، يمكننا قبول هذا التماثل عن طيب خاطر، ما دمنا لم نتجاوز الطبيعة، أي العالم المتجلّي بكل امتداده — وليس فقط العالم المحسوس، فهو لا يمثل سوى جزءٍ ضئيلٍ لا يُذكَر منه — فإننا نظلّ داخل نطاق الفيزيقي. أما ما هو ميتافيزيقي، كما قلنا سابقًا، فهو ما يقع وراء الطبيعة وفوقها، ولذلك فهو، بالمعنى الدقيق، خارقٌ للطبيعة.

غير أنّ اعتراضًا سيُثار حتمًا في هذا الموضع: هل من الممكن، إذن، تجاوز الطبيعة (To go beyond Nature)؟ ونحن لا نتردد في الجواب بوضوح: ليس ذلك ممكنًا فحسب، بل هو أمرٌ يتحقّق بالفعل. لكن سيُقال لنا: "هذه مجرد كلمات، فأيّ براهينٍ يمكنكم أن تقدّموها؟" وهنا الغرابة كلّها: أن يطلب الناس "برهانًا" على إمكان نوعٍ من المعرفة، بدلًا من أن يسعوا هم أنفسهم إلى اختبارها والتحقّق منها عبر السعي العمليّ لاكتسابها. أما الذين يمتلكون تلك المعرفة حقًّا، فماذا يُغريهم بالخوض في مثل هذه الجدالات؟ إنّ استبدال "نظريةٍ في المعرفة" بـالمعرفة ذاتها هو، في الحقيقة، أبلغ اعترافٍ بالعجز يمكن أن تُقدّمه الفلسفة الحديثة([2]). [أي إنّ غينون يرى أن الميتافيزيقا ليست موضوعًا يُبرهَن عليه من الخارج، بل طريقٌ يُسلك ويُتحقّق به من الداخل؛ فالمعرفة الميتافيزيقية لا تُنال بالنقاش الجدلي، بل بالتحوّل الذي يُمكّن الإنسان من تجاوز حدود الطبيعة.]

وفوق ذلك، فإنّ كلّ يقين (Certitude) ينطوي على عنصرٍ لا يُمكن نقله أو التعبير عنه تمامًا. فلا أحد يستطيع أن يبلغ معرفةً حقيقيةً إلا من خلال جهدٍ شخصيٍّ صارم، وكل ما يمكن للمرء أن يفعله من أجل غيره هو أن يهيئ له الفرصة ويُشير إلى الوسائل التي يُمكن بواسطتها بلوغ تلك المعرفة. ولهذا السبب، يكون من العبث محاولة فرض الإيمان أو القناعة في المجال العقليّ الخالص؛ فليس في مقدور أفضل الحجج في العالم أن تحلّ محلّ المعرفة المباشرة والفعّالة (Direct and Effective Knowledge). [أي إنّ غينون يفرّق هنا بين الإيمان المجرّد الذي يُلقَّن من الخارج، والمعرفة الميتافيزيقية التي تُدرَك من الداخل عبر التجربة العقلية والروحية؛ فالحقيقة تُدرَك ولا تُلقَّن.]

فهل يمكن، إذن، تعريف الميتافيزيقا كما نفهمها نحن؟ كلاّ، لأنّ التعريف (To define) يعني دومًا التحديد (to limit)، وما نحن بصدده هو في ذاته غير محدودٍ حقًّا ومطلقًا (Truly and absolutely limitless)، ومن ثمّ لا يمكن حصره في أيّ صيغةٍ أو نظامٍ أيًّا كان. يمكن، مع ذلك، توصيف الميتافيزيقا جزئيًا بالقول: إنها معرفة بالمبادئ الكونية([3])؛ لكن هذا ليس تعريفًا بالمعنى الدقيق، بل مجرد إشارةٍ تقريبية تنقل فكرةً عامة إلى حدٍّ ما. ويمكن توضيح المعنى أكثر بالقول إنّ نطاق هذه المبادئ أوسع بكثير مما تصوّره بعض الغربيين الذين درسوا الميتافيزيقا دراسةً جزئيةً وناقصة. فعلى سبيل المثال، عندما اعتبر أرسطو الميتافيزيقا معرفةً بـ"الوجود من حيث هو وجود([4])"، فإنه حصرها في علم الوجود (Ontology)، أي إنه أخذ الجزء عوضًا عن الكلّ. أمّا في الميتافيزيقا الشرقية، فإنّ الوجود المحض (Pure Being) ليس أوّل المبادئ ولا أشملها، لأنه يُعَدُّ تحديدًا (Determination) بالفعل. لذا يجب تجاوز الوجود نفسه، وهذا هو ما يشكّل جوهر الميتافيزيقا العليا. ولهذا السبب، ينبغي في كلّ تصورٍ ميتافيزيقيٍّ حقيقي أن يُؤخذ في الحسبان دائمًا "ما لا يُمكن التعبير عنه([5])"؛ فكما أنّ كلّ ما يمكن التعبير عنه ليس شيئًا بالقياس إلى ما يتجاوز التعبير، كذلك فإنّ المحدود — مهما عظُم — هو لا شيء أمام اللانهائي (The Infinite). فالإنسان يستطيع أن يُلمِّح أكثر مما يستطيع أن يُعبّر، وهنا بالضبط تكمن وظيفة الأشكال الخارجية؛ فكلّ هذه الأشكال — سواء كانت كلماتٍ أو رموزًاليست سوى دعاماتٍ أو سلالم (Supports, footholds) يرتقي بها الفكر نحو إمكانياتٍ تصوريةٍ تتجاوزها بلا قياس. وسنعود إلى هذه النقطة لاحقًا. [أي إنّ الميتافيزيقا لا تُعرَّف لأنها تتناول ما هو غير متناهٍ، يتجاوز حدود المفهوم واللغة. وكلّ ما يُقال عنها لا يزيد عن إشارات رمزية تُعين الذهن على التوجّه نحو اللانهائي الذي لا يُدرَك بالتصوّر بل بالحضور العقليّ المحض.]

نحن نتحدث عن التصوّرات الميتافيزيقية لعدم وجود لفظٍ آخر نُعبِّر به عن مقصودنا، غير أنّ هذا لا يعني بحال أنّ المقصود هنا شيءٌ يُشبه التصوّرات العلمية أو الفلسفية. فالمسألة ليست في إحداث نوعٍ من التجرّد الذهني (abstraction) كما يفعل الفكر الفلسفي، بل في بلوغ معرفة مباشرة بالواقع كما هو في ذاته. إنّ العلم (science) معرفةٌ عقلانية استدلالية، أي أنها معرفة انعكاسية غير مباشرة؛ فهي معرفة تتحقق عن طريق التفكير والنظر المنطقي. أما الميتافيزيقا، فهي معرفة فوق عقلية (supra-rationalحدسية (intuitiveمباشرة لا توسّط فيها. ثم يضيف غينون أن الحدس العقلي الخالص، وهو ما لا قيام للميتافيزيقا بدونه، لا يمتّ بصلة إلى ما يسميه بعض الفلاسفة المعاصرين حدسًا — لأنّ حدسهم هذا في الحقيقة تحت-عقلي (infra-rational) لا فوق-عقلي. وهناك نوعان من الحدس: أحدهما عقليّ (intellectual intuition)، وهو أرفع من العقل وأسمى منه. والآخر حسّي (sensible intuition)، وهو دون العقل وخاضع له. فالحدس الحسّي لا يستطيع أن يعرف إلا عالم التغيّر والصيرورة، أي عالم الطبيعة، بل حتى جزءًا صغيرًا منها فقط. أما الحدس العقلي، فعالمه هو مملكة المبادئ الأبدية الثابتة — أي المجال الميتافيزيقي ذاته.

لكي تُدرك المبادئ الكلية إدراكًا مباشرًا، لا بُدّ أن يكون العقل المتعالي (transcendent intellect) نفسه ذا طابع كونيّ، إذ لم يَعُد في هذه المرتبة قوّة فردية. بل إنّ اعتباره كذلك يُفضي إلى تناقض، لأنّ الفرد لا يملك من طاقته الخاصة ما يُمكّنه من تجاوز حدوده أو الخروج من الشروط التي تُقيّده ككائنٍ فرديّ. إنّ العقل (reason) هو على وجه التحديد قوّة بشرية خالصة، أما ما يتجاوز العقل فهو في الحقيقة "لا إنسانيّ" (nonhuman)، وهو ما يجعل المعرفة الميتافيزيقية ممكنة. وهذه المعرفة، يجب التأكيد مرة أخرى، ليست معرفة بشرية. بعبارة أخرى: ليس بصفته إنسانًا يُدرِك الإنسانُ هذه المعرفة، بل بصفته ذلك الكائن الذي يكون إنسانيًا من وجهٍ، وفي الوقت نفسه شيئًا آخر، أسمى من الإنسان. وإنَّ تحقُّق الوعي الفعلي بالحالات/المراتب التي تتجاوز حدود الفرد هو الغاية الحقيقية للميتافيزيقا، أو بالأحرى هو بعينه جوهر المعرفة الميتافيزيقية نفسها. ومن هنا نصل إلى واحدة من النقاط الجوهرية التي ينبغي التشديد عليها: لو كان الفرد كائنًا تامًّا مكتفيًا بذاته، لو كان يشكّل نسقًا مغلقًا على غرار المونادة (monad) عند لايبنتز (Leibniz)، لما كانت الميتافيزيقا ممكنة أبدًا. فالكائن المنغلق على ذاته إغلاقًا تامًّا لن تكون لديه وسيلة لبلوغ وعيٍ بما هو خارج نظام وجوده الخاص. لكنّ الأمر ليس كذلك في الحقيقة: إنّ الفرد ليس سوى تجلٍّ عابرٍ وعارضٍ من تجلّيات الكائن الحقّ؛ ليس إلا حالةً/مرتبة مخصوصةً واحدة من بين عددٍ لا متناهٍ من الحالات/المراتب التي تخصّ الكائن نفسه. وهذا الكائن في ذاته مستقلٌّ استقلالًا مطلقًا عن جميع مظاهره، كما أنّ الشمس مستقلة استقلالًا تامًّا عن الصور الكثيرة التي تُرى فيها انعكاساتها — وهو مثالٌ مألوف في النصوص الهندوسية. وهنا يظهر التمييز الجوهري بين الذات العليا (Self) والأنا الفردية (ego)، بين الشخصية (personality) والفردية (individuality). وكما أنّ الصور المنعكسة تتصل بالشمس بواسطة أشعتها النورانية التي لولاها ما كانت لتوجد أو تكون لها حقيقة، كذلك فإنّ الفردية — سواء في الإنسان أو في أي حالة/مرتبة وجودية مماثلة — ترتبط بالشخصية، أي بالمركز الأصلي للكينونة (principial center of being)، من خلال العقل المتعالي الذي تحدّثنا عنه. وفي حدود هذا العرض الموجز، يستحيل التوسّع في مثل هذه التأملات أو تقديم صورة أدقّ لما يُعرف بـ"نظرية تعدّد حالات/مراتب الكائن" (theory of the multiple states of being)، غير أنّ ما قيل يكفي، في الأقل، لإيضاح الأهمية القصوى لأيّ عقيدة ميتافيزيقية حقة.

وإن كنت قد استعملتُ كلمة "نظريّة (theory)"، فليس المقصود هنا مجرّد النظر العقلي، وهذه نقطة أخرى تحتاج إلى توضيح. فالمعرفة النظرية، التي لا تزال معرفةً غير مباشرة ورمزيةً على نحوٍ ما، ليست سوى تهيئةٍ ضرورية للمعرفة الحقيقية. وهي، مع ذلك، النوع الوحيد من المعرفة القابل للنقل والتواصل، ولهذا فإنَّ كلَّ عرضٍ تعليميٍّ ليس إلا وسيلةً للاقتراب من المعرفة، تلك التي تكون في البدء مجرّد قوّةٍ كامنة (virtually) يجب أن تتحقّق لاحقًا بصورةٍ فعليّة ووجودية. وهنا نجد فرقًا آخر بين الميتافيزيقا بهذا المعنى الكلّي، وبين الميتافيزيقا المحدودة التي أشرنا إليها آنفًا — كميتافيزيقا أرسطو مثلًا — التي تبقى قاصرةً من الناحية النظرية لأنها تقف عند مستوى الكينونة/الوجود (Being)، كما أن النظرية فيها تُقدَّم وكأنها مكتفيةٌ بذاتها، من غير أن ترتبط صراحةً بتحقّقٍ وجوديٍّ موافقٍ لها، كما هو الحال في جميع التعاليم الشرقية. ومع ذلك، حتى في هذه الميتافيزيقا الناقصة — التي يمكن أن نسمّيها "نصفَ ميتافيزيقا (demi-metaphysics)" — نجد أحيانًا عباراتٍ لو أُدرك معناها على وجهه الصحيح لأدّت إلى نتائج مختلفة تمامًا. ألم يقل أرسطو بنفسه إنَّ "الكائن هو كلُّ ما يعرفهإنّ هذا التقرير عن الاتحاد بالمعرفة هو بعينه المبدأ الأساس للتحقّق الميتافيزيقي؛ غير أنّ هذا المبدأ ظلَّ معزولًا، لا يتجاوز مستوى القول النظري الخالص، ففقد فاعليته، وكأنّه ما إن وُضع حتى لم يُفكَّر فيه بعد ذلك. فكيف لم ينتبه أرسطو وأتباعه إلى كل ما يتضمّنه هذا القول؟ ولعلّ الأمر كذلك في حالاتٍ أخرى كثيرة، حيث نراهم قد أهملوا تمييزاتٍ أساسية، كالفَرق بين العقل الخالص (pure intellect) والعقل المنطقي أو البرهاني (reason)، رغم أنهم قد حدّدوها بوضوحٍ من قبل. ومثل هذه الغفلات غريبةٌ حقًا. فهل ينبغي أن نردّها إلى حدودٍ فطريةٍ كامنةٍ في الذهنية الغربية نفسها — مع التسليم بوجود استثناءات نادرة؟ قد يكون في ذلك شيءٌ من الصواب، لكن لا يلزم الاعتقاد بأن العقل الغربي كان دائمًا محدودًا تضييقًا كما هو في العصر الحديث. ومهما يكن، فإن تلك التعاليم القديمة تبقى خارجية الشكل، وإن كانت أرقى من سواها، لأنها — رغم كل شيء — تحتوي على جزءٍ من الميتافيزيقا الحقيقية، وإن كان ذلك دائمًا ممتزجًا بعناصر من نظامٍ آخر لا يمتّ إلى الميتافيزيقا بصلة. ونحن على يقينٍ بأن الغرب في العصور القديمة والوسطى كان يملك ما هو أعمق من هذا بكثير، وأن النخبة فيه كانت تمتلك تعاليم ذات طبيعةٍ ميتافيزيقيةٍ خالصة يمكن وصفها بأنها كاملة، تشتمل على ذلك التحقّق الوجوديّ الذي بات بالنسبة لمعظم المحدثين أمرًا لا يكاد يُتصوَّر. وإنّما نُسيت هذه التعاليم تمامًا لأن الغرب قطع صلته بتقليده الروحيّ الخاص، ولهذا صارت الحضارة الحديثة حضارةً شاذةً ومنحرفة عن المعيار الطبيعي للوجود الإنساني.

ولو كانت المعرفة النظرية الخالصة غايةً في ذاتها، ولو أنّ الميتافيزيقا لم تتجاوز هذا الحد، لكان لها — بلا شك — قدرٌ من القيمة، لكنها ستكون قيمةً ناقصةً تمامًا وغير كافية. فمع أنّها تمنح نوعًا من اليقين الحقيقي، يفوق في صلابته اليقين الرياضي ذاته، إلا أنها ستظلّ شبيهةً — في مرتبتها الأدنى — بذلك اليقين الذي تقوم عليه التأملات الأرضية والإنسانية في مجالي العلم والفلسفة، وإن كانت على مستوى أرفع بما لا يُقاس. غير أنّ هذا ليس هو المقصود بالميتافيزيقا. فليدع غيرُنا أنفسهم ينشغلون بما يُسمّى "رياضةً ذهنيةً (mental sport)" أو بما يُشبهها من ألعاب الفكر؛ فذلك شأنهم. أمّا بالنسبة إلينا، فمثل هذه الأمور لا تُثير أيّ اهتمام، بل نرى فوق ذلك أنّ الفضول السيكولوجي لا مكان له البتّة عند الميتافيزيقيّ (metaphysician). إذ إنّ ما يعني هذا الأخير حقًّا هو أن يعرف ما هو موجود (to know what isوأن يعرفه على نحوٍ يجعله يصير في الحقيقة كُلّ ما يعرفهأي أن تتحوّل المعرفة عنده إلى تحقّقٍ وجوديٍّ فعليٍّ بالمعروف نفسه.

فيما يخص وسائل التحقّق الميتافيزيقي، فنحن ندرك جيّدًا طبيعة الاعتراضات التي قد يُثيرها أولئك الذين يرون من واجبهم إنكار إمكان مثل هذا التحقّق. إنّ هذه الوسائل — حقًّا — يجب أن تكون في متناول الإنسان؛ أي ينبغي، في المراحل الأولى على الأقل، أن تكون مكيّفةً مع شروط الحالة الإنسانية، لأنّ هذه هي الحالة التي يجد الكائن نفسه فيها فعليًّا، وهي المنطلق الذي ينبغي أن ينتقل منه إلى تملّك الحالات/المراتب العليا للوجود. ولهذا، فإنّ الكائن يستعين — في بداية سلوكه — بأشكالٍ تنتمي إلى العالم الذي تتجلّى فيه حالته الراهنة، ويجعل منها دعاماتٍ (supports) يرتقي بها فوق هذا العالم نفسه. والكلمات، والعلامات الرمزية، والشعائر، والمناهج التمهيدية بمختلف أنواعها، ليس لها أيّ سببٍ للوجود ولا وظيفة سوى هذا الغرض؛ فهي — كما قلنا سابقًا — وسائط أو ركائز لا غير. ولكن قد يُقال: كيف يمكن لوسائل عرضية، أو طارئة، أن تُنتج آثارًا تفوقها إلى حدٍّ لا يُقاس، وتنتمي إلى نظامٍ مختلف تمامًا عن النظام الذي تنتمي هي إليه؟ نُجيب أولًا بأنّ هذه الوسائل — في الحقيقة — مجرد وسائل عرضية، وأنّ النتائج التي تُسهم في بلوغها لا تتحقّق بها هي نفسها، بل وظيفتها أن تضع الكائن في الحالة الذهنية والوجودية الملائمة التي تُيسّر له بلوغ تلك النتائج، لا أكثر. ولو كان هذا الاعتراض صحيحًا في هذا السياق، لكان صحيحًا أيضًا في شأن الشعائر الدينية والطقوس المقدسة (religious rites)، مثل الأسرار الكنسية (sacraments) مثلًا، حيث نجد التفاوت بين الوسيلة والغاية في أشدَّ عدم تناسبٍ. وربما لم يتأمّل أولئك الذين يثيرون هذه الاعتراضات هذا الجانب بما يكفي. أمّا نحن، فلا نخلط بين الوسيلة (means) والعلّة (cause) بالمعنى الحقيقي للكلمة، كما لا نرى في التحقّق الميتافيزيقي (metaphysical realization) أثرًا ناتجًا عن أيّ شيءٍ آخر؛ لأنه ليس خلقًا لشيءٍ لم يكن موجودًا من قبل، بل هو انكشاف الوعي بما هو كائنٌ أصلًاكائنٌ دائمٌ وثابتٌ بلا تغيّرخارج كلّ توالٍ أو تعاقبٍ زمنيٍّ أو غير زمنيّ، إذ إنّ جميع حالات/مراتب الكائن (states of being)، حين يُنظر في أصلها المبدئيّ، توجد في آنٍ واحدٍ تامٍّ داخل الحاضر الأبديّ (the eternal present).

وهكذا، لا نجد أيّ صعوبة في الإقرار بأنه لا توجد نسبة مشتركة بين التحقّق الميتافيزيقي وبين الوسائل المؤدّية إليه — أو إن شئنا الدقّة، الوسائل الممهّدة والمهيّئة له. ومن ثمّ، فليس أيٌّ من هذه الوسائل ضروريًّا ضرورةً مطلقة أو تامّة؛ بل إنّ التهيئة الوحيدة التي لا غنى عنها حقًّا هي المعرفة النظرية (theoretical knowledge). ومع ذلك، فهذه المعرفة نفسها لا يمكن أن تبلغ مدى بعيدًا دون وسيلةٍ أخرى يجب أن تُعدّ ذات الدور الأهمّ والأكثر ثباتًا، وهذه الوسيلة هي التركيز (concentration) — ذلك الأمر الغريب كلّ الغرابة عن العادات الذهنية للغرب الحديث، بل المناقض لها تمامًا، حيث تتّجه كلّ الأمور نحو التشتّت (dispersion) والتغيّر الدائم (incessant change). وكلّ الوسائل الأخرى إنما هي ثانوية بالنسبة إلى هذه الوسيلة الجوهرية؛ فوظيفتها قبل كلّ شيء تهيئة التركيز وتعزيزه، وتناغم العناصر المتعدّدة للشخصية الإنسانية، وذلك لتيسير الاتصال الفعّال بين هذه الفردية وبين المراتب العليا من الوجود.

منذ البداية ذاتها، يمكن لهذه الوسائل أن تتنوّع تنوّعًا يكاد يكون غير محدود، لأنها يجب أن تتلاءم مع طبع كلّ فرد ومع قابلياته واستعداداته الخاصة. ثمّ إنّ هذه الفوارق تتضاءل شيئًا فشيئًا، إذ يكون الأمر أشبه بـ"طرقٍ متعددة تؤدّي كلّها إلى غاية واحدة". وعند بلوغ مرحلةٍ معينة، تختفي الكثرة كلّها؛ لكن عند تلك المرحلة تكون الوسائل الفردية والعارضة قد أدّت دورها كاملاً. وهذا الدور — الذي لا حاجة إلى الإطالة في شرحه — يُشبَّه في بعض الكتابات الهندوسية بـ"فرسٍ يُعين الإنسان على بلوغ نهاية رحلته بسرعةٍ ويسرٍ أكبر، لكنه مع ذلك يستطيع أن يبلغها حتى من دونه". إنّ الطقوس/الشعائر والطرائق المختلفة تُشير إلى الطريق المؤدّي إلى التحقّق الميتافيزيقي (metaphysical realization)، ومع ذلك يمكن للإنسان أن يتجاوزها، وأن يوجّه ذهنه وجميع قواه توجيهًا لا يحيد عن غاية هذا التحقّق، فيبلغ في النهاية الهدف الأسمى. ولكن، إن وُجدت وسائل تجعل الجهد أقلّ مشقّة، فلماذا نختار إهمالها؟ أَوَيُعَدّ خلطًا بين العارض والمطلق أن نأخذ في الاعتبار شروط حالتنا/مرتبتنا الإنسانية، ما دمنا — انطلاقًا من هذه الحالة/المرتبة ذاتها، وهي حالة عارضة — مضطرّين أن نشرع منها في سعيِنا نحو المراتب العليا، وصولًا إلى الحالة القصوى المطلقة اللامشروطة؟

بعد أن تناولنا التعاليم المشتركة بين جميع المدارس التقليدية، فلننتقل الآن إلى المراحل الأساسية للتحقّق الميتافيزيقي. المرحلة الأولى — وهي إلى حدٍّ ما تمهيدية فقط (preliminary) — تجري ضمن النطاق الإنساني ولا تتجاوز حدود الفردية (individuality). وتتمثّل في توسيعٍ غير محدود لتلك الفردية التي لا تمثّل فيها الهيئة الجسدية — وهي الهيئة الوحيدة المتطوّرة عند الإنسان العادي — سوى الجزء الأصغر. في الواقع، يجب البدء من الهيئة الجسدية، ولهذا يُستخدم في البداية وسائل مستعارة من النظام المحسوس، وهي وسائل يجب أن تُحدث تأثيرات ارتدادية في سائر أنماط الكيان الإنساني الأخرى. وباختصار، فإنّ هذه المرحلة تتعلّق بتحقيق أو تطوير جميع الإمكانات الكامنة التي تحتويها الفردية الإنسانية بالقوة، فتُنشئ امتدادات متعددة تتجه في اتجاهات شتّى متجاوزةً العالم الجسدي والمحسوس. ومن خلال هذه الامتدادات يصبح من الممكن إقامة تواصل مع المراتب الوجودية الأخرى.

يُوصَف هذا التحقّق للفردية الكاملة في جميع التراثات التقليدية (traditions) بأنه استعادةٌ للحالة الأصلية أو البدئية، وهي الحالة التي تُعدّ حالة الإنسان الحقيقي، والتي تتجاوز بالفعل بعض القيود الملازمة للحالة العادية، ولا سيما تلك الناجمة عن الشرط الزمني. فالكيان الذي يبلغ الحالة الأصلية يظلّ مع ذلك فردًا إنسانيًا، من غير أن يمتلك فعليًا أيًّا من المراتب المتجاوزة للفردية. ومع ذلك، فهو يصبح متحرّرًا من الزمن، إذ تتحوّل لديه التعاقبية الظاهرة للأشياء إلى تزامنٍ شامل؛ ويصبح في وعيٍ فعليّ بقدرةٍ جديدة لا يعرفها الإنسان العادي، يمكن أن تُسمّى "حسّ الأبدية" (sense of eternity). وهذه النقطة بالغة الأهمية، لأنّ مَن لا يستطيع أن يتجاوز منظور التعاقب الزمني ويرى الأشياء في هيئةٍ تزامنيةٍ واحدة، يعجز عن إدراك أدنى تصوّرٍ للنظام الميتافيزيقي. فالخطوة الأولى لكل من يسعى إلى الفهم الميتافيزيقي الحقّ هي أن يخرج من الزمن (step outside time) — أو بعبارةٍ أكثر دقّة، أن يدخل في "اللازمن" (non-time)، وإن كان هذا التعبير يبدو غريبًا أو غير مألوف. أما المعرفة باللامؤقّت أو اللازمني، فيمكن أن تُنال بقدرٍ واقعيٍّ نسبيٍّ — وإن لم تكن كاملة — حتى قبل بلوغ كمال الحالة الأصلية التي أشرنا إليها.

لعلّ سائلًا يتساءل: ولماذا أُطلقت على هذه الحالة تسمية "الحالة البدئية" أو "الأولية"؟ ذلك لأنّ جميع التراثات التقليدية — بما فيها التراث الغربي، إذ إنّ الكتاب المقدس نفسه لا يقول بخلاف ذلك — تتفق على أنّ هذه كانت في الأصل الحالة الطبيعية للإنسانية، بينما الحالة الراهنة ليست إلا نتيجة انحطاطٍ (decline)، ناجمة عن نوعٍ من التمادي في التمادية المادية جرى عبر العصور وفي مسار دورة كونية معينة. ونحن لا نؤمن بما يسميه المحدثون "التطور" (evolution) بالمعنى الذي أعطوه لهذه الكلمة؛ إذ إنّ الفرضيات العلمية المزعومة التي ابتكروها لا تتطابق في شيء مع الواقع الحقيقي. ومهما يكن، فليس ممكنًا هنا سوى الإشارة الموجزة إلى نظرية الدورات الكونية([6])، وهي النظرية التي تُعرض بوجهٍ خاص في التعاليم الهندوسية؛ لأنّ الدخول في تفصيلها سيقودنا إلى ما هو خارج نطاق موضوعنا الحالي، إذ إنّ الكوزمولوجيا (cosmology) ليست ميتافيزيقا، وإن كانت مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا. فالكوزمولوجيا ليست أكثر من تطبيقٍ للميتافيزيقا على النظام الفيزيائي، في حين أنّ القوانين الطبيعية الحقيقية ليست سوى نتائج - في مجالٍ نسبيٍّ وطارئ - للمبادئ الكلية والضرورية.

لكن لنعُد إلى التحقق الميتافيزيقي. إنّ مرحلته الثانية تُقابل المراتب المتجاوزة للفرد، وهي مراتب ما تزال مشروطة، غير أنّ شروطها تختلف كليًّا عن شروط الحالة الإنسانية. في هذا المقام، يكون العالَم الإنساني الذي بقينا فيه في المراحل السابقة قد تُرك كليًّا ونهائيًّا. ويجب أن نضيف أيضًا أنّ ما تم تجاوزه هو عالم الصور بمعناه الأعمّ، أي بما يضمّه من جميع الحالات الفردية الممكنة، إذ إنّ الصورة (form) هي الشرط المشترك بين جميع تلك الحالات، وهي التي تُعرّف الفردية بوصفها كذلك. أمّا الكائن الذي لم يَعُد يمكن وصفه بالإنسان، فقد صار من الآن فصاعدًا حرًّا من "تيّار الصور" — وهو تعبير مأخوذ من التعاليم الشرق الأقصى. ثمّ إنّ علينا أن نُميّز تمييزاتٍ إضافية، إذ إنّ هذه المرحلة يمكن أن تُقسَّم إلى مراحل فرعية؛ فهي في حقيقتها تشتمل على عدّة درجات، تبدأ من اكتساب الحالات اللامُشكّلة التي ما تزال تنتمي إلى الوجود المتجلّي، وصولًا إلى مرتبة الكلية، وهي مرتبة الكينونة الخالصة.

ومع ذلك، فعلى سموّ هذه الحالات بالمقارنة مع الحالة الإنسانية، وعلى بُعدها عنها، فإنّها تبقى حالات نسبية، حتى أرفعها، تلك التي تُقابل مبدأ كلّ تجلٍّ وظهور. ومن ثَمّ فإنّ امتلاكها لا يُعدّ إلا نتيجة عابرة، لا ينبغي الخلط بينها وبين الغاية القصوى للتحقق الميتافيزيقي، إذ إنّ تلك الغاية تتجاوز الكينونة ذاتها، وكلّ ما سواها ليس إلا مسيرًا وتمهيدًا نحوها. وهذه الغاية العليا هي الحالة المطلقة اللامشروطة، المتحرّرة من كلّ قيد أو تحديد. ولهذا السبب عينه، فهي لا يمكن التعبير عنها إطلاقًا، وكلّ ما يمكن أن يُقال عنها يجب أن يُصاغ في صورة سلب — أي نفي جميع الحدود التي تُحدّد وتُعرّف الوجود كلّه في نسبيّته. وإنّ بلوغ هذه الحالة هو ما تُسمّيه التعاليم الهندوسية بـ«التحرّر» (Deliverance) إذا نُظر إليها من جهة الحالات المشروطة، وبـ «الاتحاد» (Union) إذا أُخذت من جهة العلاقة بالمبدأ الأعلى.

وعلاوة على ذلك، فإنّ سائر حالات الكائن يمكن، من حيث المبدأ، أن تُوجَد ضمن هذه الحالة اللامشروطة، ولكن في صورة متحوّلة ومتحرّرة من الشروط الخاصة التي كانت تُقيّدها وتُعرِّفها كحالات مخصوصة. وما يبقى ويستمرّ فيها هو كلّ ما له حقيقة إيجابية، إذ في هذه الحالة تكمن أصول جميع الموجودات (their principle)؛ فـالكائن المتحرّر يمتلك حقًّا كمال طاقاته الكامنة. أما ما يختفي ويزول فليس إلا القيود المحدِّدة، التي ليست لها حقيقة وجودية إلا بوصفها حرمانًا أو نقصًا (privation) — على نحو ما يعبّر عنه أرسطو. ومن ثَمّ، فإنّ هذه الحالة النهائية ليست فناءً أو انعدامًا كما يتوهّم بعض الغربيين، بل هي الامتلاء المطلق (absolute plenitude)، والواقع الأعلى الذي يبدو كلّ ما عداه بالنسبة إليه محضَ وَهمٍ وسرابٍ.

ونضيف كذلك أنّ كلَّ ثمرةٍ أو نتيجةٍ — ولو كانت جزئية — يحرزها الكائن في مسار التحقّق الميتافيزيقي، تُكتسب اكتسابًا نهائيًا ودائمًا؛ فهي بالنسبة إلى ذلك الكائن اقتناءٌ ثابت لا يمكن أن يُنتزع منه أبدًا، لأنّ العمل المنجز في هذا المجال، وإن انقطع قبل تمامه، فإنه يُنجز من حيث المبدأ إنجازًا نهائيًا لكونه خارجًا عن الزمن. وهذا صادقٌ حتى على المعرفة النظرية المجرّدة، إذ إنّ كل معرفةٍ تحمل نفعها في ذاتها، بخلاف الفعل (action) الذي ليس سوى تبدّلٍ لحظيٍّ في الكائن، وهو دائمًا مفصول عن نتائجه. وفضلاً عن ذلك، فإنّ آثار الأفعال تظلّ في المجال نفسه وضمن مرتبة الوجود التي صدرت عنها؛ فلا يمكن للفعل أن يحرّر من الفعل، كما لا يمكن لنتائجه أن تتجاوز حدود الفردية، حتى حين تُؤخذ هذه الفردية في أوسع امتداد ممكن لها. ذلك لأنّ الفعل، أيًّا كان نوعه، لا يُناقض الجهل الذي هو جذرُ كلِّ تقييدٍ وحدٍّ، ومن ثَمّ لا يمكنه أن يبدّده؛ فالمعرفة وحدها هي التي تُبدّد الجهل كما يُبدّد النورُ الظلَّ — وعند هذه النقطة ينكشف “الذات”، أي المبدأ الثابت والأزلي لجميع الحالات، المظهَرة وغير المظهَرة، في حقيقته العليا المطلقة.

بعد هذا العرض الموجز والناقص جدًا، الذي لا يمنح سوى أضعف تصور عمّا قد تكون عليه التحقّقات الميتافيزيقية، من الضروريّ للغاية التأكيد على نقطة أساسية لتجنّب أخطاء جسيمة في الفهم: ليس لما أُشير إليه هنا أيّ صلةٍ من أيّ نوعٍ بالظواهر (phenomena)، مهما بلغت غرابتها أو استثناؤها. فجميع الظواهر تنتمي إلى النظام الفيزيائي، بينما الميتافيزيقا تتجاوز الظواهر وتتخطّاها، حتى لو أُخذت الكلمة بأوسع معانيها. ومن النتائج المترتبة على ذلك أنّ الحالات التي نتحدث عنها ليست بأي وجهٍ نفسية؛ وينبغي التصريح بذلك بوضوح، لأنّ التباساتٍ عجيبةً تنشأ أحيانًا في هذا السياق. فـعلم النفس، بحسب تعريفه، لا يمكن أن يتناول إلاّ الحالات الإنسانية، وحتى ضمن هذا النطاق فإنه – كما يُفهم اليوم – لا يبلغ إلا جزءًا ضئيلًا من الطاقات الكامنة في الفرد، وهي أوسع بما لا يُقاس مما يتصوّره المشتغلون بهذا العلم. والواقع أنّ الإنسان الفردي هو أكثر بكثيرٍ وأقلّ بكثيرٍ مما يُظنّ عادةً في الغرب: أكثر، من حيث ما يملك من إمكانات امتدادٍ غير محدودة تتجاوز النمط الجسدي الذي تُحصر فيه معظم الدراسات؛ وأقلّ، لأنّه بعيدٌ عن أن يكون كائنًا تامًّا مكتفيًا بذاته، بل ليس سوى مظهرٍ خارجيٍّ عابرٍ يتخذه الكائن الحقيقيّ مؤقتًا، من غير أن يمسّ ذلك شيئًا من جوهره الثابت غير المتغيّر.

يجب التأكيد على أنّ المجال الميتافيزيقي يقع بأسره خارج العالم الظاهري أو المحسوس (phenomenal world)؛ إذ إنّ الإنسان الحديث، بسبب عاداته الفكرية، نادرًا ما يعترف بوجود ما يتجاوز الظواهر أو يسعى إلى دراسته، إذ تتركّز اهتماماته كلّها تقريبًا في نطاقها، كما تشهد على ذلك العناية المفرطة بالعلوم التجريبية (experimental sciences). ومن هذا الميل نفسه نشأ عجزُه الفطريّ عن الفهم الميتافيزيقيّ. ومع ذلك، قد يحدث أحيانًا أن تظهر ظواهر معيّنة خلال مسار التحقّق الميتافيزيقي، غير أنّ ظهورها يكون عرضيًا تمامًا. وهي في الحقيقة نتيجة مؤسفة، لأنّ مثل هذه الحوادث لا تُعدّ إلاّ عائقًا (impediment) لمن قد يُغريهم أن يُعلوا من شأنها أو يعلّقوا عليها أهمية. فأولئك الذين يسمحون لأنفسهم بأن تتوقّف أو تنحرف مسيرتهم بسبب الظواهر، وخاصة الذين ينصرفون إلى طلب القوى الخارقة أو القدرات غير العادية، ليس لهم – في الغالب – أيّ أملٍ في أن يتقدّموا في طريق التحقّق إلى ما هو أبعد من المرحلة التي بلغوها قبل أن يقع هذا الانحراف (deviation).

هذه الملاحظة تُفضي بنا بطبيعتها إلى تصحيح بعض التأويلات الخاطئة المرتبطة بمفهوم اليوغا (Yoga). أليس قد زُعم أنّ ما يقصده الهنود بهذه الكلمة هو تطوير قوى خفية كامنة في الإنسان؟ إنّ ما قيل آنفًا كافٍ لإظهار بطلان مثل هذا التعريف، ووجوب رفضه. في الحقيقة، إنّ كلمة يوغا هي عينها التي ترجمناها من قبل بالمعنى الحرفي الأقرب، أي الاتحاد (Union)؛ ومن ثَمّ، فإنّها تُشير في أصل معناها إلى الغاية القصوى للتحقق الميتافيزيقي. واليوغي (yogī)، بالمعنى الأدقّ للكلمة، هو فقط ذلك الذي يبلغ هذه الغاية. ومع ذلك، يصحّ أنّ اللفظ نفسه قد يُستعمل – بالامتداد – للدلالة على مراحل تمهيدية تسبق الاتحاد، أو حتى على الأساليب الأولية، وكذلك على الكائن الذي بلغ المراتب الموافقة لتلك المراحل أو الذي يستخدم تلك الممارسات في سبيل بلوغها. لكن كيف يمكن القول إنّ كلمةً أصل معناها الاتحاد (Union) تدلّ في استعمالها الصحيح والأولي على تمارين التنفّس أو الممارسات الجسدية المشابهة؟ إنّ هذه التمارين، وسواها ممّا يقوم في الغالب على ما يمكن تسميته علم الإيقاع (science of rhythmتدخل فعلاً ضمن الوسائل الشائعة التي تساعد على التحقق، لكن يجب ألاّ يُخطأ باعتبار الوسيلة العرضية غايةً في ذاتها، ولا الخلط بين المعنى الأصلي للكلمة وبين دلالاتها الثانوية المنحرفة.

حين نُشير إلى اليوغا الأصلية، ونقول إنّ هذه الكلمة احتفظت دائمًا بجوهر معناها، قد يُثار سؤال لم نتعرض له بعد، وهو: ما أصل هذه التعاليم الميتافيزيقية التقليدية التي استقينا منها أفكارنا الأساسية؟ الجواب بسيط، وإن كان يثير اعتراضًا عند أولئك الذين يودّون النظر إلى كلّ شيء من زاوية التاريخ: إنّ هذه التعاليم ليس لها أصل — أي لا أصل بشريّ يمكن تحديده في الزمان. بعبارة أخرى، فإنّ أصل التقليد (tradition)، إن جاز أصلًا استعمال كلمة "أصل" هنا، هو غير بشريّ (non-human) تمامًا، شأنه شأن الميتافيزيقا نفسها. فهذه العقائد لم تظهر في لحظة معيّنة من تاريخ البشرية، بل إنّ الإشارة إلى الحالة الأولى أو البدئية، وما قيل عن الطبيعة اللازمنية لكل ما يتصل بالميتافيزيقا، كافيان لتوضيح هذه النقطة، بشرط أن نسلّم — خلافًا للأحكام المسبقة الحديثة — بأنّ هناك أمورًا لا يخضع لها المنظور التاريخي ولا يَسري عليها. إنّ الحقَّ الميتافيزيقي أبدي، وبسبب هذه الأبديّة وُجد دائمًا كائنات قادرة على إدراكه إدراكًا حقيقيًا وكاملًا. وما يتبدّل إنما هو الصور الخارجية والوسائل العارضة فحسب، لا الجوهر. وليس هذا التبدّل نوعًا من التطور (evolution) كما يفهمه المحدثون، بل هو تكيف (adaptation) مع ظروف خاصة — زمانًا أو مكانًا أو عرقًا أو طورًا من أطوار الدورات الكونية. ومن هذا التكيّف تنشأ تعدّدية الأشكال، غير أنّ أساس العقيدة لا يتبدّل بتبدّلها، تمامًا كما أنّ وحدة الكائن الجوهرية لا تمسّها تعدّد مظاهر وجوده.

وهكذا، فإنّ المعرفة الميتافيزيقية، وكذلك التحقّق (realization) الذي تفترضه لكي تكون ما ينبغي لها أن تكون عليه حقًّا، ممكنان في كلّ مكان وزمان، على الأقل من حيث المبدأ، أي إذا نُظر إلى هذه الإمكانية من زاويةٍ شبه مطلقة. غير أنّه، من الناحية الواقعية أو العملية، هل تظل هذه الإمكانية متساوية في كلّ بيئة، دون مراعاة للظروف العارضة؟ هنا سيكون موقفنا أقلّ جزمًا، على الأقل فيما يتعلّق بـالتحقّق العملي، لأنّ هذا التحقّق في بدايته يحتاج إلى أن يستند إلى مجال الظواهر والظروف العارضة. وقد تكون هذه الظروف غير مؤاتية البتّة، كما هو الحال في الغرب الحديث، حيث أصبحت مثل هذه المساعي شبه مستحيلة التحقيق، بل وقد تنطوي على خطرٍ حقيقيّ في غياب أيّ سندٍ أو بيئةٍ مؤاتية، وفي ظلّ أجواء لا تفعل إلا أن تُعيق أو تُفسد الجهد الروحي لمن يحاول سلوك هذا الطريق. أمّا المدنيات التقليدية (traditional civilizations)، فهي منظّمة على نحوٍ يجعلها عونًا فعّالًا على هذا المسار — وإن لم يكن ذلك العون شرطًا جوهريًّا أو لا غنى عنه، شأنه شأن كلّ ما هو خارجي — إلّا أنّ تحقيق النتائج الفعلية يصبح من دونه أمرًا بالغ الصعوبة. ذلك لأنّ هذا العمل يتجاوز طاقة الفرد الإنساني المعزول، مهما توفّرت فيه المؤهلات الأخرى اللازمة؛ ولذلك، لا نودّ أن نشجّع أحدًا في الظروف الراهنة على أن يشرع في مثل هذا المسعى دون رويةٍ أو بصيرة. ومن هنا نصل إلى الخاتمة التي يُراد منها التنبيه إلى حدود الإمكان في زمنٍ فقد شروط الاتصال الحيّ بالتقليد.

إنَّ الفرق الجوهري بين الشرق والغرب – والمقصود هنا الغرب الحديث تحديدًا – لا يقوم في الحقيقة إلا على أمرٍ واحدٍ أساسيّ، بينما سائر الفوارق ليست إلا فروعًا مشتقة منه، وهو: من جهةٍ، حفظُ التقليد (Tradition) بكل ما يستلزمه ويحتويه، ومن الجهة الأخرى، إهمالُ هذا التقليد وضياعُه. أي من جهةٍ، صونُ المعرفة الميتافيزيقية، ومن الجهة الأخرى، الجهلُ الكامل بكل ما يتصل بهذا الميدان. وبين حضاراتٍ تُتيح لنخبتها إمكاناتٍ روحية سامية كهذه التي أشرنا إليها، وتُزوِّدها بالوسائل الملائمة لتحقيق هذه الإمكانات فعليًا – بل ولتحقيقها تحققًا تامًا في بعض الحالات – وبين حضارةٍ سارَ تطورها في منحًى ماديٍّ صرف، كيف يمكن إيجاد مقياسٍ مشتركٍ بين الطرفين؟ ثم من ذا الذي، إلا إذا أعمته أهواءُ التحيّز، يجرؤ على القول بأنّ التفوق المادي يُعوِّض عن النقص العقلي؟ ونعني هنا بالعقلية (intellectuality) العقلية الحقة – لا تلك المحصورة في نطاق الإنسان أو الطبيعة – بل العقلية التي تُتيح إدراك المعرفة الميتافيزيقية في سموّها المطلق وتجاوزها لكلّ قيد. إنّ لحظةَ تأملٍ واحدةً في هذه المسائل كافيةٌ لتجعل الجواب جليًّا بلا أدنى ريبٍ أو تردّد.

إنَّ تفوق الغرب المادي أمرٌ لا جدال فيه، ولا أحد يُنكره؛ غير أنّه ليس موضعَ غِبطةٍ أو رغبةٍ في الاقتداء. لكن يجب أن نُدرك ما هو أعمق من ذلك: فإنّ هذا الإفراط في التطور المادي سيُهدّد الغربَ بالهلاك المحتوم إنْ لم يستعد وعيه في الوقت المناسب، وإنْ لم يُفكّر جديًّا في ما عبّر عنه بعض مدارس الباطنية الإسلامية بقولهم: "العودة إلى الأصل" (return to the source). لقد شاع في هذه الأيام الحديث عن "الدفاع عن الغرب"؛ غير أنّ ما لا يُدركه كثيرون هو أنّ الغرب بحاجةٍ إلى أن يُدافع عن نفسه ضد نفسه قبل أيّ شيءٍ آخر؛ فإنّ أعظم الأخطار التي تُحدق به إنما تنبع من ميوله الراهنة ذاتها. ومن الحكمة أن يُتأمل هذا الأمر بعمقٍ شديد، ولا يمكن أن نُشدِّد على ذلك بما فيه الكفاية لكلِّ من لا تزال فيه قدرةٌ على التفكر. وبهذا أختم حديثي، راضيًا إنْ كنتُ قد وُفِّقتُ في أن أنقل ملمحًا، وإنْ كان ناقصًا، من تلك "العقلية الشرقية" (Eastern intellectuality) التي لم يَعُد لها نظيرٌ في الغرب الحديث، وفي أن أُتيح بارقةَ إدراكٍ – وإن كانت جزئية – لماهية الميتافيزيقا الحقة (true metaphysics)، تلك التي هي المعرفة بامتياز، والتي هي وحدها – كما تقول النصوص المقدسة في الهند – المعرفة الصادقة حقًّا، المطلقة، اللامتناهية، والسامية العليا.

 

انتهى بحمد الله في (16/10/2025 صباحًا)



[1]- المقصود بـ"الأشكال (Forms)" هنا هو الأطر أو الصيغ الرمزية والاصطلاحية التي تتّخذها الحقيقة الميتافيزيقية عند التعبير عنها داخل كل حضارة أو تقليد، مثل الأساليب الفلسفية أو الرموز أو الممارسات الطقسية أو المصطلحات اللاهوتية التي تختلف من ثقافة لأخرى مع بقاء الجوهر واحدًا.

[2]- الفلسفة الحديثة تعترف بعجزها عندما تفضل "نظرية المعرفة" على المعرفة الحقيقية ذاتها.

[3] - Knowledge of Universal Principles.

[4]-  Knowledge of Being as Being.

[5]- The Inexpressible

[6]- theory of cosmic cycles

تعليقات

مواضيع المقالة