القائمة الرئيسية

الصفحات

 

الأزهار الرمزية

رموز العلم المقدس، رينيه غينون، تر: عبد الباقي مفتاح

 

إن استعمال الأزهار في الرمزية، كما هو معلوم، منتشر جداً ويوجد في أغلب التراثيات، وهو أيضاً معقد جدًّا، فلا يمكن أن نقصد هنا سوى الإشارة إلى بعض دلالاته الأكثر شمولية. وبالفعل فمن البديهي أنه باختيار هذه الزهرة المعينة أو تلك الأخرى كرمز، تختلف الدلالة، على الأقل من حيث مظاهرها الثانوية؛ وكما يقع في الرمزية عموما، كل زهرة يمكن أيضاً أن يكون لها في نفسها دلالات متعددة، لكنها مترابطة فيما بينها ببعض التناسبات.

فمن دلالاتها الرئيسية ما يعود إلى المبدأ المؤنث أو المنفعل لمجلى الظهور (أ)، أي ما يسمى في التراث الهندوسي باللغة السنسكريتية براكريتي (Prakriti)، و هو عبارة عن الجوهر الكلي المنفعل. وفي هذا الصدد، فإن الزهرة تكافئ عددا من الرموز الأخرى، من أهمها: الكوب أو القدح أو الكأس، وفعلا فالزهرة كالكوب يذكر شكلها بفكرة الوعاء، مثلها مثل براكريتي المتهيئة لاستقبال الفيوضات الفعالة من بوروشا (Purusha) (الذي هو عبارة عن الجوهر الكلي الفعال) (ب)، وفي الكلام الجاري تستعمل عبارة كأس الزهرة. من ناحية أخرى، فإن تفتق هذه الزهرة نفسها يمثل في نفس الوقت تطور مجلى الظهور، باعتباره متولداً من براكريتي (ج)، وهذا المعنى المزدوج واضح جلي خصوصا في مثل حالة زهرة اللوتس (النيلوفر الأبيض المصري) التي هي في الشرق الزهرة الرمزية المثلى، ومن ميزاتها الانفتاح على سطح المياه؛ وكنا قــد شرحنا سابقاً بأن المياه تمثل دائماً طرازا من مجالات الظهور، أو تمثل مستوى انعكاس الشعاع السماوي المعبر عن فاعلية بوروشاً المؤثرة على ذلك المجال لتحقيق الإمكانيات الكامنة فيه والمزملة في إجمال اللاتميز الأصلي لـ براكريتي([1]) (د).

وهذه المقاربة مع الوعاء التي كنا بصدد ذكرها ينبغي طبعاً أن تذكر برمزية الكأس المقدسة في التراثيات الغربية (هـ). ومن المناسب هنا في هذا الموضوع بالتحديد، إبداء ملاحظة جديرة جداً بالاهتمام: فمن المعلوم في قصة الكأس المقدسة أن من بين الأشياء المتنوعة الأخرى التي تقترن بالكأس يوجد بالأخص رمح؛ وفي الصيغة المسيحية للقصة، هذا الرمح ليس سوى رمح القائد الروماني لونجان (Longin) الذي فتق في جنب [المشبه] بالمسيح الجرح الذي تدفق منه الدم والماء اللذان احتفظ بهما [الحواري] يوسف الرامي في قدح العشاء السري، أي العشاء الأخير الذي تناوله المسيح قبل رفعه إلى السماء وصلب من شبه به؛ لكن الذي لا يقل عن هذا صحة أيضا هو أن الرمح، أو ما يكافئه، كان موجودا كرمز مكمل، إذا صح القول، للكوب أو القدح في تراثيات سابقة على المسيحية([2]). وعندما يوضع الرمح منصوبا عموديا، فإنه يمثل إحدى رموز محور العالم أو قطب الوجود المطابق للشعاع السماوي المذكور قبل قليل. وفي هذا السباق يمكن التذكير بأن بعض الأسلحة مثل الرمح أو السهم تقوم في الرمزية مقام الشعاع الشمسي في كثير من الأحيان، وليس هنا محل المزيد من التنبيه على هذا. ومن جانب آخر، في بعض الرسوم، ترى قطرات الدم متساقطة من الرمح نفسه نحو الوعاء، والحال هو أن هذه القطرات في دلالتها المبدئية هنا، ليست سوى صورة للفعاليات الفائضة من بوروشاً، وهذا يذكر بالرمزية الفيدية نسبة إلى الفيدا الكتاب المقدس عند الهندوس حول أضحية قربان بوروشاً عند البدء الذي انبثق منه تجلي الظهور([3]) (ز). وهذا سيعود بنا مباشرة إلى مسألة الرمزية الزهرية التي لم نبتعد عنها بهذه الاعتبارات إلا ظاهريا فقط.

ففي أسطورة أدونيس وهذا الاسم يعني السيد أو الرب عندما يتلقى البطل الضربة القاتلة من حافر خنزير بري، والحافر هنا يقوم بدور الرمح، فإن دمه عند انتشاره على الأرض ينبت زهرة، ولا شك أنها توجد أمثلة أخرى مشابهة لهذه القصة. والحالة هذه، فإننا نجد هذا أيضا في الرمزية المسيحية، مثلما نبه عليه السيد شاربونو - لاساي من وجود حديدة لذبح القربان من القرن الثاني عشر الميلادي، وفيها نرى دم جروح المصلوب يقطر، فتتحول قطراته إلى أزهار ورد؛ وكذلك في زجاجية من القرن الثالث عشر بكاتدرائية مدينة أنجيرس" (الفرنسية) حيث يظهر الدم الرباني يسيل جداول وينبسط كذلك على شكل أزهار الورد([4]) (ح).

والوردة في الغرب، مع زهرة الزنبق، هي المكافئ المألوف للوتس في الشرق؛ ويبدو هنا أن رمزية الزهرة يقتصر فيها على إبداع وإنشاء مجلى الظهور([5])، بحيث تكون براكريتي بالأحرى ممثلة بالأرض نفسها التي يحييها الدم؛ لكن هناك أيضا حالات أخرى يبدو فيها الأمر مختلفا عن هذا الذي ذكرناه؛ وفي نفس المقال المذكور، أورد السيد شاربونو - لاساي رسما مطروزا على لوحة صلوات القداس في دير فونتفرولت (Fontevrault) يعود تاريخه إلى النصف الأول من القرن السادس عشر، وهو محفوظ اليوم في متحف نابل (Naplesوفيه نرى الوردة عند قدم حربة منصوبة عموديا، ومن قائمتها تتساقط قطرات من الدم، فالوردة هنا تبدو مقترنة بالحربة، مثلها مثل القدح في مواقع أخرى، وتبدو بوضوح أنها تستقبل قطرات الدم بدلا من أن تنبت من إحداها؛ ورغم هذا، فالدلالتان غير متعاكستان بتاتا، وإنما بالأحرى تتكاملان، لأن تلك القطرات بسقوطها على الوردة تحييها أيضاً وتجعلها تتفتق وتنبسط؛ وهذا الدور الرمزي للدم له طبعا في جميع الحالات ما يبرره، لصلته المباشرة مع مبدأ الإحياء إذا اعتبر هنا بالنسبة للمجال الكوني. ومطر الدم هذا يكافئ أيضاً في المذهب القبالي، أي المذهب الصوفي العرفاني في الملة الإسرائيلية، الطل السماوي الفائض من شجرة الحياة التي هي مثال آخر لـ محور العالم (أو قطب الوجود) (ط)، وأثره المُحيي متعلق أساسا بمعاني البعث والنشور، المرتبطة بجلاء مع المفهوم المسيحي للشفاعة والخلاص، ونفس هذا الطل يقوم كذلك بدور هام في الرمزية الكيميائية (القديمة) وفي رمزية تنظيم (وردة الصليب)([6]).

وعندما تعتبر الزهرة رمزا لتطور مجلى الظهور، يظهر أيضاً تكافؤ بينهما وبين رموز أخرى، من بينها يذكر بالخصوص رمز الدولاب الذي نصادفه تقريباً في كل مكان مشتملاً على عدد متغير من الأشعة حسب الأشكال التي تمثله، ولهذا العدد نفسه دائما قيمة رمزية معينة؛ والنماذج الأكثر شيوعا هي دواليب ذات ستة أو ثمانية أشعة. والشريحة الدائرية السلتية التي استمر وجودها طيلة العصر الوسيط الغربي تقريبا، كانت تأخذ الواحد أو الآخر من هذين الشكلين ونفس هذين الشلكين، وبالأخص الثاني (أي ثماني الأشعة)، كثيرا ما يصادفان في البلدان الشرقية، خصوصا الكلدانية والأشورية وفي الهند وفي التيبت. والحال أن الدولاب هو قبل كل شيء رمز للعالم، وفي اللغة الرمزية للهند يذكر باستمرار دولاب الأشياء (أو دولاب الأحداث) أو دولاب الحياة أو دولاب الدهر) وهو مناسب بوضوح لتلك الدلالة. والإشارات إلى الدولاب الكوني ليست بأقل شيوعاً في تراث الشرق الأقصى، وهذا كاف لإقامة مقاربة وثيقة بين هذه الأشكال والأزهار الرمزية التي بتفتقها هي أيضا إشعاع حول مركز، وبالتالي فهي أشكال ذات مركز؛ ومن المعلوم في التراث الهندوسي أن العالم يمثل أحيانا على شكل زهرة اللوتس وفي مركزها يرتفع جيل الميرو (Meru) أي الجبل القطبي (ي).

وتوجد تناسبات جلية تؤكد هذا التكافؤ بين عدد تويجيات بعض الأزهار وعدد أشعة الدولاب منها زهرة الزنبق بست تويجيات واللوتس بثمانية في أشكالها الأكثر شيوعاً، أي أنهما تتناسبان بالتتالي مع الدولابين السداسي والثماني الأشعة اللذين ذكرناهما قبل قليل([7])، ونكتفي بالتنبيه في هذا الموضوع بصفة عامة على أن العددان 5 و 6 يرجعان بالتتالي إلى العالم الصغير ]أي الكائن الفردي أو الإنسان[ وإلى العالم الكبير ]أي الكون]. وبالإضافة إلى هذا، ففي الرمزية الكيميائية [القديمة]: الوردة بخمس تويجيات الموضوعة في مركز الصليب الممثل لرباعية العناصر [أي النار والهواء والماء والتراب[، هي أيضاً، كما نبهنا عليه في بحث آخر، رمز للعنصر الخامس [أي الأثير ] الذي يقوم بالنسبة للظهور الجسماني بدور مماثل لدور براكريتي بالنسبة للظهور الكلي. وأخيرا نسجل أيضا مقاربة بين الأزهار سداسية التويجيات والدولاب سداسي الأشعة وبين رموز أخرى أقل شيوعا، مثل رمز طغرائية المسيح والتي نأمل العودة إليها في مناسبة أخرى([8]). وفى هذه المرة، يكفي أننا وضحنا التماثلين الأهمين للرموز الزهرية، أي مع الكوب من حيث نسبته مع براكريتي، ومع الدولاب من حيث نسبته مع مجلى الظهور الكوني والعلاقة بين هاتين الدلالتين هي في الجملة علاقة مبدأ بما يستلزمه، حيث أن براكريتي هي الأساس نفسه لكل ظهور.

 


[1]-ترجمة أبسط: من جهة أخرى، يمثل تفتح الزهرة تطور الوجود نفسه، الذي يُعتبر من إنتاج "بْراكريتي". هذا المعنى المزدوج يظهر بشكل خاص في زهرة اللوتس، التي تُعتبر الزهرة الرمزية الأبرز في الشرق. هذه الزهرة تتفتح على سطح الماء، الذي يُشير إلى حالة معينة من الوجود. و"الشعاع السماوي" (وهو تعبير عن تأثير "بُوروشا") ينعكس على هذا الماء ليُحوّل الإمكانات الكامنة داخل "بْراكريتي" إلى واقع ملموس. 

[2]- ينظر للمؤلف كتاب مليك العالم الباب 5، ويمكن أن نذكر أن من بين مختلف الحالات التي يستعمل فيها الرمح كرمز، حالات تماثل لافتة للنظر حتى في أدق تفاصيلها، فعند الإغريق مثلا يقال عن رمح أشيل أنه كان يشفي الجروح التي كان يحدثها، وقصة الكأس المقدسة في العصر الوسيط تعزو نفس الخاصية للرمح الذي فتق جنب المصلوب (المشبه للمسيح).

[3]- يمكن هنا أيضاً من حيث بعض وجوه الاعتبار القيام بمقاربة مع الرمزية المعروفة لطائر البجع المسمى أيضاً أبو جراب، أو: (الحوصل).

[4]- مجلة ... جانفي 1925 نشير أيضا إلى تمثيل يرجع إلى رمزية مرتبطة بهذه، وهو رسم للجروح الخمسة (للمصلوب المشبه بالمسيح) بخمسة أزهار ورد، إحداها موضوعة في مركز الصليب، والأربعة الباقية في فروعه الأربعة، والمجموع يشكل كذلك أحد الرموز الأساسية لتنظيم وردة - الصليب.

[5]- لكي لا يثير هذا التأويل أي اعتراض، لا بد طبعاً من وجود علاقة قريبة وثيقة بين عملية الخلق والخلاص، إذ ماهما في الجملة إلا مظهران لتجلي الكلمة الإلهية.

[6]- ينظر كتاب مليك العالم الباب الثالث والتماثل الموجود بين الاسمين الطل روزي (rosie) (جذرها روز (ros) والوردة روز (rose) (من روزا (rosa) لافت الانتباه من يعلمون كم هو مألوف استعمال بعض الرموز اللفظية.

[7]- كمثال واضح لهذا التكافؤ في العصر الوسيط، لاحظنا وجود رسم منحوت على حجر مركب في مواجهة كنيسة سانت ماكسم (Saint-Mexme) القديمة في (مدينة) شينون (Chinon)، ويعود تاريخه على الأرجح إلى العهد الكارولينجيني (carolingien) وهو يتشكل من دولاب ثماني الأشعة تواجهه زهرة بثماني تويجيات. وفى الكنائس الرومانية (romane) (أي المشيدة ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي) كثيرا ما توجد رسوم للدولاب، ومنه اشتق، حسبما يظهر الشكل الدائري للوردة الغوطية (gothique) نفسها، واسمها يدل على تطابقها مع الرموز الزهرية، وهذا يجعلها مرتبطة بسلسلة لم تتقطع مع الشريحة الدائرية السلتية العتيقة.

[8]- السيد شاربونو - لاساي نبه على اقتران الوردة نفسها بطغرائية المسيح (مجلة ... عدد مارس (1926) وذلك في شكل من هذا النوع أعاد رسمه نقلا من حجر من عهد الميروفينجيين (merovingien) وللوردة المركزية ست تويجيات متجهة وفق فروع الطغرائية وزيادة على هذا، فإن الطغرائية منحصرة في دائرة، وهو ما يبين بأوضح ما يمكن تطابقها مع الدولاب سداسي الأشعة. 

 

 

 

 

تعليقات

مواضيع المقالة