القائمة الرئيسية

الصفحات

مفهوم المركز في التراثيات العتيقة

 مفهوم المركز في التراثيات العتيقة

رموز العلم المقدس، رينيه غينون، تر: عبد الباقي مفتاح

 

لقد سنحت لنا الفرصة سابقا للإشارة إلى مركز العالم ولمختلف الرموز التي تمثله، وينبغي علينا العودة إلى مفهوم هذا المركز، وهو الذي له أكبر أهمية في جميع التراثيات العتيقة، مع التنبيه إلى بعض الدلالات الأساسية المتعلقة به. وبالفعل، فبالنسبة للحداثيين، لم يعد هذا المفهوم يذكر مباشرة بكل ما كان يراه فيه القدامى، وهنا، كما هو الحال في كل ما يتعلق بالرمزية، كثيرة هي الأمور التي نُسيت، وبعض أنماط التفكير يبدو أنها أمست غريبة تماما على الغالبية العظمى للمعاصرين لنا؛ فمن المستحسن إذن الإلحاح على هذا المفهوم للمركز، لاسيما وأن عدم فهمه صار هو الأعم الأشمل.

وقبل كل شيء، فإن المركز هو الأصل، إنه نقطة انطلاق كل شيء، إنه النقطة المبدئية، بدون شكل ولا أبعاد، فهي إذن لا تنقسم، وبالتالي فهي الصورة الوحيدة التي يمكن إعطاؤها للوحدة الأولى الأصلية. ومن المركز، بفعل إشعاعه، تتكون كل الأشياء، كما بالوحدة تنشأ كل الأعداد بدون أن يحدث في ذاتها أي تغير أو أي تأثر بأي صفة كانت.

وهنا يوجد توازن تام بين نمطين من التعبير، هما الرمزية الهندسية، والرمزية العددية، بحيث يمكن استعمالهما على السواء، والانتقال من الواحدة إلى الأخرى بكيفية تلقائية تماما. ومع هذا، لابد من عدم نسيان أن المقصود في الحالتين هو دوما الرمزية، فالوحدة الحسابية ليست هي الوحدة الميتافيزيقية، وما هي إلا تمثيل لها، لكنه تمثيل لا تعسف فيه لوجود علاقة تماثل حقيقي بينهما، وهي العلاقة التي تسمح بنقل مفهوم الوحدة إلى ما وراء ميدان الكم، أي إلى المجال المفارق المتعالي المنزه. وكذلك هو الشأن في مفهوم المركز، فهو قابل لنقلة مماثلة تجرده من طابعه المكاني فلا يذكر عندئذ إلا على سبيل الرمز. فالنقطة المركزية هي المبدأ، هي الذات البحت (أ)، وإشعاعها يملأ الفضاء، بل من نفس إشعاعها هذا ينشأ الفضاء (الفيات لوكس "Le Fiat Lux" المذكور في سفر التكوين)، وبدونه لا يكون هذا الفضاء سوى فراغ سالب وعدم، إن هذا الإشعاع هو العالم بالمعنى الأوسع لهذه الكلمة، أي مجموع كل الكائنات وجميع مراتب الوجود المشكلة للظهور الكلي.

إن أبسط تمثيل للفكرة التي نحن بصدد التعبير عنها، هي النقطة في مركز دائرة (شكل 1):

فالنقطة ترمز للمبدأ، والدائرة للعالم؛ ويستحيل تعيين بداية زمنية لهذا الرمز، لأننا نجده باستمرار مرسوما على آثار ما قبل التاريخ، ولا شك أنه أحد الرموز المتعلقة مباشرة بتراث الملة الأصلية الأولى أو التقاليد الأزلية/القديمة (Tradition Primordiale)([1]). وأحيانا تكون النقطة محاطة بعدة دوائر متراكزة تبدو ممثلة لمختلف مراتب الوجود الظاهر أو درجاته، مرتبة وفق ابتعادها عن مركزها الأصلي. ومنذ عهد متوغل في القدم على الراجح، أخذت النقطة في مركز دائرة كصورة للشمس لأنها هي مركز أو قلب العالم في المجال الطبيعي المادي. وقد بقى هذا الشكل إلى أيامنا هذه كرمز تنجيمي وفلكي متداول من حيث دلالته على الشمس. وربما يكون هذا هو السبب الذي جعل غالبية علماء الآثار، حيثما صادفوا هذا الرمز، يزعمون أنه يقتصر تخصيصا على دلالة شمسية، بينما معناه في الحقيقة أوسع وأعمق، وهم ينسون أو يجهلون أن الشمس في كل التراثيات العتيقة، ما هي نفسها إلا رمز، أي رمز لـ"مركز العالم الحقيقي" الذي هو المبدأ الإلهي (ب).

إن العلاقة القائمة بين المركز والمحيط، أو بين ما يمثله كل منهما، مشار إليه سبقاً بوضوح في كون أن المحيط لا يمكن أن يوجد بدون مركزه، بينما المركز مستقل مُطلقا عن المُحيط (ج). وهذه العلاقة يمكن أن تتأكد بكيفية أكثر جلاء وتفصيلا، في الأشعة المنبثقة من المركز والمتصلة بالمحيط، ويمكن أن تمثل بعدد لها متغير، حيث أنها في الواقع لا حصر لها، مثلها مثل نقط المحيط التي تنتهي عندها. لكن عمليا في أشكال من هذا النوع، اختيرت دوما أعداد معينة للأشعة، هي نفسها ذات قيمة رمزية معينة، وأبسط هذه الأشكال لا تمثل فيه سوى أربعة أشعة تقسم الدائرة إلى أقسام متساوية، أي قطران متعامدان يشكلان صليبا داخل الدائرة نفسها (الشكل (2) أعلاه؛ ولهذا الشكل الثاني نفس الدلالة العامة الأولي، لكن مضاف إليها بعض الدلالات المكملة لها؛ فالسير على المحيط في اتجاه معين هو صورة لدورة إحدى مجالي الظهور، كتلك الدورات الكونية التي يعطي في شأنها التراث الهندوسي بالخصوص نظرية في غاية التوسع؛ وفي هذه الحالة تكون الأقسام المعينة على المحيط بأطراف فروع الصليب مناسبة لمختلف الأحقاب أو المراحل التي تنقسم عليها الدورة، وهذا الانقسام يمكن أن ينظر إليه، إذا صح القول، على مستويات مختلفة، تبعاً لتفاوت مدد الدورات. وكمثال نقتصر فيه على ميدان الوجود الأرضي فقط: لدينا الفترات الأربعة الأساسية لليوم الواحد([2])، والمراحل الأربعة للدورة القمرية، والفصول الأربعة للسنة، وكذلك الأحقاب الأربعة للبشرية حسبما نجده على السواء في تراثيات الهند وأمريكا الوسطى، أو كذلك في تراث العصور القديمة اليونانية واللاتينية (د). ونكتفي هنا بإشارة موجزة إلى هذه الاعتبارات، بهدف إعطاء فكرة إجمالية على الرمز المقصود، ولأنها أيضا ذات صلة مباشرة مع ما سنذكره لاحقا (هـ).

 ومن بين الأشكال التي تشتمل على عدد أكبر من الأشعة، ينبغي بالخصوص تسجيل الدواليب أو العجلات أو الشرائح المستديرة المشتملة في العادة على ستة أو ثمانية أشعة (انظر الشكلان 3، 4). فـ"الشريحة المستديرة السلتية" (أي عند شعوب السلت) التي استمر حضورها خلال كل العصر الوسيط تقريباً، تمثل بالواحد أو بالآخر من هذين الشكلين.

ونفس الأشكال، وبالأخص الثاني (الثماني)، موجودة في الكثير من الأحيان في البلدان الشرقية خصوصا الكلدانية والأشورية، وفي الهند (حيث يسمى الدولاب شاكرا (Chakra) وفي التيبت. من ناحية أخرى توجد قرابة وثيقة بين الدولاب سداسي الأشعة وطغراء المسيح الدائرية (Le chrisme) وهو رمز يمثل أحرف اسم المسيح مرقومة بشكل متشابك التي لا تختلف عنه في الجملة سوى كون المحيط الذي تنتمي إليه أطراف الأشعة لا يكون مرسوما في العادة (و). والحال أن الدولاب بدلا من أن يكون مجرد رمز شمسي كما هو شائع عموما في عصرنا هو قبل كل شيء رمز للعالم، وهو ما يمكن فهمه بلا إشكال. وفي اللغة الرمزية للهند يذكر باستمرار (دولاب الأشياء أو دولاب الأحداث أو عجلة الحياة أو دولاب الدهر) وهو ما يناسب بوضوح تلك الدلالة؛ وهناك أيضا دولاب الشريعة، وهي عبارة استعارتها البوذية، وكم هي العبارات الأخرى التي استعارتها من الملل التي سبقتها، وهي في أصلها على الأقل، ترجع بالخصوص إلى النظريات الدورية. وينبغي أيضا إضافة كون فلك البروج هو أيضا يمثل على شكل دولاب باثني عشر شعاعا طبعاً، والاسم المعطى له (بالسنسكريتية) يعني حرفيا (دولاب العلامات) أو يمكن أيضا ترجمته بـ"دولاب الأعداد" تبعا للمعنى الأول لكلمة راشي (rashi) الدالة على علامات البروج([3]).

وإضافة إلى هذا، يوجد نوع من الارتباط بين الدولاب ورموز مختلفة للأزهار، حتى أنه يمكن في بعض الحالات التكلم عن تكافؤ حقيقي بينهما([4]). فإذا اعتبرت زهرة رمزية مثل اللوتس (نيلوفر أبيض مصري)، أو زهرة الزنبق، أو الوردة([5])، فإن تفتقها، بتماثل ميسور الفهم جدا، يرمز، من بين ما يمكن أن يرمز، (لأن هنا رموزا ذوات دلالات متعددة)، إلى تطور مجلى الظهور. هذا التفتق والانشراح هو إشعاع حول المركز، لأن المقصود هنا أيضا أشكال ذات مركز، وهو ما يبرز تماثلها مع الدولاب([6]). وفي التراث الهندوسي يمثل العالم أحياناً على شكل زهرة اللوتس التي يرتفع في مركزها جبل ميرو (Meru) الجبل المقدس الذي يرمز إلى القطب (ز).

لكن لنرجع إلى دلالات المركز، لأننا حتى الآن لم نعرض في الجملة إلا دلالته الأولى، أي التي تجعل منه رمزا للمبدأ؛ وسنجد فيه معنى آخر من كونه هو الأوسط تخصيصا، أي النقطة المتساوية الأبعاد مع كل نقاط المحيط، والتي تقسم القطر إلى جزئين متساويين. وفي ما سبق، اعتبر المركز، إذا صح القول، قبل المحيط الذي لا جود له إلا بإشعاع المركز، أما الآن فينظر إليه بالنسبة للمحيط المحقق وجوده، أي أن المقصود هو فعل المبدأ في الخلق. والنقطة الوسطى بين كل طرفين ممثلين بنقطتين متقابلتين من المحيط، هو الموقع الذي تتعادل فيه وتتوازن فيه توازنا كاملا الاتجاهات المتعاكسة التي تنتهي عند تلك الأطراف، وبعض مدارس التصوف الإسلامي التي تعطي للصليب قيمة رمزية كبرى تسمي مركزه المقام الإلهي وتعينه كمجمع للأضداد، تنحل فيه كل المتعاكسات والمعنى المتجلي هنا بالخصوص هو إذن معنى التوازن، وهو معنى الانسجام نفسه، فليسا هما معنيان مختلفان بل مظهران لنفس المعنى. وله أيضا مظهر ثالث، يتعلق خصوصا بوجهة النظر الأخلاقية (رغم أنها مع ذلك قد تتضمن دلالات أخرى)، إنه معنى العدل، ومن هنا يمكن ربط قولنا هذا بالمفهوم الأفلاطوني الذي ينص على أن الفضيلة تقوم على الوسطية بين طرفين. ومن وجهة نظر أكثر شمولا، تتكلم تراثيات الشرق الأوسط باستمرار على الأوسط الثابت وهو النقطة التي يتجلى فيها تصرف السماء، وتبعاً للتراث الهندوسي فإن في مركز كل كائن كما هو الحال في مركز كل مرتبة من مراتب الوجود الكوني، يكمن انعكاس للمبدء الأعلى (ح).

والحق يقال أن التوازن نفسه، ليس سوى انعكاس لثبوت المبدأ المطلق في مجلى الظهور. ولكي تنظر الأمور من هذه الوجهة، ينبغي رؤية المحيط كأنه في حركة حول مركزه الذي هو وحده لا يشارك في هذه الحركة؛ والاسم نفسه للدولاب (أو العجلة رو roue بالفرنسية مشتقة من روتا rota) يذكر مباشرة بفكرة الدوران. وهذا الدوران هو صورة للتغير المستمر الذي تخضع له كل الأشياء الظاهرة (ط). وفي مثل هذه الحركة لا توجد إلا نقطة فريدة تبقى على الدوام ثابتة مستقرة، هي نقطة المركز. وهذا يعود بنا إلى المفاهيم الدورية التي ذكرنا حولها كلمات في ما سبق، فمجرى دورة ما، أو دوران المحيط، هو التعاقب إما بنمط زماني، وإما بنمط من طراز آخر؛ وثبوت المركز صورة للأزلية حيث كل الأشياء حاضرة في تواقت كامل (في الآن الدائم الواحد). والمحيط لا يمكن أن يدور إلا حول مركز ثابت، وكذلك التغير الذي لا قيام له بنفسه، يفترض بالضرورة مبدأ منزها عن التغير: إنه المحرك الثابت عند أرسطو، وهو الذي يمثل أيضا بالمركز وبالتالي فإن كل ما هو كائن، أي كل متغير ومتحرك، لا وجود له ولا قيام له (جملة وتفصيلا) إلا بالمبدأ الثابت الذي يعطي للحركة دفعها الأول، ثم هو الذي يحفظها ويوجهها ويعطيها قانونها، حيث أن حفظ نظام العالم، إذا صح القول، ليس سوى استتباع لعملية الخلق الإلهي (ي) وتبعاً لعبارة هندوسية، إنه المرتب المنسق الحافظ الباطن (أنتارياني) لأنه الفاعل في باطن كل شيء، أي الذي لا قيام لأي شيء في كل آن إلا به لأنه هو وحده الحي القيوم لا شريك له، ونفس أمره كامن في أخفى نقطة، هي نقطة المركز.

وبدلا من دوران المحيط حول مركزه، يمكن أيضا اعتبار كرة تدور حول محور ثابت، والدلالة الرمزية هنا هي نفس الدلالة السابقة بالضبط. ولهذا فكثيرة وهامة هي الرسوم الممثلة لـ"محور العالم" [أو قطب الوجود[ في جميع التراثيات القديمة، ودلالتها العامة في صميمها هي نفس دلالة مركز العالم، سوى أنها ربما تذكر بدور المبدأ الثابت إزاء مجلى الظهور الكلي بكيفية أكثر مباشرة من الدلالات الأخرى التي يمكن اعتبارها للمركز. وعندما تقوم الكرة الأرضية أو السماوية بدورانها حول محورها، فثمة نقطتان على هذه الكرة تمكثان ثابتتان، إنهما القطبان اللذان هما طرفا المحور أو نقطتا تقاطعه مع سطح الكرة، ولهذا فإن مفهوم القطب يتكافأ أيضا مع مفهوم المركز. والرمزية المتعلقة بالقطب تكتسي أحيانا أشكالا معقدة جدا، وتوجد أيضا في جميع التراثيات، بل وتحتل فيها مكانة عظمى، وإذا كان أغلب العلماء الحداثيين لم ينتبهوا إليها، فهذا دليل آخر على حرمانهم من الفهم الحقيقي للرموز.

ومن الأشكال الأشد بروزا، وفيها يتلخص ما كنا بصدد عرضه شكل سواستيكا (Swastika) (الشكلان 5 - 6) [الصليب المعقوف]:

 

الذي هو في جوهره علامة القطب، ورغم هذا فإننا نظن أن دلالته الحقيقية لم يعرفها أحد أبدا في أوروبا الحديثة حتى الآن. وقد تم البحث بدون جدوى عن تفسير هذا الرمز بأكثر النظريات إغراقا في الخيال، حتى أن البعض رأى فيه رسما مبسطا لأداة بدائية مخصصة لإشعال النار؛ والحقيقة أنها إذا كانت له بالفعل أحيانا علاقة بالنار، فما ذلك إلا لأسباب أخرى مختلفة تماما عن ما ذكروه. ولقد جعل منه في أغلب الأحيان رمزا شمسياً لكنه لم يصبح هكذا إلا بصفة عرضية وبكيفية ملتوية إلى حد ما، ويمكن هنا تكرار ما كنا بصدد بيانه حول الدولاب والنقطة في مركز الدائرة. والذين رأوا في الـ"سواستيكا" رمزاً للحركة هم الأقرب إلى الحقيقة، لكن هذا التأويل هو أيضا غير كاف، لأن المقصود ليس هو حركة ما، وإنما هي حركة دورانية تتم حول مركز أو محور ثابت؛ والنقطة الثابتة تحديدا هي العنصر الجوهري الذي يرجع إليه مباشرة هذا الرمز، وجميع الدلالات الأخرى التي يتضمنها نفس الشكل مشتقة من هذه، وهي: أن المركز يطبع كــل شيء بطابع الحركة، وحيث أن الحركة تمثل الحياة، فإن الـ"سواستيكا" تصبح بالتالي رمزا للحياة، أو بعبارة أدق رمزا للدور المحيي القائم به المبدأ إزاء النظام الكوني([7]).

وإذا قارنا الـسواستيكاً بشكل الصليب المرسوم في دائرة (الشكل (2)، فيمكننا ملاحظة أنهما في الواقع رمزان متكافئان، لكن بدلا من أن يمثل الدوران بخط المحيط، يشار إليه فقط في السواستيكا بالخطوط المضافة في أطراف الصليب والمتعامدة معها، وهذه الخطوط هي متماسات مع المحيط وتبين اتجاه الحركة في نقاط التماس. وحيث أن المحيط يمثل العالم، وكونه هنا مضمر غير ظاهر إذا صح القول، فهذا يدل بوضوح على أن السواستيكا ليس رمزا للعالم، وإنما هو "رمز لتصرف المبدأ في العالم"([8]).

وإذا أرجعنا الـسواستيكا إلى دوران كرة مثل الكرة السماوية حول محورها، فينبغي افتراض رسم المحور في المستوى الاستوائي، وحينئذ تكون النقطة المركزية مسقطا للمحور على هذا المستوي العمودي عليه، وأما اتجاه الدوران كما يدل عليه الرسم فأهميته لا تعدو أن تكون ثانوية، وبالفعل فإننا نجد هذا الاتجاه أو الآخر في الشكلين المرسومين أعلاه، وهذا بدون لزوم النظر إليهما دائما كمتضادين([9]). ونحن نعلم جيدا أنه قد حدثت في بعض العصور، وفي بعض البلدان انشقاقات جعلت أنصارها يتعمدون إعطاء اتجاه للشكل معاكس لما كان معهودًا في الوسط الذي انفصلوا عنه، وذلك بقصد إعلان ضديتهم بواسطة مظهر خارجي، لكن هذا لا يمس في شيء الدلالة الجوهرية للرمز، وهي التي تبقى ثابتة في جميع الحالات.

إن رسم سواستيكا بعيد عن أن يكون رمزًا مقتصر على الشرق كما ظن أحياناً، بل هو في الواقع عمومًا، أحد الرموز الأكثر انتشارا، ونصادفه تقريبا في كل مكان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لأنه موجود حتى عند بعض الأهالي الأصليين لشعوب أمريكا الشمالية؛ وفي العصر الحاضر، لا يزال محتفظا به خصوصا في الهند وفي آسيا الوسطى وفي آسيا الشرقية؛ ومن الراجح أن معرفة دلالته لم تبق إلا في هذه الجهات، لكنها لم تفقد فقدانا تاما حتى في أوروبا نفسها([10]). ففي لوتوانيا وفي كورلاند وهي منطقة من ليتونيا غربي خليج ريغاً لا يزال الفلاحون يرسمون هذا الرمز في منازلهم، ولا شك أنهم لم يعودوا يعرفون دلالته ولا يرون فيه سوى نوعا من الطلسم الواقي؛ لكن الأكثر لفتا للانتباه هو أنهم يعطون له اسمه بالسنسكريتية سواستيكا([11]). وفي العصر القديم نجد هذا الرمز بالخصوص عند شعوب السلت وفي اليونان قبل العهد الهليني([12]). وقديماً في الغرب أيضا، كما ذكره السيد شاربونو – لاساي([13])، كان أحد الشعارات التي ترمز للمسيح، وبقى مستعملا هكذا إلى أواخر العصر الوسيط ومثله النقطة في مركز الدائرة والدولاب، فإن هذا الرمز يصعد بلا مراء إلى عهود ما قبل التاريخ، ومن جهتنا فإننا نرى فيه أيضا بلا تردد أحد آثار الملة الأصلية الأولى.

ولم ننته بعد من بيان جميع دلالات المركز: فإن كان في البدء نقطة انطلاق، فهو أيضا نقطة انتهاء، الكل منه صادر، والكل إليه في النهاية راجع. وحيث أن كل الأشياء لا وجود لها إلا بالمبدأ ولا بقاء لها بدونه، فلا بد من وجود علاقة دائمة بينه وبينها، تمثلها الأشعة التي تصل المركز بنقط المحيط، لكن مجرى هذه الأشعة يمكن أن يكون في اتجاهين متعاكسين: أولا من المركز إلى المحيط، ثم بعد ذلك من المحيط رجوعا إلى المركز، فهنا توجد حركتان متكاملتان، أولاهما تمثلها حركة نابذة والثانية حركة جاذبة؛ ويمكن مقارنة هاتين المرحلتين بطوري التنفس، تبعاً لرمزية كثيراً ما يُرجع إليها في التراثيات الهندوسية (ي). ومن جانب آخر يوجد هنا أيضا تماثل لا يقل وضوحا مع الوظيفة الفزيولوجية للقلب، وبالفعل فالدم ينطلق من القلب وينتشر في الجسم فيحيه ثم يعود إلى القلب، بالتالي فإن دور القلب كمركز عضوي هو دور شامل، ومناسب تماما، بصفة عامة، للمفهوم الذي ينبغي أن يكون لدينا حول المركز بمعناه الكامل.

والكائنات كلها، حيث أن لا قيام لها في كل ما لديها إلا بالمبدأ، عليها بوعي أو بدون وعي أن تتوق إلى الرجوع نحوه (ل)، وهذا الميل إلى الرجوع إلى المركز، له أيضا في جميع التراثيات تمثيله الرمزي. ونعنى بهذا، التوجه الشعائري إلى القبلة التي هي جهة المركز الروحي تخصيصا، أي الصورة الأرضية المحسوسة لـ مركز العالم الحقيقي (م). واتجاه الكنائس المسيحية ما هو في صميمه إلا حالة خاصة لهذا الذي ذكرناه، ويرجع في أساسه إلى نفس المفهوم الذي تشترك فيه كل الأديان. وفي الإسلام، هذه القبلة هي تجسيد، إذا أمكن هذا التعبير، للنية التي بواسطتها ينبغي أن تتوجه كل طاقات الكائن نحو المبدأ الإلهي([14]). وبسهولة يمكن إيجاد أمثلة كثيرة لهذا المفهوم. إن الكلام حول هذه المسألة كثير، وعلى الأرجح ستكون لنا فرصة للعودة إليها في ما سيتبع من بحوثنا، ولهذا فسنكتفي الآن بالإشارة السريعة لمظهر أخير لرمزية المركز.

ومجمل القول: المركز هو المبدأ والغاية لكل الأشياء، إنه تبعاً لرمزية مشهورة، الألفا والأوميغا أول الحروف وأخرها، أي المبتدأ والمنتهى، بل الأدق من هذا أنه المبدأ والوسط والغاية (ن). وهذه المظاهر الثلاثة تمثلها العناصر الثلاثة للكلمة ذات المقطع الواحد (أوم) وهي الكلمة المقدسة في الملة الهندوسية، وهي الكلمة التي أشار إليها السيد شاربونو لاساي كرمز للمسيح، كما أن اقترانها بالـسواستيكا في إحدى رسوم دير دي كارمس (des Carmes) في [مدينة] لودان (Loudon) [الفرنسية] يبدو لنا أنه ذو دلالة عميقة متميزة. وبالفعل، فهذا الرمز الذي هو أوسع شمولية من الألفاً والأوميغا، والقابل لمعاني يمكن تطويرها من غير حد تقريبا، هو رمز - في إحدى الموافقات الأكثر غرابة التي يمكن مصادفتها - تشترك فيه الملة الهندوسية العتيقة مع التصوف المسيحي في العصر الوسيط، وهو في كل منهما على السواء، بالكيفية المثلى، رمز للكلمة (الإلهية) التي هي بحق مركز العالم الحقيقي.


[1]- أو الحقيقة الأزلية: وهي تشير إلى مصدر كل الحقائق والمعارف. أو المعرفة الأصلية/السرمدية: وتُشير إلى معرفة لا يحدّها زمان أو مكان، وهي أصل كل المعارف. أو الحكمة الخالدة: وهي مصطلح شائع في الفكر الصوفي، ويُشير إلى الحكمة التي لا تفنى. أو ببساطة، التراث الأصلي الأوَّلي المبدأئ والبدئي. المُحرر

[2]- ربما يقصد: الصباحُ، والظهر، والعصر، والمساء. المُحرر

[3]-  لنلاحظ كذلك أن دولاب القدر (أو حدثان الدهر)، في الرمزية الغربية القديمة، له علاقات وثيقة بدولاب الشريعة وكذلك له علاقات مع دولاب فلك البروج، حتى إن كان هذا ربما لا يبدو لأول وهلة في مثل ذلك الوضوح.

[4]- من بين علامات هذا التكافؤ في ما يتعلق بالعصر الوسيط، رأينا دولابا بثمانية أشعة تقابله وجهاً لوجه زهرة بثمان تويجيات مرسومان على نفس الحجر المنحوت والمرصع في واجهة كنيسة سانت ماكم (Saint Mexme) القديمة في مدينة شينون (Chinon) [الفرنسية)، ومن الراجح أن تاريخها يعود إلى عهد الكارولا نجيين أي ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلادي.

[5]- في أشكالهما الشائعة، تمثل زهرة الزنبق بست تويجيات واللوتس بثمان، وأما في الوردة فهذا العدد بتغير بتغير دلالته، أو على الأقل يعطى لدلالته معاني متعددة وحول رمزية الوردة، ينظر المقال المفيد جدا للسيد شاربونو - لاساي (مجلة ر.. مارس 1926).

[6]- أعاد السيد شاربونو - لاساي في مقال له في مجلة (ر، مارس 1926 صفحة 298) صورة شكل من عهد الميرون المجيين أما بين القرنين الخامس والثامن الميلادي. عنوانه من طغراء المسيح إلى الوردة تظهر فيه الوردة بست تويجيات متجهة وفق فروع الطغراء وزيادة على هذا، فإن هذه الأخيرة منحصرة في دائرة، وهو ما يظهر بأجلى كيفية تطابقها مع الدولاب السداسي.  

[7]- ولذلك نجد أن هناك سواستيكا عناصرها عبارة عن أرجل إنسان كاملة مع قدمها، والرجل هي التي يرجل بها الكائن (أي يتحرك)، والقدم هي ما يتقدم به الكائن. وهو "رمز لتصرف المبدأ في العالم"؛ لأنَّ الرَّجُل (كمبدأ) هو الذي يُدير عجلة العالم ويُحركها بطاقته الذَّكَرِيَّة. المُحرر

[8]- نفس المُلاحظة تصح أيضًا على طغراء المسيح المُقارَنَة بالدولاب.

[9]- في السنسكريتية كلمة سواستيكا هي الوحيدة المستعملة في جميع الحالات للدلالة على الرمز المقصود منها، ولفظة سووا ستيكا (Sauvastika) التي أطلقها البعض على أحد الشكلين ليتميز عن الآخر الذي يكون حينئذ هو وحده (سواستيكا الحقيقي) ما هي في الحقيقة إلا نعت مشتق من سواستيكا ودال على ما يتعلق بهذا الرمز أو بدلالاته.

[10]- نفس الملاحظة يمكن أن تقال عن رموز أخرى، خصوصا عن طغراء المسيح القسطنطينية حيث ينكس أحيانا حرف I وقد ظن أحيانا بأنه ينبغي في هذه الحالة اعتباره كعلامة على المسيخ الدجال، وهذا المعنى يمكن فعلا أن يكون قد قصد في بعض الحالات، ولكن يستحيل قبوله في حالات أخرى كحالة سراديب الأموات مثلا. وكذلك فإن رمز الأربعة الرقمية عند بعض نقابات الحرفيين والذي ما هو إلا تحوير لنفس هذا الحرف في طغراء المسيح ينظر المقال (67) هو متجه على السواء في أحد الاتجاهين أو الآخر، بدون أن يعزى هذا إلى تنافس بين نقابات مختلفة أو إرادة تميز عن بعضها البعض حيث يوجد كل من الشكلين في شعارات تنتسب إلى نفس النقابة.

[11]-  الليتوانية، من بين جميع اللغات الأوروبية، هي الأكثر شبها بالسنسكريتية.

[12]- توجد أنواع متعددة لك سواستيكا، منها مثلا شكل فروعه منحنية كأنها على شكل حرفي متقاطعين، وقد رأيناه بالخصوص مرسوما على نقود غالية نسبة إلى الغاليين سكان فرنسا القدامى. ومن جهة أخرى، فإن أصل بعض الرسوم التي لم تحتفظ إلا بطابع زخرفي خالص، مثل التي يعطى لها اسم إغريقي يرجع اشتقاقه إلى سواستيكا.

[13]- لسنا نشير هنا إلى الاستعمال التعسفي المصطنع لـلسواستيكا، خصوصا من طرف بعض الجماعات السياسية الألمانية. وهم الذين جعلوا منه رمزاً ضد الجنس السامي (خصوصا اليهود)، بذريعة أن هذا الشعار مختص بـالجنس الآري المزعوم، فما هذا الزعم إلا وهم خالص أو قد أمسى بعد ذلك شعار للنازية في المانيا.

[14]- كلمة نية بالفرنسية هي أنتوسيون (intention) وينبغي هنا أن تؤخذ بمعناها الاشتقاقي تخصيصا، أي من أن تنديرا (In-tendere) أي: يتجه نحو

 

 

 

 

 

 

تعليقات

مواضيع المقالة