القائمة الرئيسية

الصفحات

 

لمحات عن الباطنية الإسلامية والطاوية

رينيه غينون، منشورات غاليمار، 1973

 

 موقع الصوفية - الشيخ عبد الواحد يحيى - موقع الصوفية - موقع الصوفية

تمهيد

كتب غينون يقول:

«في الإسلام، التقليد ذو طبيعة مزدوجة: دينية وميتافيزيقية. ويمكن أن نسمّي جانبه الديني بالظاهري (Exotérique)، لأنه الأكثر سطحية والأقرب إلى متناول الجميع أي خارجي. أما جانبه الميتافيزيقي فيُسمّى بالباطني (Ésotérisme)، إذ يمثّل المعنى العميق أي الداخلي، ويُعدّ في الوقت نفسه تعليمُ أو عقيدةُ الخاصةِ أو النخبة. وهذا التمييز يحتفظ بمعناه الصحيح، لأنهما ليس إلَّا جهان لعقيدة واحدة.»

يجدر أن نضيف أنّ غينون كان يرى أنّ الباطنية (Ésotérisme) هي في جوهرها واحدة في كل زمان ومكان، مهما اختلفت الأسماء التي تُطلق عليها بحسب تنوّع البلدان والتقاليد. فإذا كانت المعرفة الحقيقية بالـ«الواقع المطلق» هي الغاية النهائية للبحث الباطني، فإن الوسائل المستعملة، وإن كانت غالبًا متشابهة، ليست بالضرورة متماثلة؛ إذ يمكنها أن تختلف كما تختلف اللغات والأشخاص. وقد كتب لنا غينون في 3 تشرين الأول/أكتوبر 1945 قائلاً: «إنّ تنوّع الوسائل إنما يتوافق مع تنوّع الطبائع الفردية التي وُضعت لأجلها؛ فهي تعدّد الطرق التي تفضي جميعها إلى غاية واحدة.»

في هذا الكتيّب جمعنا، على هيئة فصول، عددًا من المقالات القديمة المتعلّقة بالتصوّف، أي بالباطنية الإسلامية. ويُستكمل ذلك لا ببعض المقاطع التي تُشير إليه في كتبه المختلفة فحسب—ولا سيّما في «رمزية الصليب»—بل أيضًا بمقالين أُعيد نشرهما في «رموز العلم المقدّس»: «أسرار حرف النون» و«سيف الإسلام».

لقد جعلنا المقالة حول الباطنية الإسلامية، التي نُشرت في مجلة (Cahiers du Sud)، الفصلَ الأوّل، رغم أنّها متأخّرة عن غيرها من حيث تاريخ النشر؛ وذلك لأنها أوضحُ ما يبيّن خصوصيّات التلقّي الباطني (initiation) في الإسلام، من خلال تعريف المفاهيم الأساسية للتصوّف: الشريعة، والطريقة، والحقيقة؛ فالأولى تمثّل الأساس الظاهري (Exotérique) الضروري، والثانية هي الطريق ووسائله، والثالثة هي الغاية أو النتيجة النهائية. وفي سائر الفصول، يعرض غينون، بصفائه التركيبي المعهود، حقيقة التوحيد والفقر، ويقدّم أمثلةً على العلوم التقليدية مثل علم الملائكة (Angélologie) المرتبط بالحروف العربية، والكفّية (Chirologie)، وعلم الحروف.

تحدّث رينيه غينون مطوّلًا، ولا سيّما في كتبه: لمحات عن التلقّي الباطني، وهيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، والتلقّي والتحقّق الروحي، عمّا سمّاه «المضادّ للتلقّي الباطني أو ضدية التراث الروحي» و«المزيّف للتلقّي الباطني». وقد تناول الكتّاب العرب هذه المسألة أيضًا عند حديثهم عن أولياء الشيطان، وعن «المتصوّفة الكَذَبة» الذين وُصفوا بأنهم «كالذئاب بين الناس».

سأل أبو إسحاق إبراهيم الحلواني يومًا الحسينَ بن منصور الحلاّج عمّا يراه في التعليم الباطني. فأجابه الحلاّج: «عن أيّهما تسأل، عن الحقّ أم عن الباطل؟. فإذا كان المقصود هو الباطن الحقّ، فإن الشريعة تمثّل جانبه الظاهري، ومن يلتزمها حقًا ينكشف له جانبها الباطني، وهو لا شيء سوى معرفة الله. أمّا الباطن المزيّف، فظاهره وباطنه كلاهما أشنع وأبغض من الآخر؛ فإيّاك والاقتراب منه.»

سيقول غينون على نحوٍ مماثل:

«إنّ كلّ من يتصدّى للتعليم الروحي من غير أن يكون متّصلاً بشكلٍ تقليدي (تراثي) محدَّد، أو من غير أن يلتزم بالقواعد التي يقرّرها ذلك الشكل التراثي، لا يمكن أن يَصدُق عليه الوصف الذي ينسبه إلى نفسه. فقد يكون—بحسب الأحوال—مجرّد دجّال عادي، أو شخصًا موهُوماً لا يعي الشروط الحقيقية للتلقّي الباطني (Initiation). وفي الحالة الثانية أكثر منها في الأولى، يُخشى أن لا يكون في نهاية الأمر سوى أداةً مسخّرةً لخدمة شيءٍ قد لا يخطر له على بال.»

الفصل الأخير مكرَّس للطاوية (Taoïsme) والكونفوشية. وهو يُبيّن أنّ التمييز بين الباطنية (Ésotérisme) والظاهرية (Exotérisme) يظهر أيضًا في الأشكال غير الدينية من التقليد. وهذا أمر طبيعي، لأنّ الأمر يتعلّق—سواء من حيث الطقوس أو من حيث المنظور—بفارقٍ في الطبيعة، بل في طبيعة عميقة الجذور.

هذا المقال أقدم بكثير من كتاب الثالوث الأكبر (La Grande Triade)، وهو آخر ما نشره غينون في حياته، وكان يتناول فيه الحضارة الصينية بإسهاب. ويضمّ المقال تأمّلًا ختاميًا يتميّز بأهميته وعمقه. إذ يصرّح غينون فيه بأنّه، أيًّا تكن الشروط الدورية (conditions cycliques) التي قد تؤدي إلى زوال الجانب الظاهري من التقليد الصيني أو انطماسه إلى حدّ ما، فإن باطنيته، أي الطاوية، لن تفنى أبدًا، لأنها في طبيعتها الجوهرية أبدية، أي متجاوزة للشرط الزمني.

كما فعلنا سابقًا مع المجموعات المنشورة بعد وفاة غينون والتي قدّمناها للقراء على مدى سنوات عديدة—مثل: دراسات حول الماسونية والرفقة، ودراسات حول الهندوسية، والأشكال التقليدية والدورات الكونية، وكذلك الطبعة الجديدة من الثيوصوفية (Théosophisme)—قمنا بإضافة بعض مراجعات الكتب والدوريات التي يقدّم فيها غينون توضيحات مثيرة للاهتمام حول الأرثوذكسية التقليدية (orthodoxie traditionnelle).

روجر ماريدورت، فبراير 1973.

تعليقات

مواضيع المقالة