القائمة الرئيسية

الصفحات

 ملخص دلالة العِدانة أي علم التعدين

رينيه غينون 

 

 

مبدأ "التناظر المزدوج" 

يتناول غينون في مقاله "دلالة الميتالورجيا" (صناعة المعادن) رمزية المعادن واستخداماتها في الحضارات التقليدية والحديثة، موضحًا كيف أن لكل استخدام وجهًا مزدوجًا يعكس مبدأ "التناظر المزدوج".


المعادن: رمزية "الصلابة" والتدهور

يربط غينون استخدام المعادن بـ "الصلابة" (solidification)، وهي سمة المجتمعات المستقرة (غير البدوية).

  • التدرج نحو المادية: يرى أن هناك تدرجًا في "الصلابة" يتناسب مع الهبوط التدريجي في الدورة الكونية:

    1. الخشب: مادة البناء الأولى، وهي أقل صلابة.

    2. الحجر: أكثر صلابة، ويرتبط بالحياة الزراعية وتأسيس المدن.

    3. المعدن: أكثر المواد صلابة، ويحل محل الحجر في العصر الحديث، مما يدل على مرحلة أكثر تقدمًا في هبوط الحضارة نحو المادية والكمية.

  • الحضارة الحديثة: يرى أن الدور المتزايد للمعادن في الحضارة الحديثة، وخاصة في الصناعة والآلات والحروب، هو دليل قاطع على هذا التدهور.


 

تطبيق "مبدأ التناظر المزدوج" على المعدن

يؤكد غينون أن المعدن، مثل كل شيء آخر، له وجهان متناقضان، أحدهما مبارك والآخر ملعون. هذا التناقض هو أساس موقفه من المعادن، ويظهر في النقاط التالية:

  • 1. الجانب الملعون (السفلي):

    • التحريم الديني: يستشهد غينون بالتقاليد اليهودية (وغيرها) التي كانت تحرم استخدام الأدوات المعدنية (خاصة الحديد) في بناء الأماكن المقدسة مثل الهيكل أو المذابح. هذه التحريمات لا تتعلق فقط بكونها أدوات لقطع الحجر، بل لأن المعدن يحمل تأثيرًا سلبيًا بطبعه.

    • الارتباط بـ "العالم السفلي": يربط غينون المعادن بـ "النار الجوفية" و"العالم السفلي"، نظرًا لأنها تستخرج من باطن الأرض. لذلك، كانت بعض المجتمعات تنظر إلى عمال المعادن والحدادين بنوع من الحذر، وتنسب إليهم ممارسة السحر الأسود والشعوذة.

    • الاستخدام الدنيوي الحديث: يرى أن الحضارة الحديثة تستخدم المعادن بشكل "دنيوي" بحت، أي دون أي غرض روحي. هذا الاستخدام يفصل المعدن عن أي تأثيرات روحية علوية، مما يجعله يطلق فقط جانبه السلبي "الملعون" الذي يؤدي إلى الدمار والفساد، كما هو الحال في الحروب.

    • "التروس الشيطانية": يشير إلى أن الآلات الحديثة (التي تعتمد على المعادن) تحمل جانبًا "شيطانيًا" كامنًا، غير مرئي للماديين. هذه القوى السلبية تتغذى على الاستخدام الدنيوي للمعادن، وقد تنقلب في النهاية على الإنسان نفسه.

  • 2. الجانب المبارك (العلوي):

    • التحقق الروحي: على الجانب الآخر، يمكن للمعدن أن يحمل دلالة روحية إيجابية. فبما أنه في أدنى درجات الصلابة، فإنه يعكس، عن طريق التناظر العكسي، أعلى درجات الروحانية.

    • الرمزية الروحية: يشير إلى الطقوس القديمة التي استخدمت فيها المعادن كوسيلة "للتسامي" الروحي. هذا هو أساس علم الخيمياء، الذي كان يهدف إلى "تحويل" المعدن الخسيس إلى ذهب، وهو رمز للتحول الروحي للإنسان نفسه من حالته الدنيا إلى حالته العليا.

    • الطقوس السرية: يذكر غينون "أسرار الكابيريين" (mystères kabiriques)، وهي طقوس قديمة كان أساسها صناعة المعادن، حيث كان الحدادون فيها يمتلكون جانبًا مزدوجًا: أرضيًا (ماديًا) وسماويًا (روحيًا)، يعكس اتصالهم بالمعادن والكواكب المقابلة لها.


 

خلاصة تطبيق المبدأ

باختصار، يطبق غينون مبدأ التناظر المزدوج على المعدن ليظهر كيف أن المادة التي تستخدم في العصر الحديث لتجسيد المادية والصلابة والانحلال (القطب السفلي) هي نفسها المادة التي كانت تستخدم في التقاليد القديمة كرمز للسمو الروحي والتحول (القطب العلوي). هذا التناقض الجذري هو ما يميز نظرة غينون عن أي تفسير مادي بسيط.

 

 

مبادئ رينيه غينون الفكرية

(أي المبادئ التي ينطلق منها للقراءة والفهم)

 

 

يؤسس رينيه غينون تحليله لمعنى "علم المعادن" على مبادئ فكرية معينة، يمكن استخلاصها من النص، وهي:

1. مبدأ النظرة الدورية للتاريخ

التاريخ ليس خطيًا صعوديًا: لا يرى غينون أن التاريخ يتطور بشكل خطي صاعد نحو الأفضل، بل يراه كدورة لها مراحل صعود وهبوط.

الهبوط نحو المادية: يصف العصر الحديث بأنه يمثل مرحلة "هبوط" في الدورة. ويستدل على ذلك بتزايد الاعتماد على المعادن في البناء والصناعة، لأن المعدن أكثر "صلابة" ومادية من الحجر، الذي هو بدوره أكثر من الخشب. هذا التدرج يعكس التوجه نحو المادية والكمية في الحضارة.

يرفض غينون فكرة التقدم الخطي اللانهائي، ويرى أن التاريخ يسير في دورات، وأن المرحلة التي نعيشها حاليًا هي مرحلة "تدهور" مستمر. هذا التدهور لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل يشمل الجانب الروحي أيضًا، حيث يتجه العالم تدريجيًا نحو المادية المطلقة وفقدان الجوهر.

 

2. مبدأ ازدواجية الرموز (التناظر العكسي)

الجانب المزدوج للمظاهر: يؤمن غينون بأن كل مظهر في الوجود له جانب مزدوج، علوي وسفلي، وهو ما يسميه "التناظر العكسي".

المعادن لها جانب "مُبارك" وآخر "ملعون":

الجانب الملعون: يُنظر إلى المعادن من منظورها المادي والكمي، حيث ترتبط بـ "النار الجوفية" و"العالم السفلي"، مما يجعلها ذات تأثير "ملعون". هذا الجانب هو الذي يتجلى في الاستخدامات العلمانية الحديثة للمعادن، مثل صناعة الأسلحة.

الجانب المبارك: يمكن تحويل المعادن واستخدامها بشكل "نُسكي" (روحي) ورمزي، مما يجعلها أداة للسمو الروحي. هذا هو الأساس الرمزي للخيمياء وبعض الطقوس القديمة التي كانت تعتمد على "مضادة" المعادن.

يؤمن غينون بأن كل شيء في الوجود يمكن النظر إليه من منظورين متناقضين، يمثلان قطبين متعاكسين: أحدهما علوي وسامٍ، والآخر سفلي ودنيوي. هذا التناقض ليس مجرد ثنائية بسيطة، بل هو تناظر عكسي يجمع بين أقصى درجات الكمال وأقصى درجات الانحطاط في مظهر واحد.

 

3. مبدأ وحدة "الواقع" و"الرمز"

الرمز ليس مجرد فكرة: يرفض غينون النظرة الحديثة التي تعتبر الرموز مجرد مفاهيم ذهنية أو قصص "أسطورية". بالنسبة له، الرموز التقليدية لها "قوة فعّالة" وتأثير حقيقي ومادي.

الظواهر المادية تعكس قوى روحية: يرى أن القوى المادية للطبيعة (مثل المعادن) هي مجرد "مركبات" لـ "قوى خفية" من نوع آخر. هذه القوى هي التي يجب على الإنسان الحذر منها.

رفض التفسيرات "التبسيطية": يستشهد غينون بأمثلة مثل عدم قدرة بعض الأشخاص على تحمل لمس المعادن أثناء بعض الحالات الروحية، ويرفض تفسير ذلك بـ "الإيحاء الذاتي" البسيط، مؤكدًا على وجود حقائق روحية لا يمكن للعقلية المادية إدراكها.

لا يرى غينون الرمز مجرد فكرة مجردة أو حكاية عابرة، بل يؤمن بأنه يتجاوز اللغة ليكون حقيقة فاعلة ومؤثرة في الواقع. بالنسبة له، فإن ما نراه من ظواهر مادية هو مجرد تجسيد لقوى روحية أعمق، لا يمكن فهمها بمعزل عن مبادئها الرمزية.

 

4. مبدأ النظرة الشمولية للعلم والمعرفة

رفض الفصل بين "المقدس" و"الدنيوي": يرفض غينون الفصل بين جوانب الحياة، مؤكداً أن المهن التقليدية كانت جزءاً من نسق روحي متكامل. هذا المبدأ هو الذي يفسر أهمية الأَنونيميّة في الفنون التقليدية، وكذلك التناقض المزدوج في نظرة التقاليد القديمة إلى صناعة المعادن.

العلوم التقليدية مبنية على مبادئ: يرى أن العلوم التقليدية القديمة (مثل الخيمياء الحقيقية) لم تكن مجرد ممارسات "تجريبية" عشوائية، بل كانت مبنية على مبادئ روحية وفلسفية عميقة. هذا يتناقض مع المنهج التجريبي الحديث الذي يصفه غينون بالسطحية.

مبدأ الهرمية الوجودية: يؤمن غينون بوجود هرمية في الكون، حيث يوجد الأعلى والأدنى، والجوهر والمادة. الأفراد والأشياء ليست متساوية القيمة أو الرتبة، بل لكل منها مكانته ودوره في هذا النظام الكوني. التبسيط المفرط الذي يسعى إليه العقل الحديث هو محاولة لهدم هذه الهرمية، وهو ما يؤدي إلى فقدان الجوهر والنزول إلى القطب الأدنى.

الوجود ليس سطحًا مستويًا، بل هو بناء شامخ يتكون من درجات. البساطة المادية التي يقدسها العقل الحديث، ليست إلا هبوطًا إلى قاع الوجود، حيث تُسحق الفوارق، وتُذبح الصفات، ولا يبقى سوى هياكل بلا أرواح، وتصير الكائنات مجرد أرقام في جمهرة لا نهاية لها.

 

M
T
G
Y
Text-to-speech function is limited to 200 characters

تعليقات

مواضيع المقالة