القائمة الرئيسية

الصفحات

الحكمة ما بين الفلسفة وَالدين الجزء (٢)

 

الحكمة ما بين الفلسفة وَالدين الجزء (٢)

مارس 15, 2021

زهراء زكي

تحرير: أبوالحسن 


Zahra Zaki

حسابها على الفيس بوك:

https://www.facebook.com/zahra.zaki.211466

 

الحِكْمة الأزليَّة وَالإنسان الكامل

كَتَب الفيلسوف والمُسْتشرق الفرنسي (هنري كوربين. Henri Corbin) في ملاحظاته، بأنّه بات مُقبِلاً على الكشف عن الارتباط بين: («الصوفيولوجيا اليونغية» وَتجسُّد صوفيا عند الروحانيين البروتستانت كـ«جاكوب بوهمه» وَأتباعه، وَالمدرسة الصوفيولوجيّة للروس الأرثوذكس عند «سيرجي بولغاكوف» وَ«نيقولاي بيرديائيف»، وَأخيراً الكون الروحاني في حِكمة إيران القديمة)([1]).

حَلْقة الوَصْل بين جميع هذه التيّارات الفكريّة هو محاولة الربط بين ما تمّ الفصّل بينه أي ما بين المجال الأخروي وَالمجال الزمانيّ، وَهو ما لا يتم إلَّا بنفخة روح (الحِكْمة. Sophia) في الجسد المادي الزماني؛ لذلك يقول هنري  كوربين ناقداً: (إنَّ الفَصْل بين اللاهُوت وَالفلسفة هو أول أعراض دَنْيَوَةِ الوعي، إذ صار اللاهُوت المجال المخصص للسلطة الروحيّة، في حين صار للفلسفة الحريات كلَّها، إلّا حرية أن تكون لاهوتاً. وَهنا كانت إرهاصات «الدنيوة الميتافيزيقيّة»، أي إبطال صفة «القَداسة» عن العالم([2]))، وَهو الفصل الذي يجمّد اللاهوت وَيميت الفلسفة، لذلك يقول الفيلسوف الروسي (فلاديمير سولوفييف. Vladimir Soloviev): (إنَّ الفلسفة العقلية ظلام، وَموت أثناء الحياة، غير أن هذا الظلام يمكن أن يكون بداية للحياة، إذ يستطيع الإنسان بعد أنَّ يدرك أنه «لا شيء» أنّ يصل إلى «أنَّ اللّٰه هو كل شيء»، وَمن ثم يستطيع أن يتلقى على كافة مشكلاته من تعاليم المسيحيّة القائمة على «الإله الحي»، لا على تصورات العقل المجردة([3])). فالفلسفة بدون اللاهوت تتَجزأَ وبذلك تَفقد معنى الحقيقة وَتبقى الوحدة مُعلَّقة في فضاء التجريد بعيداً عن الواقعية العينيّة. لذلك يقول:

(ما دامت الحقيقة تعني الوجود، بيد الكُل وحده هو الذي يوجد، فالحقيقة إذَنْ هي الكل. وَإذا كانت الحقيقة كذلك، فإن ما ليس كلَّا، أي الأشياء الجزئية إذا أُخِذت منفصلة عن الكل، فليست هي الحقيقة، لأنّها في انفصالها تتوقف حتى عن الوجود... فالحقيقة هي الكل في وحدته أو بوصفه واحداً)([4]).

وَوسط العتْمة لم يتمكن (سولوفييف) من رؤية «شموليّة الكل» إلا في أحضان (صوفيا. Sophia) التي تضمّ الكل بين ذراعيها، وَالتي شاهدها ليلًّا في الظلمة في صحراء مصر، واصفاً إيّاها([5]):

رأيت كل شيء، وَكان كل شيء صورة فاتنة

لجمال المرأة التي تمسك كل شيء وَكأنّه شيء واحد

وَكان اللامتناهي منطوياً في صورتها.

فمن هي الحِكْمة؟

ذكرنا مُسبقّاً في مقال «ما بين الفلسفة وَالدين ج (١)» بأن نمذجة الفلسفة كنموذج أنثوي كان مذكوراً في فلسفة أفلاطون، فقد ذكر في الجمهورية، الكتاب السادس تصورًا تراجيديًا للفلسفة واصفاً إيّاها بـ(وحيدة، كأنَّها فتاة تخلى عنها أقرب الناس إليها)، وَعن قلّة الداخليّن عليها يقول: (وَهكذا لن يتبقى سوى عدد ضئيل من الناس هم الذين يليق بهم الزواج من الفلسفة([6])). لذلك كان أفلاطون يرى أنّهُ لا مجال لإِرْجاعها إلى مصدرها الكُليّ الإلهي إلّا بالعمّل السياسي الصالح أي بإِنْشاء «المدينة الفاضلة» حيث يقول:

(أما لو وجدت الفلسفة حكومة تتفق طبيعتها وَإيّاها، فعندئذ سيتضح أنّها إلهية بحق)([7]).

وَهي إلهيّة بحق لأنها شموليّة وَلأنها شموليّة كانت وَما زالت من نصيب القِلّة، وَلا تكون كليّة حسب أفلاطون إلا باِتّحاد (باطن النفس) وَ(الوجود)، أي بمعنى آخر اِتّحاد (الفلسفة) وَ(اللاهُوت)، حيث يقول:

(إذا وصفنا من يعشق المعرفة حقاً بأنّهُ شخص ينزع بطبيعته إلى الحقيقة، وَبأنَّه لا يقف عند تلك الكثرة من الأشياء التي يتوهم الناس أنّها حقيقة، بل يظل يسعى وراء الحقيقة بلا كلل، وَلا يفتر عشقه حتى يصل إلى ماهية «كل شيء في ذاته»، عن طريق «الجزء من نفسه» الذي هو قادر على إدراك الماهيات لأنّ له من نفس طبيعتها، وَأخيراً، بأنّه إذا ما توصل بواسطة هذا الجزء من نفسه إلى الوجود الحقيقي وَاتّحد به، تولد من ذلك الاتحاد العقل وَالحقيقة)([8]).

وَرحلة النفس هذه في بحثها عن «مَبدأ الوجود» وَ«الحِكْمة المُطلقة»، طورتها الأفلاطونيّة المحدثة وَالتيّارات الغنوصيّة بصورة أكثر وضوحاً وَكونيّة في سردية محورها وَمركزها (صوفيا السرمديّة) أو (النفس الكليّة)؛ وَالتي دخلت الإسلام لاحقاً بترجمة كتاب من تاسوعات أفلوطين تحت عنوان (أثولوجيا أرسطو) المنسوبة خطأً إلى أرسطو، وَهي ما سنتحدث عنها في المقال.

في الأثولوجيا يقول أفلوطين عن «النفس الكلية» أنَّها تحركت من «العالم الأول» إلى «العالم الثاني» ثم إلى «العالم الثالث»؛ فالعالم الأول هو العالم العقلي وَعالم الغيب وَالملكوت الأعلى وَالألوهيّة، أما العالم الثاني فهو عالم النفس وَعالم المثال وَعالم الأشباح وَعالم الأرباب، أما العالم الثالث فهو عالم الشهادة وَالبرازخ الكليّة من الأجرام السماويّة وَالأرضيّة وَعالم المُلك؛ وَلنأخذ في الاعْتبار بأنَّ أفلوطين يصور هذه العوالم متحاذية وَمرسومة بصورة دائريّة طبقاً لحركة النفس الكلية الهابطة من المركز إلى المحيط بحركة دائرية تتكثف تدريجياً؛ وَيكمل قائلًّا رغم ابْتِعاد النفس عن العقل، بأنَّ:

(النفس على سلوكها تلك العوالم الثلاث، لم يفارقها العقل، لأنَّ النفس عقل تصَّور بـ «صورة الشوق»، فالعقل باطنها) فـ (النفس يفعل بالمدد المتصّل إليها من العقل.. إنمّا النفس واسطة بمنزلة الآلة للعقل، فجميع الحسن وَالبهاء وَالكمال في عالم الحس من العقل)([9]).

وَعن بداية ظهور الصور العقليّة وَبداية الخلق وَصيرورة العقل نفساً، يقول:

(فالعقل عندما نظر إلى نفسه «امتلأ» من أنوار عظمة الباري، وَمن تلك الأنوار بحسب ذواتها طلب العقل «الظهور» وَ«الاستجلاء»، وَليس العقل إلّا جملة هذه الأنوار، فاشتاق إلى الظهور من غيب الاستتار الجملي، وَقد كان يتأتى ذلك في المراتب التي تحته، إذا فوقه «غيب الغيوب»، وَكلّما نزل الأمر سفلاً، ازداد ظهوراً وَصار الإجمال «تفصيلاً»، وَمنتهى ذلك السفر هو العالم الحسّي الذي هو الشهادة المحضّة المقابلة لغيب الغيوب)([10]).

وَكما ذكر بأن الفاعل في الظهور التفصيليّ هي النفس الكلية بمدد العقل الكلي، فيقول عن رحلة ظهوراتها:

(المُّحرك لكافة التحريكات الصادرة من القوى المحركة الحيوانيّة وَالنباتيّة وَالطبيعيّة هي «النفس بوحدتها الجامعة»، لأنَّ لها من مبدأ حدوثها مع البدن استكمالات وَترقيات كونها بحسب آثارها صورة طبيعيّة ثم نباتيّة ثم حيوانيّة إلى أن يظهر الإنسان، وَكلّما وصلت إلى مرتبة كماليّة كانت حيطتها أو إِحاطتها أكثر وَشمولها على المرتبة أتم)([11]).

لذلك يعلّق القاضي سعيد القمّي بإمكان إِيْصال هذا العالم الظلمانيّ بالعالم العقلانيّ؛ فيقول مُقتبساً عن الشيخ الرئيس ابن سينا:

(إن كان إرسال النفس إلى هذا العالم رحمة من اللّٰه تعالىٰ على هذا العالم وَتزييناً له، بأن يكون فيه «حياة» وَ«عقل»، فإنّه ما كان يكون هذا العالم متقناً بالاتقان التام. وَقد يحسن ما هُو يمكن لهُ من الحياة العقليّة، فإذا كان كان ذلك ممكناً له، وجب أن يفيض من العناية الإلهيّة التي هي الوجود المحض... ثم لم يكن أن يكون لأجزاء هذا العالم حياة عقلية وَلا نفس لها، فلذلك أسكن فيه النفس ليتزين بها هذا العالم، وَليكون فيه من كل شيء ممّا في العالم العقلي ما يمكن، أي فيكون المادة الجسمانيّة فيه مصورة بصورة هي محاكية للصورة العقلية التي في عالم العقل، على ما يمكن أن يكون لها ضرب من الحياة كما هناك، وَأن يكون فيها منشأ حياة عقلية كما هناك)([12]). لذلك يقول القاضي القمّي: (هذا العالم ظِل للعالم الأعلى، فينبغي أن يكون كل ما في ذلك العالم من حقايق تتنزل إلى هذا العالم، ليكون في التماميّة قريباً منه مناسباً له مناسبة الظِل لذي الظل)([13]). 

وَلا يكون هذا إلا بالرؤية الفلسفيّة التي ترى بأنّ ظهورات عالمنا هذا مُحاكات لعوالم أكثر سمواً حتى تصل إلى «العالم العقلي»؛ حيث يقول: (للطبيعة ظاهر وَباطن، فكلّما جهدت «الصناعة» أن تنظر إلى باطن الطبيعة وَالفضائل وَالكمالات التي احتفت فيه، فهو أحسن وَأفضل). وَيضرب مثلاً على تصور هذه الكمالات العلويّة في المادة الأرضيّة حيث يقول: (كمثال صنعة قيدارس الصانع لمَّا صنع «هيكل المُشتري»، ترقى وَصعد من المحسوس إلى ملكوت الطبيعة، فصّور المشتري بحيث لو فرض أنّ المشتري أراد أن يتصور بكمالاته وَفضائله وَما يترتب عليه من الحسّن وَالبهاء، لكان بهذه الصورة)([14]).

لذا، على النفس الإنسانيّة وَلكونها الظهور الأعلى وَالأتمّ للنفس الكليّة إذا أرادت أن تَصِلَ عالمنا هذا بالعالم العقليّ فعليها أن تتجنب خطيئة الاستقلال عنه وَاسقاط الإلوهيّة لتنحصر في صنميّة الإنسان المحوريّ الأرضي دون السماوي؛ فالخطيئة بنظر أفلوطين مبعثها:

(حركة النفس في «سلسلة البُدُوِّ» وَ«القوس النزولي»، وَذلك حين أرادت النفس أن تستقل بنفسها وَتتفرد بما تطلبه من حيث «هي نفس»، وَبما يقتضي ما في ذاتها من الحقايق الطالبة للظهور في المظاهر، وَهي حالة مفارقتها للعقل، وَعدم التزامها له وَميلها إلى «الإثنينيّة» دون التوحيد. ذلك يأتي لها بأن يصرف نظهرها من العقل، وَألقَت بصرها إلى شيء ممّا دون العقل، فيحتاج إلى الذِّكْر وَالاسترجاع، فحينئذ تكون ذات ذِكْر).

وَبانفصالها عن العقل انحطت تدريجياً إلى العالم الأسفل، وَبشوقها الهابط انحطّت إلى الأجرام السماويّة، وَتشبهت بها، كأنّها صارت من جنس ذلك الموطن. وَبذلك وقعت في شباك الوهم نقيض العقل؛ فيقول عنها في هذه المرحلة: (تتشبه بالأشياء من جهة التوهم، لا من جهة العقل) وَبذلك (صارت النفس في مرتبة التوهُّم وَالتخيُّل شبيهة بالأشياء التي دونها)([15]).

وَلا يكون ختام عملية هبوطها في الأشياء المتناثرة إلا بتحوير حركة قوس البدو وَالنزول إلى حركة القوس العوديَّ أو الصعوديّ، وَلا يتم ذلك إلا بالخلاص من قوى الحواس نحو القوة السادسة وَ(هي القوة العقليّة وَالتي ليس بعضها في موضع وَبعضها في موضع، بل الكلّ بالكلّ) حتى تصل إلى عالم العقليات (حيث لا أبعاد لها، بل المركز هناك محيط بالدائرة)([16]).

الحِكْمة في الإسلام

الإسماعيليّة:

رسم هنري كوربين عند قراءته للمَأْثور الروسي الصوفيولوجي مصطلح (الصوفيولوجيا الشيعيّة. Shi'te Sophiology) بمحوريتها المُّتمركزة حول شخص فاطمة الزهراء عند الشيعة الإسماعيليّة وَالاثناعشرية حيث يقول:

(تشخص فاطمة  - صوفيا السرمديّة - هُو مصدر «الصوفيانيّة الكونيّة. Cosmic Sophianity».. هي صوفيا، التي هي الحِكْمة الإلهيّة وَالقوة التي تحتوي كل الأكوان)([17]).

فـ(فاطمة - صوفيا في الواقع روح؛ فهي روح الخلق، روح كل مخلوق، وَالجزء التأسيسيّ للإنسان وَالتي تظهر بشكل أساسي للوعي المثالي في صورة موجود أنثوي، وَهُو «النفس. Anima»، وَهي الأنوثة الأزليّة في الرجل. وَلذلك هي النموذج الأساسيّ للأرض الفردوسيّة)([18]).

وَتمحور الصوفيانيّة حول شخص فاطمة هُو لارتباطها الوثيق بما عُرف لاحقاً بـ (الإنسان الكامل) الذي لا يكون سوى من نسلها المصطفى الكامل؛ ففي مؤلف إسماعيلي توصف على أنّها (شجرة منها نبعت الإمامة، وَهي المعبّر عنها بـ«ليلة القدر» لعظيم قدرها، حجة الوصي التي هي خير من ألف شهر، أي من ألف من الحجج يقومون بالدعوة إلى أولي الأمر، تتنزل «الملائكة» وَ«الروح» فيها، يعني ينشأ في دعوتها الأئمة الذين هم للعالم مملوكون، وَتنزل الأرواح وَهي العلوم الحقيقية التي يعرف بها ما كان وَما سيكون.. أمّا قوله: «حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» أي إلى قيام القيامة الذي على يديه يكون الحشر وَالنشر، فاتصلت في عقب فاطمة الإمامة إلى اليوم المعلوم) حيث أظهرها اللّٰه (لينتسب الأئمة إليها فيقال الفاطميّون) وَحدّ معرفتها (جميع مافي السمّوات وَالأرض في قبضتها، فمن عرفها بهذه الصفة فقد نال ملكوت السمّوات وَالأرض) لذلك فهيّ منبع الحِكْمة، فهي الليلة المباركة التي «فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» (وَالأمر الحكيم الجاري في مقامَات الأئمة)([19]).

وَيذكر في حديث الرسول عن «السفرجلة» التي أكلها الرسول في الجنة ليلة العروج، فـ(معنى السفرجلة  هي المادة العلوية من «المشيئة»، فأرادت المشيئة أن يكون لها في الأرض «مثال» فصارت فاطمة)([20]). فكما مِن العقل وَالنفس ظهور العقول الروحانيّة (فمن علي وَفاطمة قيام «قائم الأئمّة»...)([21]). فقائم الأئمة هُو المصطلح الأقدم لما سيعرف لاحقاً بـ(الإنسان الكلي) أو (الإنسان الكامل). ففلسفياً أول ما طرح هذا المفهُوم في رسائل «إخوان الصفاء وَخلان الوفاء» وَيتفق الإسماعيليّة بأنّ كاتب هذه الرسائل هو أحد الأئمة المستويرن المدعو أحمد ابن عبداللّٰه ابن محمد ابن إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق وَالمقلب بالتقي، وَبأنها ظهرت إلى النور في عهد (المأمون العباسي)؛ وَالنقطة المهمّة في الرسائل هو ربط النفس الكليّة بالإنسان الكامل، فلدى الإخوان النفس الكليّة هي نفس العالم بأسره، فالنفس الكليّة في عالم الجواهر الروحانيّة تقابلها في عالم الأجسام وَعالم الكون وَالفساد «النفس الناطقة الإنسانيّة»، وَهذه النفس تتمتع في عالمها بكافة خصائص وَصفات وَوظائف النفس الكليّة، وَهي الفكرة المستندة على قوله تعالى: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً» البقرة: ٣٠، وَهذا الخليفة ليس سوى الصورة البشرية المتمثلة في آدم الذي علمه اللّٰه الأسماء كلّها. فـ (آدم) مثال للعقل الكلي الفعّال.. وَهو «الصورة الإنسانيّة» الباقية في كافة ذرية آدم بصفتها الكليّة لا الجزئية، وَذلك لسببين:

١) أنّ صورة آدم تحمل مسبقاً صورة كل من أتى من ولده وَمن جاء بعده من نسله.

٢) أنّ «الإنسان المطلق الكلي» هو المطبوع على قبول جميع الأخلاق وَإظهار جميع الصنائع وَالأعمال، لا الإنسان الجزئي.

لذلك يقولون: (وَاعلم بأنّ كل الناس أشخاص لهذا الإنسان المطلق، وَهو الذي أشرنا إليه أنّه خليفة اللّٰه في أرضه منذ يوم خلق آدم أبو البشر إلى يوم القيامة الكبرى، وَهو النفس الكليّة الإنسانيّة الموجودة في كل شخص  لقوله: «مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ»)([22]). فهذه الصورة الإنسانيّة «صورة واحدة»، وَإنّ كانت أشخاصاً كثيرة، فإنَّ حكم جميع الأشخاص في هذه الصورة كحكم جميع أعضاء البدن الواحد لصورة نفسه، فهي متحكمة في جميع البدن على عضو عضو وَمفصل مفصل وَحاسة حاسة.. وَهكذا حكم هذه الصورة في جميع أشخاص البشر الأوليّن وَالأخرين). وَمن هنا تدخل ولاية الإنسان الكامل في الحكم وَالسياسية حيث يرى إخوان الصفاء أنّ «روح اللّٰه» أو «روح القدس الأمين» التي تسري في جسم العالم كلّه تختص من الأشخاص «الإنسانيّة الفاضلة» من الأنبياء وَالمرسلين وَالعباد الصالحيّن، وَأن الصورة الإنسانيّة خليفة اللّٰه في أرضه، القائم بتدبير عالمه السفلي. وَأنّ له في كل زمان وَفي كل قران شخصاً فاضلاً يلقى إليه في أمره ما يكون به صلاح أهل ذلك الزمان([23]).

وَالناطق هو الصورة الفاضلة الكاملة المادية للأمر، وَالذي يتلقى الفيض وَالتأييد من العقل الكلّي عن الباري جل اسمه بوجه روحاني، وَيوصله إلى العالم بوجه جسماني؛ فبذلك لا تخلو الأرض من وجود النفس الجزئية التي تتراءى فيها ما في الصور الإنسانية الكليّة([24]). فهذا الشخص الفاضل هو «وجه اللّٰه» في العالم السفلي، كما أنَّ العقل هو وجه اللّٰه في العالم العلوي([25]).

وَكذلك من المؤلفات الإسماعيليّة المبكرة وَالتي ترجع إلى بدايات الحركة القرمطيّة، مؤلف شجرة اليقين لداعي عبدان قرمط؛ حيث يذكر (أن لا إله إلّا اللّٰه فيها اسمان لطيفان وَهما «اللّٰه» وَ«إله»، وَكلمتان عاميتان وَهما «لا» وَ«إلا» أحدهما نفي وَالآخر إثبات؛ فاللّٰه دلالة على العقل وَإله دلالة على النفس البسيطين الذين هما أصل العالمين السفلي وَالعلوي وَمن فيهما) وَيقول فـ(إله دليل على التالي وَهو ثلاثة أحرف مقابل فريضة صلاة المغرب، وَأن اللّٰه جمع في صورتها الأصلين السفليين الذين هما الناطق وَالصامت)([26]). بمعنى الرسول وَوصي الرسول أمّا صلاة المغرب فدلالة على القوس النزولي الذي يبدأ من عمود الظهر وَيختم ببزوغ الفجر دلالة على قيام القائم الإنسان الكلي؛ وَيذكر في موضع آخر بأنَّ (آدم وَزوجته هما أبوا البشر وَالعقل وَالنفس هما أبوا الإنس) (كما أنَّ الإنس محصُول جميع الحيوان وَسائر الأشياء التي تقدمته، كذلك «القائم» محصُول جميع الإنس)([27]).

الإثناعشرية

برز الاثناعشرية كحضور وسط المدارس الإسلاميّة، كمدرسة عقليّة كلاميّة وَالتي انتعشت في بغداد في عهد الدولة البويهيّة الشيعيّة؛ وَكانت هذه المدرسة الأم للتيار الأصوليّ الشيعي المستمّر إلى يومنا هذا وَالذي انتقلت مراكزه من بغداد إلى النجف ثم إلى الحلة ثم إلى جبل عامل في لبنان وَمن هناك انتقل هذا التيار إلى بلاد فارس في العهد الصفوي؛ فبالرغم من تصدر الشيعة الإماميّة الاثناعشريّة في المباحث العقليّة الكلاميّة إلا أنّ هذه الطائفة ظلّت بعيدة عن مجال الفلسفة المربوطة بالحِكْمة وَالعرفان وَالتي كانت آنذاك منحصرة على الطائفة الإسماعيليّة، وَكانت إيران آنَذاك من المراكز القوية التي نضجت فيها الفلسفة الإسماعيليّة المدمَجَة بالأفلاطونيّة المحدثة؛ وَهو التيار الذي نهض به الدعاة الإسماعيليون هناك كـ (أبو حاتم الرازي م: ٣٢٢ هـ) وَ(محمد بن أحمد النسفي م: ٣٣٢ هـ)([28]). وَنضج هذا التيار الإسماعيليّ الباطنيّ في بلاد فارس جعل منه لاحقاً تربة خصبة لإحياء الثيوصوفيا الشيعيّة الاثناعشرية.

بدأت المنظومة الفلسفيّة الصوفيانيّة الاثناعشريّة تتشكل في فترة الحكم الصفوي، خصوصاً في عهد الشاه عباس الأول؛ مثلت فترة حكم شاه عباس الأول العصر الذهبي للأسرة الصفويّة عندما ازدهرت العلوم وَالتعليم وَالنشاطات الفنيّة تحت رعاية الأسرة، وَحظي علماء الاثناعشرية آنذاك بتسهيلات إضافيّة عبر تأسيس عدة مدارس دينيّة في «أصفهان» وَالتي ظهر منها العديد من حكماء الشيعة([29]). حيث تمكن أولئك الباحثون، ممّن كانوا فلاسفة وَعلماء دين في آن واحد، من دمج عدد من التقاليد الفلسفيّة وَالكلاميّة وَالعرفانيّة بطريقة أصيلة في تركيب ميتافيزيقي ضمن منظور شيعي عُرف باسم (الثيوصوفيا. Theosophia)([30]).

وَظهرت مدارس الحِكْمة بأسماء عدة تتوجه لغاية واحدة كالحكمة اليمانيّة وَالحكمة المتعاليّة وَالحكمة السامية وَهي المدارس التي تنتمي لأسَاطِين الحكمة في العهد الصفويّ وَما بعده وَهم الميرداماد الأسترآبادي، وَملا صدر الدين الشيرازي، وَملا هاديّ السبزواري([31]). كانت أصفهان آنذاك مركز لظهور الحكمة الشيعية الإشراقيّة، وَمن سمات هذه المدرسة الاستفادة من أساطين الحِكْمة اليونانيّة القديمة، وَالجمع بين المواضيع الفلسفيّة العقليّة وَالتعاليم العرفانيّة المنقولة عن شيخ اليونان أفلوطين عبر كتابه الأثولوجيا، كذلك نظريات السهروردي الإشرقيّة التي كانت إحياء لحِكْمة بلاد فارس القديمة([32]). وَيرى فرهاد دفتري: (أنّ عمل علماء أصفهان تركز على تطوير منظور فكري أصيل في الشيعة الفلسفية، بصورة متشابهة للتقليد الفكري الخاص بالإسماعيليّة الفلسفية الذي عالجه الدعاة الإيرانيون الإسماعيليّون في الأرضي الإيرانية خلال الفترة الفاطميّة)([33]).

استمرت مدرسة الحكمة المتعالية في أصفهان حتى حوالي العام (١٨٣٠م) حيث هاجر بعدها بعضاً من أساتذة الفلسفة في أصفهان إلى مدينة طهران، حيث تأسست هناك «المدرسة الطهرانيّة»، وَمؤسسوا هذه المدرسة: آقا محمد رضا قمشه اى، آقا علي الحكيم، السيد أبو الحسن أصفهاني، الميرزا حسين الأصفهاني([34]).

ثم تسللت مدرسة الحكمة المُتعالية إلى قم المقدسة عن طريق الإمام روح اللّٰه الخميني، وَذلك إنّ الإمام الخميني كان تلميذاً للشيخ محمد علي شاه آبادي، وَهو بدوره كان تلميذاً للشيخ الأشكوري وَالذي كان من خاصة تلاميذ اقا محمد رضا قمشه اى وَالذي يعّد مؤسس المدرسة الطهرانيّة وَمن كبار شراح فلسفة ملا صدرا الشيرازي([35])، حيث كان الإمام الخميني من الذين انتقلوا من مدينة أراك إلى قم، عندما نقل الشيخ عبد الكريم الحائري الحوزة العلميّة إليها حوالي العام (١٩٢٢ م). وَبدأ الإمام الخميني هناك تدريس الفلسفة وَالعلوم العقليّة في العام (١٩٢٩ م) أي قبل بلوغه الثلاثين. وَفي العام (١٩٣١ م) كان يعد من الأساتذة الكبار وَالمتخصصين في الفلسفة وَالحكمة الإلهيّة المتعالية؛ ثم بعد مدة بدأ بتدريس العرفان سراً لنخبة خالصة من الطلاب المعتمدين لديه. وَالإمام الخميني يعَّد الأستاذ الأول في الفلسفة في قمّ المقدسة آنذاك([36])، بذلك يكون أول من أدخل الحكمة المتعالية إلى قم بعد رحلتها من قزوين ثم إلى أصفهان ثم إلى طهران ثم إلى قم المقدسة.

بدمج الفلسفة في العقيدة الشيعية كما في الإسماعيليّة رُبطت النفس الكليّة بشخص فاطمة الزهراء حيث العلي العالي الأعلى هو صورة «العقل الكلي» وَأم الكتاب فاطمة الزهراء صورة «النفس الكليّة»؛ فالعقل الكلّي هو الأب وَالنفس الكليّة هي الأم، وَالذي ظهرت الموجودات عنهما؛ وَكون فاطمة الزهراء هي ظهور للنفس الكليّة فهي بذلك «أمّ أبيها» الخاتم([37]).

وَفاطمة الزهراء هي «ليلة القدر»، وَليلة القدر ذات مراتب كما أن جميع الحقائق الوجوديّة كذلك، كل مرتبة دانية منها رقيقة لعاليتها، وَعاليتها حقيقة لرقيقتها؛ وَمنازل السير الحبي الوجودي في القوس النزولي معبّر عنه بـ(الليل)، أما القوس الصعودي بـ(اليوم)، وَكون حركة النفس الكلية تتحرك ما بين القوسين ففاطمة هي ليلة القدر كما إنّها يوم اللّٰه؛ وَقوله فيها «تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا» فالملائكة هم المؤمنون الذين يملكون علم آل محمد وَالروح القدس هي فاطمة، وَقوله «سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ» يعني خروج القائم؛ بذلك ليلة القدر هي بنية «الإنسان الكامل» الذي هو صاحب القلب إذ تجلَّى له الغيب وَانكشف له السرّ([38]).

لذلك فبالرغم من ختم النبوة التشريعيّة إلّا أنَّ (النبوة الإنبائية) أو (النبوة العامة) هي نبوة مستمرة إلى الأبد، ينتفع منها كل نفس مستعدة لأن تسمع الوحي الإنبائي([39]). وَلكون فاطمة الزهراء تجسيد صريح لـ(صوفيا Sophia) فمنها تبدأ نقطة دراسة الحِكْمة، فهي الكيان الأنثوي الذي خلق (الحب. Eros) فينا، وَبعدئذ أرشدتنا إلى ما وراء ذاتها؛ فهي واهبة الولادة الروحيّة، لذلك فاطمة الزهراء يطلق عليها «أم أبيها» من عرفها عرف نفسه بذلك عرف ربّه([40]). وَبذلك صار للإنسان الكامل مجال مفتوح بحكم انفتاح الولاية أو النبوة العامة؛ وَالحكمة المتعاليّة كانت تأكيداً على هذه النبوة؛ فالمدرسة الأصفهانيّة جعلت من الإنسان الحكيم ليس مجرد المتفلسف بالعقليات المجردة، بل جعلت من الإنسان الحكيم قادراً على الإتصال بعالم الغيب الذي لا يمكن الوصول إليه بمجرد البرهان، بل عن طريق «تهذيب النفس»، لذلك يقول ملا صدرا الشيرازي:

(ليس المراد من الحِكْمة المشهورة عند المتعلقين من المتفلسفين بالفلسفة المجازية، المتشبثين بأذيال الأبحاث المقاليّة، بل المراد بالحكمة التي تستعدّ النَّفس بها للارتقاء إلى الملأ الأعلى وَالغاية القصوى.. وَهي الحِكْمة المعبر عنها تارة بالقرآن وَتارة بالنور عند العرفاء وَبالعقل البسيط عند الحكماء.. لا ينالها أحد من الخلق إلا بعد تجرده عن الدنيا) أما الملا هادي السبزواري فيعرف الحكمة: (صيرورة الإنسان عالماً عقلياً، مضاهياً للعالم العينيّ)([41]).

وَأصبحت رمزية المعراج النبوي المفتوحة للعرفاء معناها تذكَّر الأيام السالفة؛ فلا يقال للعارف عارفاً، إلا لأنّهُ يتذكر الأكوان السالفة، وَالنشآت السابقة على كونه المُلكيّ وَنشأته الطبيعيّة؛ فحقيقة المعراج الروحانيّ لدى العرفاء، حركة معنويّة انعطافيّة، تتم بها دائرة الوجود وَينتهي إلى عالم الغيب جميع ما في سلسلة الشهود. وَيحدث ذلك في القوس الصعوديّ وَالحركة الإنعطافيّة([42])، وَهي حركة الإنسان الكامل التي فصلّها الملا صدرا الشيرازي في أربعة أسفار:

١) السفر من الخلق إلى الحق

٢) السفر بالحق في الحق

٣) السفر من الحق إلى الخلق مع الحق

٤) السفر من الخلق في الخلق بالحق([43]).

بذلك ربطت الحكمة المتعالية الحكمة النظرية بالحكمة العمليّة، بذلك تتحدّ الحكمة النظرية المتعالية مع الحكمة العمليّة أي في السياسة وَالمجتمع وَبذلك تكون الحكمة أساس نشوء الحضارة في المجتمعات البشريّة، فالحضارة لا تقوم إلا بالمقدس؛ لذلك آمن أغلب الفلاسفة من الفارابي وَابن سينا وَنصير الدين الطوسي وَالملا صدرا وَمن على منهجهم بأنَّ التعقل البشري ذو صلة بـ(العقل الفعال)، فالعقل الفعال عقل منفصل وَحقيقة «عالميّة» ثابتة، وَكل ما يتصل به أو يتحد، إنمّا يتحد بـ «الحقيقة الكونيّة الواحدة»، وَيكتسب صفة كونه حقيقياً وَكونياً وَثابتاً.

فالإنسان الصغير يستطيع عن طريق ارتباطه التعقليّ بالعقل الفعّال، أن يرسم في ذهنه وَنفسه صورة حقيقية للإنسان الكبير الـ (Cosmos) أو (اللوغوس. Logos)، وَيوجِد في نفسه عالماً مشابهاً له، وَيتحلى بأخلاقه، فيتجلّى فيه الفصل المنطقي الأخير أي الناطق، فيتحول الإنسان الصغير إلى إنسان حقيقي كبير([44]). وَبهذا تكون للإنسان تمام «الولاية» فتتخذ ولايته شكلاً اجتماعياً تظهر في عالمنا في «صورة ثورة» وَنضال وَحكومة وَبناء حضارة، وَيكون الشأن الاجتماعيّ أمراً قدسياً وَإلهياً، يكون الإنسان فيه تجلياً (لاسم اللّٰه الجامع) الذي هو الإنسان الكامل وَيتمّ استخلافه من اللّٰه وَرسوله من أجل العمل؛ وَهذه المرحلة من الولاية الإلهيّة التي تناط بولي اللّٰه تنطبق على السفرة الرابعة من الأسفار المعنويّة الأربعة؛ حيث يرى صدر الدين الشيرازي كما رأى أفلاطون حكيم اليونان أنّ الذي يسخّر نفسه لخدمة خلق اللّٰه هم «أكمل» من الذين يستغرقون في الذات الإلهيّة وَيغفلون عن خلفه([45])، لذلك ليس غريباً بأن تتشكّل الكتابات المنهجيّة السياسيّة للمُلا صدرا بعد مرحلة السفر الرابع، وَهي مرحلة إبلاغ رسالة الحق إلى مظاهره في كسوة الكثرة عن طريق التدريس وَالتأليف وَتهذيب نفوس الآخرين؛ وَكان فكره السياسيّ المستلهم من نواميس أفلاطون وَمن الفارابي وَابن مسكويه وَالخواجه نصير الدين الطوسي يشكّل جزءاً من تراثه العلمي الثري، الذي لا يتسنى من دونه دراسة التحولات السياسيّة الاجتماعيّة في إيران المعاصرة، لا سيما الدور الفاعل للعلماء السائرين على نهج «الحكمة المتعالية» في إيقاظ الفكر الديني وَالسياسي، وَإحياء الدوافع الإصلاحية([46]).

ختام

ما بين الثيوصوفيا الإيرانيّة وَالصوفيولوجية الروسية:

يربط فيلسوف الحقبة الصفويّة قطب الدين محمد بن الشيخ علي الأشكوري الديلميّ ما بين المصطلح اليوناني (فيلسوف) وَالمصطلح العربي الإسلامي (نبوة)؛ فيقول: (سميت نبوّة مأخوذة من «النّبوة» وَهُو ما ارتفع من الأرض، فمعنى النبوّة هو الرفعة، وَمعنى النّبي: الرفيع وَإن كان بالتعلّم وَالدراية، وَسميت فلسفة في لسان اليونانيين وَالفيلسوف محب الحكمة وَأصله فيلاسوفيا، وَصوفيا: الحكمة أمّ الفضائل، وَمعرفتها مبعدة عن الرذائل، وَموصلة إلى الأوائل وَيلزمها صفات شريفة، أحدهما: أنّها تنُوّر النفس بالنّور الإلهيّ، فيشرف على جميع المجهولات العلميّة، فلا يخفى عليه شيء من المجهولات، كما يقال: إنّ آخر درجات الحِكْمة أوّل درجات النبوّة..)([47])، لذلك كان يرى أنّ «الحِكْمة» الموجودة بعد النبي في شريعته على معنين في معدنين مختلفين، وَلذلك وقع الاختلاف في الأمة بعد ذهاب صاحب الشّريعة، وَذلك أنّه أقام فرائض شريعته وَأحكام دعوته ظاهرة مكشوفة، وَجعلت تحت ظواهر أوامرها أموراً «خفيّة باطنيّة» مستورة لطيفة لا يمسها إلّا المطهّرون، كما قال تعالى: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» وَهذا قول (الربّانيين) من أهل بيت النبوة وَمعدن الرّسالة، وَهم أصحاب الحِكْمة الحقيقيّة، وَهم المطهرون من أدناس الجاهليّة وَالحكمة المجازيّة الموجودة بالاسم دون المعنى وَالحقيقة.

فلهذه العلّة وَمن أجلها وقع الاختلاف في أهل الشّرائع بعد ذهاب أنبيائهم، وَلهذه العلة غلب «أهل الباطل» على «أهل الحق» وَاستتر أهل الحق، حتى ظهور أمر اللّٰه وَعودة الحقّ إلى أهله، كما قال تعالى: «وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ»([48]). وَهذه الروح الباطنيّة التي تسري في ليل الظواهر، تجعل من المعتقد الشيعي معتقداً أخروياً أي في حالة حركة نحو جلاء «المعنى الكامل»، بذلك يكون التاريخ حركة تصاعديّة نحو الكل المقدس حيث نهاية التاريخ لحظة إِفْصاح الحِكْمة الحقيقة عن نفسها؛ فالميل الشيعي يكون دائماً متوجهاً نحو المستقبل، وَهو ما يفترض «تحولاً» في قلوب الناس؛ لإنّ اكتمال هذا الظهور «التدريجي» يعتمد على جهود أتباعه ليكونوا أتباعه([49]). وَهو ما يمنع دنيَوة المعتقد الشيعي وَالذي بدوره يضم الحركة الزمانية في الدائرة الوجودية الكليّة النزوليّة وَالصعوديّة وَيجعل من العالم حركة نحو الكشف الإلهي.

لذلك كان كوربين يميّز ما بين الإسلام السنيّ الظاهري، التشريعي، التاريخي وَالإسلام الشيعي، الباطني، الآخرويّ؛ وَمن هذا التمييز تتبع الثيوصوفيين الروس في مسألة «إشكاليّة العلمنة» وَالتي عرفها بـ (جتمعة الروحانيّ) أي إنزال الروحانيّ لنطاق اجتماعي ضيّق، وَهذا يعني محو الرؤية التي تتوجه للعالم وَللإنسان كـ (ما وراء)([50]).

وَفي هذا السياق تناول فلسفة اللاهوتي الروسيّ (الأب سرجيوس بولغاكوف. Sergius Bulgakov) وَالذي بدوره كان مطوراً لفلسفة فلاديمير سولوفييف المتمحورة حول المبدأ الأنثوي «صوفيا». كان بولغاكوف يعيش في عصر ذروة غزو الفكر الليبرالي البورجوازي من جهة، وَالفكر الماركسيّ من جهة أخرى؛ لذلك كان يلح كمّا كان سولوفييف على ضرورة مشاركة الكنيسة الخلاقة في كل مجالات الحياة الثقافيّة، فقد كان يؤمن بالتجديد المستمّر للعقائد الكنسية حيث يرى أنّ صياغة العقائد يجب أن تستمر حتى نهاية التاريخ([51])، لذلك سعى لدمج اللاهوت بالفلسفة، فكان يقول:

إنّ الفلسفة خادمة الدين، بمعنى إنّ الفلسفة تتناول معطيات التجربة، بيد أن معطيات الأنواع الأدنى من التجربة تكمل وَتتلقى دلالتها النهائية من ارتباطها بـ «الصورة العليا للتجربة»، أعني «التجربة الدينيّة» الكامنة وراء الوحي([52]).

لذلك كان يرى بإنّ الأسس الاجتماعية العليا لا توجد إلا في الدين؛ وَلا يكون الجمع ما بين مجال الملكوت الأرضي وَمجال الملكوت الإلهي إلا بولوج الإلوهي في العالم، حيث يخبرنا بأنّ مشيئة المخلوقات الإنسانيّة توجه لمواجهة متصارعة ما بين اللّٰه وَالعالم، وَهذا التوجه القصدي ميتافيزيقياً تمثّل في موقفيّن نهائيّن:

١) الوحدانيّة: حيث التمييز ما بين اللّٰه وَالعالم يتلاشى وَينتفي.

٢) الثنويّة: حيث «الهوة» تصبح أمر مسلّم به، ما بين الإلوهيّة المتعالية وَالموجودات المّحدودة.

وَتوسع «الفَجْوة» ما بين اللّٰه وَالعالم، يقلّل الحضور الإلهيّ في حياتنا، وَالنتيجة المنطقية لهذة الثنوية هو إزالة الأيقونات رمز المُّقدس وَنفي السر المقدس من عبادتنا، مما يؤدي إلى رمينا في هاوية «الإلحاديّة الخفية. hidden atheism» المتدفقة من هاوية  الليل الإلهي أو الغيب الإلهي. وَهذه الفجوة ما بين الغيب الإلهي وَالعدم في عالمنا لا يملأه من منظوره سوى المبدأ الأنثوي (صوفيا. Sophia)، التي تقوم بربط المطلق بالنسبي؛ وَذلك لكونها على علاقة بجميع الصور المثاليّة لموجودات العالم([53]).

فهي أي صوفيا الحدّ الفاصل بين اللّٰه وَالعالم بين الخالق وَالخليقة، فهي الفكرة الإلهيّة، موضوع حب اللّٰه، وَعن طريق هذا الحب المتبادل تتلقى «الكل»، وَباستسلامها للحب الإلهي تتصور كل شيء في نفسها؛ وَهي بدورها صورة العالم وَروح العالم وَالطبيعة الفاعلة في علاقتها مع الطبيعة المنفعلة / المطبوعة، بذلك هي الصورة الكامنة لكل الموجودات؛ أما الأرض إنما هي العدم الذي تلقى فعلاً فيض الصوفيانيّة، من ثم فهي «صوفيا بالإمكان». وَبذلك فهذه الأرض تعتبر حاضنة تدريجيّة للصوفيانيّة وَلاكتمالها فيها، بذلك فهذه الأرض «صوفيا كونيّة» وَعليه فهي إلهيّة بالإمكان، وَهذه الأرض منذ خلقها تضمّ في أعماقها أم اللّٰه المستقبلة، وَرحم التجسد الإلهيّ. إذاً بتّحول صوفيا من (الإمكان) إلى (الفعل) تؤلف مضمون العمليّة الكونيّة، وَذلك بفضل عشق الأرض للسماء. وَهو التحرر لها حيث يبزغ إشراق النور الصوفيانيّ، وَتصل ختاماً إلى الجمال وَالسمو الكليّ([54]).

لذلك قال (دستويفسكي): «الجمال سينقذ العالم» فهذا الجمال الصادق هو السمو بالعالم بالنشاط الصوفياني، وَهذا الاستهلاك لعمل اللّٰه الخلّاق سيتحقق في عصر أيون. aeon جديد، حيث (غاية التاريخ أن يُؤدي إلى ماوراء التاريخ، إلى حياة العالم الآخر، وَغاية العالم أن يفضي إلى ما وراء العالم، إلى سماء جديدة، وَأرض جديدة)([55]).



[1] -  Henry Corbin and Russian Religious Thougt. Hadi Fakhoury, p.227

 

[2]- عن الإسلام الإيراني. هنري كوربان، ص٥٧

[3]- تاريخ الفلسفة الروسية. نيقولاي لوسكي، ص ١١٣

[4]- نفس المصدر، ص ١٤٣

[5]- نفس المصدر، ص ١١٤

[6]-  جمهورية أفلاطون، المدينة الفاضلة. ت: أحمد فيّاض، ص ٢٩٨-٢٩٩

[7]- نفس المصدر، ص ٣٠١

[8]- نفس المصدر، ص ٢٩١

[9]-  أثولوجيا أفلوطين ترجمة: ابن ناعمة الحمصي، تعليقات قاضي سعيد القمّي، ص ١٠٥-١٠٦

[10]- نفس المصدر، ص ١٠٣-١٠٤

[11]- نفس المصدر، ص ١٠٧

[12]- نفس المصدر، ص ١٢٧

[13]- نفس المصدر، ص ١٢٨

[14]- نفس المصدر، ص ١٩٨

[15]- نفس المصدر، ص١٥٠-١٥١

[16]- نفس المصدر، ص ٢١٥

[17] - Henry Corbin and Russian Religious Thougt . Hadi Fakhoury , p234

[18]- نفس المصدر، ص ٢٣٦  

[19]-  زهر المعاني. الداعي إدريس عماد الدين القرشي، ص ١٧٤-١٧٥

[20]- نفس المصدر السابق، ص ١٧٧

[21]- نفس المصدر السابق، ص ١٧٩

[22]-  الفلسفة السياسية عند إخوان الصفاء. د. محمد فريد حجاب، ص ٢٣٤-٢٣٥

[23]- نفس المصدر السابق، ص ٢٣٦-٢٣٧

[24]-  نفس المصدر السابق، ص ٢٣٧-٢٣٨

[25]-  نفس المصدر السابق، ص ٢٣٩

[26]- شجرة اليقين. الداعي عبدان قرمط، ص ٩١

[27]- نفس المصدر السابق، ص ١٨-٢٠

[28]- تاريخ الإسلام الشيعي. فرهاد دفتري، ص ١٤٩

[29]- نفس المصدر السابق، ص ١١٤

[30]- نفس المصدر السابق، ص ١١٥

[31]- حكماء مدرسة أصفهان و دراسة خلق العالم من العدم. د. سعيد توكلي ص ٤٩

[32]- نفس المصدر السابق، ص ٦٣

[33]- تاريخ الإسلام الشيعي، فرهاد دفتري، ص 115-116

[34]- حكماء مدرسة أصفهان و دراسة خلق العالم من العدم. د. سعيد توكلي، ص ٦٣-٦٤

[35]- أعمال مؤتمر العرفان عند الإمام الخميني. المعهد الإسلامي للمعارف الحكمية ص ٢٦

[36]- زلال ما قبل الظهور. تراب إمامي، ص ٢٥-٢٦

[37]- حكمة عصمتية في كلمة فاطمية. حسن حسن زاده الآملي ص ١٧-١٨

[38]- نفس المصدر السابق، ص ٣٥-٤١

[39]- نفس المصدر السابق، ص ٤٣

[40]- The Voyage and The Messenger, H.Corbin, P228-229

[41]- حكماء مدرسة أصفهان و دراسة خلق العالم من العدم . د.سعيد توكلي، ص ٤٩-٥١

[42]- الأربعون حديثاً، آية اللّٰه العظمى الخميني: ص ٦٨٩-٦٩٠

[43]- المعهد الإسلامي للمعارف الحكمية ص 27

[44]- الملا صدرا و الفلسفة العالمية المعاصرة . يحوي مؤتمر الملا صدرا، كلمة المقدمة لسيد محمد خامنئي

[45]- جدلية النظر والعمل في التأسيس الإسلامي لإلهيات الحضارة. حبيب اللّٰه بابائي ١٦٧-١٦٨

[46]- إشكالية العلاقة بين السياسة الدينية والنظام الملكي . د. نجف لك زائي ص١٧٤-١٧٥

[47]-  محبوب القلوب. قطب الدين الأشكوري الديلمي ص٩٩-١٠٠

[48]- نفس المصدر السابق، ص ٩٧-٩٨

[49]- عن الإسلام الإيراني . هنري كوربان، ص 71

[50]- Henry Corbin and Russian Religious Thougt . Hadi Fakhoury ص٢٤٧

[51]- مصدر رقم (٣)، ص٢٨١

[52]- نفس المصدر السابق، ص٢٦٩

[53]- مصدر رقم (١) ص٢٣٠-٢٣١

[54]- مصدر رقم (٣) ص٢٨٦-٢٨٨

[55]- نفس المصدر السابق، ص٢٩٦

تعليقات

مواضيع المقالة