منطقُ الطير
رموز العلم المقدس، رينيه غينون، تر: عبد الباقي مفتاح
والصافات صفا
فالزاجرات زجرا
فالتاليات ذكرا
الآيات -1- 3 من سورة الصافات (37)
في العديد من التراثيات يتردد ذكر مسألة لغة مكتنفه بالأسرار تدعى منطق الطير، وهي طبعا تسمية رمزيه، لأن نفس الأهمية المعطاة إلى معرفة هذه اللغة كميزة مخصوصة بالعرفان الروحاني السامي، لا تسمح بأخذها بالمعنى الحرفي. وقد ورد في القرآن الكريم:
﴿وَوَرِثَ سُلَیۡمَـٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّیۡرِ وَأُوتِینَا مِن كُلِّ شَیۡءٍۖ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِینُ﴾ [النمل ١٦] (ب).
وفي آثار أخرى نرى الأبطال المنتصرين على التنين يوهبون فورا فهم منطق الطير، مثل البطل سيجفرياد (Siegfried) في الأسطورة الشمالية (ج). وبالفعل فإن الانتصار على التنين يفضي مباشرة إلى الفوز بالخلود ممثلا بشيء ما، كان التنين يمنع الاقتراب منه، وهذا الفوز بالخلود يستلزم بالأساس الرجوع إلى مركز المرتبة الإنسانية، أي إلى النقطة التي يحصل فيها الاتصال بالمراتب العليا للكائن (د)، وهذا الاتصال يتمثل في فهم منطق الطير. وبالفعل، فإن الطيور تؤخذ في كثير من الأحيان كرمز للملائكة، أي بالتحديد كرمز للمقامات العليا (هـ). ولقد سنحت لنا فرصة في موقع آخر لذكر المثل الوارد في الإنجيل حول هذا المعنى حيث تأتي طيور من السماء لتستقر فوق أغصان الشجرة، وهي نفس الشجرة الممثلة للعمود المحوري الذي يمر بكل مرتبة وجودية ليربط كل المراتب بعضها ببعض (1) (و).
وفي النص القرآني المذكور أولا، تعتبر كلمة الصافات على أنها تدل حرفيا على الطيور، لكنها مطبقة رمزيا على الملائكة؛ ولهذا فالآية الأولى تدل على تشكيلة المراتب السماوية أو المقامات الروحانية (2). والآية الثانية تدل على محاربة الملائكة للشياطين (ز)، أو القوى السماوية ضد القوى الجهنمية، أي التضاد بين المراتب العلوية والمراتب السفلية (3) إنها في الملة الهندوسية محاربة الديفا (Les Devas) ضد الأسورا (Les Asuras)، وأيضا تبعا لرمزية مماثلة تماما لما نحن بصدده جهاد غارودا (Garuda) ضد ناغا (Naga) الذي تجد فيه مرة أخرى الثعبان أو التنين الذي ذكرناه قبل قليل، وغارودا هو العقاب، وفي تراثيات أخرى يستبدل بطيور أخرى، مثل أبي منجل أو اللقلق أو مالك الحزين، وكلها أعداء قتالة للزحافيات (4).
وأخيرا في الآية الثالثة نرى الملائكة تالية للذكر، أي للقرآن حسب التفسير المعروف، وطبعا ليس هو القرآن المعبر عنه باللسان البشري، وإنما نموذجه الأعلى الأزلي المسطور في اللوح المحفوظ المنشور من السماوات إلى الأرض مثل سلم يعقوب، أي عبر كل مراتب الوجود الكلي. وكذلك يقال في التراث الهندوسي أن الديفا (أي الأرواح العلوية) في حربها ضد الأسورا (أي النفوس السفلية الشريرة) تتحصن (أشهان دايان) بتلاوة تسابيح من الفيدا؛ ولهذا السبب أخذت التسابيح اسم شهانداس (Chhandas) وهي لفظة تدل بالخصوص على الإيقاع (أو التناغم الموزون). ونفس المعنى موجود في كلمة (ذِكر) التي تنطبق في التصوف الإسلامي على صيغ موزونة مطابقة بالضبط للـ مانترا (mantras) الهندوسية، وهي صيغ يهدف تكرارها إلى إبراز تناسق منسجم متناغم بين مختلف عناصر الكائن، وإلى إنشاء اهتزازات تتيح انعكاساتها، عبر سلسلة المراتب الشاسعة التي يتعذر حصرها، فتح اتصال مع المقامات العالية، وهذا هو بصفة عامة السبب الجوهري والأصلي لوجود الشعائر.
وهذا كما نشاهد يرجع بنا مباشرة إلى ما ذكرناه في البداية حول منطق الطير الذي يمكن أيضا أن نسميه لغة الملائكة (ط). وصورتها في العالم الإنساني الكلام الموزون، لأن جميع الوسائل التي يمكن توظيفها للاتصال مع المقامات العلوية تعتمد على علم الإيقاع المحتوي على تطبيقات شتى. ولهذا جاء في أثر إسلامي أن آدم (ه) كان في الجنة الأرضية يتكلم بالنظم، أي بالكلام الموزون والمقصود هنا هذه اللغة السريانية التي تكلمنا عنها في بحثنا السابق حول علم الحروف، وهي التي ينبغي أن تعتبر بحق اللغة التي تترجم مباشرة عن الإشراق الشمسي والملائكي كما هو متجل في مركز المرتبة الإنسانية. ولهذا أيضا جاءت الكتب المقدسة في أساليب من الكلام الموزون، وهو كما هو جلي، أمر آخر غير مجرد أشعار بالمعنى الدوني الذي يريد أن يراه فيها ذووا الرأي القبلي المضاد للتراث الروحي من النقاد الحداثيين (ي). ومع هذا فلم يكن الشعر في الأصل هذا الأدب التافه الذي آل إليه بفعل انحطاط يفسره المسار الهابط للدورة البشرية، بل كان له طابع مقدس حقيقي (5). ويمكن أن نجد آثار ذلك الطابع حتى خلال العصر الكلاسيكي القديم عندما كان الشعر يسمى لغة الأرباب، وهي عبارة مكافئة لما أشرنا إليه، حيث أن الأرباب أي الديفا (6) كالملائكة يمثلون المقامات العليا. وفي اللاتينية كانت أبيات الشعر تسمى كارمينا (Carmina)، وهي تسمية مرجعها إلى استعمال الشعر في إقامة الشعائر، لأن كلمة كارمان (Carmen) مطابقة لكلمة كارما (Karma) (في السنسكريتية) التي ينبغي هنا أخذها بمعناها الدال بالخصوص على عمل شعائري (7).
والشاعر نفسه مترجم اللغة المقدسة التي من خلالها يستشف الكلام الإلهي كان يدعى فاتاس (Vates)، وهي كلمة تميزه كشخص موهوب مخصوص بإلهام نبوي إذا صح القول من الإنباء الروحاني لا من النبوة بالمعنى الشرعي. ثم بعد ذلك، بنوع من الانحطاط، لم يعد فاتاس سوى عراف سوقي، كما لم يمس كارمن سوى تعزيم أي عملية سحر دوني، ومنه اللفظة الفرنسية شارم (Charme) أي تعويذة سحرية. وهنا مرة أخرى مثال في أن السحر، بل وحتى الشعوذة، هو ما يتبقى كآخر أثر لتراثيات منقرضة.
إن هذه التنبيهات القليلة كافية في ظننا لبيان كم هم مخطئون أولئك الذين يستهزئون بالقصص التي تتكلم عن منطق الطير. وإنه لمن السهل جدا ومن البسيط جدا أن يقال عن كل ما لا نفهمه أنه خرافي. أما القدامى، فقد كانوا يعرفون جيدا ما يقولون عندما يستعملون اللغة الرمزية. والخرافة الحقيقية بمعناها الاشتقاقي المضبوط هو من يصارع الفناء عسى أن يحتفظ بنوع من البقاء، إنه بكلمة واحدة: الحرف الميت لكن هذا الحفظ نفسه الذي لا يستحق الأهمية كما قد يبدو، ليس بالرغم من ذلك أمراً مهانا، لأن الروح الذي ينفخ حيث شاء ومتى شاء، يمكن دائما أن يأتي ليعيد الحياة للرموز وللشعائر، وليعيد لها معناها الذي فقد مصحوبا بكمال سر خاصيتها الأصلية.
الهوامش:
(1) في رمز العصر الوسيط حول بيريد كسيون (Peridexion) (تحريف لبراديزیون Paradision)، نرى الطيور على أغصان الشجرة والتنين في أسفلها ينظر كتاب المؤلف الذي عنوانه: رمزية الصليب الباب التاسع. وفي بحث حول رمزية طائر الجنة (مجلة الإشعاع العرفاني، ماي - جوان (1930) استنسخ السيد شاربونو لاساي نحتا يظهر فيه هذا الطائر ممثلا برأس وأجنحة فقط، وهو الشكل الذي تمثل فيه الملائكة في كثير من الأحيان.
(2) كلمة (صف) هي إحدى الكلمات العديدة التي أراد البعض أن يجد فيها أصل كلمتي (صوفي) و(تصوف). ورغم أن هذا الاشتقاق لا يبدو مقبولا من الناحية اللغوية، إلا أنه مثله مثل غيره من نفس هذا النمط، يمثل على الأقل إحدى المعاني المتضمنة فعلا في هذه الكلمات، وذلك لأن المراتب الروحانية متطابقة جوهريا مع درجات السلوك الروحاني العرفاني.
(3) هذا التعاكس يترجم في كل كائن بالاتجاهين الصاعد والهابط، ويسميان في الملة الهندوسية بـ ساتوا (Sattwa) وتاماس (tamas) وهما أيضا في المزدكية الملة الفارسية القديمة، يرمزان إلى الصراع بين النور والظلمات المشخصين في أورموزد وأهريمن.
(4) ينظر في هذا الموضوع البحوث الجيدة للسيد شاربونو لاساي حول الرموز الحيوانية للمسيح. ومن المهم التنبيه على أن الضدية الرمزية بين الطائر والثعبان لا تنطبق إلا عندما ينظر إلى هذا الأخير في مظهره الشري؛ وبالعكس عندما ينظر إلى مظهره الخيري فإنه يقترن أحيانا بالطائر كما هو في رسم كانز الكو كهوائل (Quetta cohuail) في تراثيات أمريكا القديمة (ح)، وفي موقع آخر، نجد أيضا مرة أخرى في المكسيك، القتال بين النسر والثعبان وفي حال اقتران الطائر بالثعبان يمكن التذكير بنص من الإنجيل: كونوا وديعين كالحمائم وحذرين كالثعابين (القديس متى (160).
(5) يمكن القول بصفة عامة أن الفنون والعلوم لم تمس دونية دنيوية إلا بفعل انحطاطا مماثل جردها من طابعها التراثي المقدس، وبالتالي من كل دلالاتها السامية، وقد شرحنا فكرتنا في هذا الموضوع في كتاب باطنية دانتي (L'esoterisme deDante) الباب الثاني، وفي كتاب أزمة العالم الحديث (La Crise du monde moderne) الباب الرابع.
(6) اللفظتان ديفا (Devia) بالسنسكريتية وداس (Deus) باللاتينية هما نفس الكلمة الواحدة.
(7) كلمة بوييزي شعر (Poesic) مشتقة هي أيضا من فعل بواين (Poiein) في اليونانية، الذي له نفس دلالة الجذر كري (Kri) في السنسكريتية، ومنه جاءت لفظة كارما (Karma)، كما يوجد في الفعل كرايار (Creure) في اللاتينية بالمعنى الأصلي الذي كان يعرف له. ففي الأصل إذن، كان المقصود أمرا آخر تماما غير مجرد اختراع عمل فني أو أدبي بالمعنى السطحي الدوني الذي يبدو أن أرسطو رآه فيها قصرا عندما تكلم عن ما سماء علوما شعرية (ك).
(8) كلمة دفان (devin) أي عراف هي أيضا حرفت عن معناها، لأن أصل اشتقاقها ليس سوى كلمة ديفينوس (divinus) التي تعنى هنا ترجمان الأرباب وزجر الطير بالفرنسية أوسييس (auspices) من لفظة آفس اسبيسارا (aves spicere) أي مراقبة الطير في الفأل المأخوذ من طيران أو تغريد الطيور، هو قريب من منطق الطير تخصيصا، لكن من حيث دلالته الأكثر مادية، وبالرغم من هذا فهو أيضا ينطبق على لغة الأرباب (أي الأرواح العلوية) لأنها تنظر معبرة عن إرادتها من خلال ذلك الفال؛ وبالتالي فالطيور تقوم بدور الرسل (أي الحاملة للأنباء) وهو الدور المنوط عموما بالملائكة، رغم كونه مظهرا غير رفيع جدا (ومن معنى الإرسال اشتق اسم الملائكة نفسه أونج ange، لأن الكلمة الدالة عليه في اليونانية بالتحديد هي أنجلوس Angelos) (ل).

تعليقات
إرسال تعليق