الحِكمة ما بين الفلسفة وَالدين (الجزء ١)
مارس 15, 2021
زهراء زكي
ابتدأت الفلسفة بمقولة (اِعرف نفسك. gnōthi seauton)
فلسفة اليونان:
تجلت الفلسفة وَكشفت عن نفسها في بلاد اليونان منذ القرن السادس ق. م؛ فظهر فلاسفة اليونان أولئك كتيار نقيض للتيار الجماهيري السائد، أي تيار العبادة القائمة على أشعار هوميروس؛ فناقض تيار الفلاسفة التيارَ السائدَ بالبحث وَالدعوة وَالتحدث عن ذلك المُحرك المُبطَن وَالمُحتجِب وراء ظواهر الأشياء؛ وَعليه ظهر تياران فلسفيان: الأول من دعاة الحركة (rheontes) الذين يؤيدون الجريان الأبدي للأشياء، أما الثاني من دعاة السكون (stasiotai) الذين يقولون بسكون ما هو موجودة، وَ"السكون" اللفظة جاءت من (stasiotes) بمعنى (الثوري)، أي مَن يتجاوز حركة الظواهر بما وراءها، أي عللها الساكنة، وَمِن أشهر دعاة التيار الثاني في اليونان القديم بارمنيدس، وَفيثاغور، وَسقراط، وَأفلاطون.
فبارمنيدس هذا كشف عن فلسفته بصورة شعرية وَالتي تحكي قصة عروجه لـ(عالم النور) حيث يقول:
«أركبتني آلهة النور عربة فاخرة، وَأخذتنا بنات شمس إلى السماء، وَبلغت بنا إلى مدينة النور وَالضياء المحّض... إله العدالة (dike)، بوَّاب قصر النور الذي يمسك مفتاح ذلك المكان بيده الحديدية، لم يسمح لنا بدخول تلك المدينة، لكنه فتح البوابة بإلحاح من بنات الشمس تلكم، فدخلنا المدينة، وَرحبت بنا الآلهات هناك، وَلقنني العلم اللدنّي وَالشهودي، وَاستطعت إدراك حقيقة الوجود([1])».
(بنات شمس) المذكورات هُنَّ تعبير مجازي لما سيُعرف لاحقاً بالـ(مُثل الأفلاطونية-eidos)، وَالتي سيُّطلق عليها كذلك (أرباب النوع)، و(الكليات/المفاهيم الكلية)، و(الصور الخيالية)، وَالتي جائت من فعل (idein) بمعنى "الرؤية"([2]).
وَالمُثل الأفلاطونية لها ظهور في الزرداشتية تحت اسم (Fravartis)، وَهي كيانات أنثوية، نماذج أولية لكل الموجودات الذي يتألف منها الخلق النوراني([3]). حيث تذكر القصيدة بأنهن كُنَّ يُهدين نفس بارميندس الطريق، وَعند وصول المركبة البوابة النورانية، رفعت تلك العذراوات النقاب عن وجههن، وَهو رمز يبطن معنى ظهورهنَّ مُكاشفةً للمُدرِك بعيداً وَنقيضاً عن إدراك الحواس للجزيئات وَالظواهر المشاهدة حسياً دون الكليات وَالتي تدخل في حيز الظنون وَالآراء. ولاحقاً عندما تدخل نفس بارميندس مدينة النور وَالضياء المحض، تتكشف لهُ الحقيقة عبر الـ(نيموزين Mnemosyne)، إلهة (الذاكرة. mnene)، إذ كشفن له حقيقة الوجود بـ (التَّذكُّر)([4]).
وَالوجود المحض الذي كُشف للمؤلف هُو الحقيقة الوحيدة التي وضعها مُقابل (آراء أو ظنون الفانين. doxai brotôn)، فهؤلاء الفانين لا يستطيعون وَلن يستطيعوا معرفة الحقيقة مُطلقاً، إنما يبحثون بدلاً منها عن مجرد (إمكانيات متعددة). وَبحسب ما يذكر فإنهَّم يُقسِّمون الوجود إلى شكلين حيث يقول: (قرر الفانون تسمية شكلين من الأشياء الموجودة)، ثم يقرر هو في النص التالي: (أن واحداً من شكلي الواقع غير صحيح)، ثم يقول: (هذا الواحد ليس واحد من اثنين إنما هي وحدة الشيء، التي هي الوحدة الحقيقة التي تقع خلف النوعين المُتقابلين)، وَاعتبر الحقيقة المكشوفة هي الوجود وَالنورانية وَالإيجاب في مقابل آراء الفانين حيث يقف الليل وَالظلمة وَالعتمة الكثيفة وَالسلب وَالتي هي لا وجود. وبذلك يربط فيلسوفنا المعرفة بالكشف للوجود المحض في مقابل الظن، وَيعتبر كذلك من أوائل القائلين بفلسفة «وحدة الوجود» بقوله: (الشخص العاقل لا يعتقد إلا بوجود واحد هو كل الوجود)([5]).
مالحكمة؟
اعتبر بارمنيدس الفانون عُمي بلهاء، لهم عيون لا يُبصرون بها، وَآذان لا يسمعُون بها نداء حقيقة الوجود؛ وَمِن هذه الرؤية المُتقابلة بين نقيضين يُعرِّف أفلاطون معنى (فلسفة. Phio.Sophos).
لفظة حكمة في العربية اصطلاحاً بمعنى (إتقان في العمل وَالعصمة من الانحراف)، أما معرفياً (فالحكمة ما يجنب الإنسان الظلمة وَالجهل وَالضلال وَالانحراف)([6]). وَورد بأن غاية الحكمة هو (الكشف)، أي انكشاف جلال اللّه في ذاته وَصفاته وَأفعاله، وَهو ما عرف عند أهل الحِكمة بـ(المعرفة الربوبية)، وَبلغة اليونانين (أثولوجيا)، وَيسمى العرفاء بهذه المعرفة بالـ«الحكماء الإلهيين»، وَفي لسان الشريعة «أولياء» وَ«صديقين»([7]).
وَفي مناقشته لمفهُوم الفلسفة ربط أفلاطون ما بين (الرغبة. Eros) وَ(اللوغوس. Logos) في عملية المعرفة المجاوزة من الظاهر إلى الباطن؛ ففي محاورة المأدبة صرح بأن الـ(Eros) ذاته مُحباً للحكمة (philo sophos)؛ فـ(الإيروس) لكونه بحسب الأسطورة الإغريقية ابن (بوروس. Pòros) الوفرة وَ(بينيا. Penia) الفقر؛ لذلك فهو نقص بحاجة إلى الكمال وَالامتلاء؛ فهو حلقة وسط مابين الكُل وَالجزء، ما بين الامتلاء الكامل وَالمظاهر المتعددة، وَما بين المعرفة وَالجهل؛ فالإيروس هو القابلية الناقصة التي تسعى راكضة وراء الحكمة؛ لذلك ماثل أفلاطون على لسان الحكيمة (ديوتيما) بين الإيروس وَالفيلسوف، عندما سألها سقراط عن ماهية (محبو الحكمة. Philo sophéi) قالت: هم أولئك الذين يكونون وسط بين الاثنين مبين (الحاجة) وَ(الوفرة)، ما بين (الجهل) وَ(المعرفة)، فالإيروس يسعى للجمال دائماً، وَالحكمة هي الأكثر جمالاً، لذلك الإيروس مُحباً للحكمة([8]).
وَقصة (الإيروس) وَولادته مُطابقة عند أفلاطون لقصة (النفس) وَهبوطها؛ فالإيروس وُلد من خطيئة تزاوج الأب (الوفرة. Pòros)، الغني الحكيم الساكن في فردوس زيوس رمز الكمال، مع الأم (الفقر. Penia)، المتسولة عند أعتاب فردوس زيوس، وَالتي تسللت إليه وَضاجعت فيه (الوفرة) بغفلة منه، لذلك ولد مُتضمناً في باطنه نقيضين: الكمال وَالنقص؛ أما في (محاورة فايدروس) فـ(النفس) بالأصل كانت رائشة مجنحة، حيث يقول: (ما يسميه الناس بالحُب ذو الأجنحة، فإنَّ اسمه عند الخالدين «الريش. Pteros») وَقال: (الأجنحة لا ترجع إلا إلى فيلسوفٍ حقيقي، أو من كان من عشاق الشباب عشقاً فلسفياً)، وَالخطيئة تكمن في طبيعة النفس الإنسانية المركبة من جوادين: الأسود الانفعالي، وَالأبيض العاقل، تتصارع فيها الطبيعة المُفتقرة المُتمثلة بالجواد الأسود وَالطبيعة الخيرة المُتمثلة بالجواد الأبيض؛ حيث طبيعة الجواد الأسود الجامحة أهبطت النفس من عليين إلى أسافل الأرض، فيقول:
(إن النفس التي تفقد أجنحتها فإنها تظل تزحف حتى تصطدم بشيء صُلب فتقيم فيه، وَتتخذ جسماً أرضياً يبدو وَكأنَّه عِلَّة حركتها، بينما في الواقع هي مصدر حركته).
وَفقد الأجنحة يعتبر فقداً للكمال؛ فههنا وَبتساقط ريش الأجنحة فإنّ رغبة الحب في النفس تتجه هبوطاً موهومةً بإشباع نفسها بالأشياء الأرضية الناقصة دائماً وَأبداً، لذلك تظلُّ مفتقرةً دائِماً وَأبداً؛ وهذا يُقابل تصاعدها للحكمة، وَالتي تُشبِع شبقَ الرغبةِ فيها لتُختَمَ بتوحدها نحو غائية (الأشياء في ذاتها) لتحاكي بذلك كمال الآلهة([9]).
وَسنلاحظ بأن صراع الانفعالية الجامحة مع العقل، الذي يعطيه أفلاطون السيادة، ستكون الأمثولة الأساس في قصص هبوط النفس وَتنزلاتها في الفلسفة الأفلاطونية اللاحقة وَالغنوصية وَالعرفانية؛ فالإيروس بالرغم أنَّه نفحة إلهية به يتصاعد الإنسان وَيتجاوز العالم القائم إلا أنه أوَّل المُتمردين على النظام لرغبته بتجاوز حد العقل!
الحكمة وَالمعرفة
في أمثولة الكهف يستقصي أفلاطون أربعة سلاسل للمعرفة:
١) الخيال أو الوهم.
٢) الاعتقاد: فيه يتم الانتقال من «الظن. dixa» إلى «المعرفة. epistémi».
٣) الفكر الاستدلالي
٤) العقل: حيث فيه يرتفع إلى مقام «الرؤية المباشرة/الكشّف. noein»([10]).
إذ يفرق أفلاطون مابين الاِنْكباب المعرفي في حيز الشبيه المحاكي أي الظواهر وَالذي يقتصر على (الظنّ. doxa) وَبين الشيء الواقعي الذي يحاكيه هذا الشبيه وَالتي تعّد مقدمة للخروج الاستدلالي من عالم الطبيعة إلى عالم المُثل الثابتة، حيث يقول في (الجمهورية، الكتاب الخامس):
(فإذا كان هناك شخص يؤمن بوجود الأشياء الجميلة، دون أن يؤمن بوجود الجمال في ذاته، وَيعجز عن أن يتتبع من أراد أن يُطلعه عليه، فهل تظن أن هذا الشخص يحيا بحق؟ أليست حياته كلها حلماً؟ فلنتأمل معنى الحلم، أليس هو خلط المرء، سواء في يقظته وَفي منامه، ما بين الشبيه المحاكي وَبين الشيء الواقعي، الذي يحاكيه هذا الشبيه؟... أما ذلك الذي يسلم بوجود الجمال في ذاته، وَيتسنى له أن يتذوق هذا الجمال في ماهيته، وَكذلك الأشياء التي تشارك فيه، دون أن يخلط بين هذه الأشياء وَبين الجمال وَلا بين الجمال وَبين هذه الأشياء، فهل تراه شخصاً حالماً أم متيقظاً؟ يرد جلوكون: إنه متيقظ بالتأكيد، فيقول: إذن، فتفكير ذلك الرجل العارف يستحق أن يسمى معرفة، أما تفكير الآخر، الذي يبني أحكامه على المظاهر، فليس إلا ظناً.)
وَهذا المرء الميال إلى تذوق المعرفة، وَالذي يميز بين الطيب وَالرديء، أي من يخرج من دائرة الظن إلى المعرفة، وَمن دائرة الظلال وَالجزئيات إلى الكليات، هو فقط مَن يستحق أن يُسمَّى (فيلسوفاً)؛ وَعليه يستدل في (الجمهورية، الكتاب السادس):
(لما كان الفلاسفة هم القادرين على إدراك الأبدي غير المتغير، وَلما كان العاجزون عن إدراكه تائهين في بيداء التغير وَتعدد الصور ليسوا بفلاسفة، فأي الفريقين يجب أن يحكم؟).
إذ نراه يُشبِّه الأول بشخص حاد البصيرة وَالآخر بالشخص الأعمى، كما شبه بارمنيدس أهل الظنون الفانين بانعدام البصيرة وَالسمع المتشبثون بأذيال الظلام؛ فصفة الفيلسوف لدى أفلاطون هي في (تعلقهم الشديد بأية معرفة تكشف لهم عن شيء من تلك الماهية التي تظل باقية أبداً، وَالتي لا تنال منها تقلبات الكون وَالفساد). وَهنا يربط المعرفة بالرغبة بقوله: (أن رغبتهم تتجه إلى معرفة هذه الحقيقة بأسرها، وَأنهم لا يتنازلون بمحض اختيارهم عن أي جزء منها،... كما قلنا من قبل عندما شبهناهم بالعشاق وَمحبي التكريم). وَيربط الاتجاه نحوها بالعنف (erromenos) كجذبة الحب بعنف نحو موضوعه، حيث يقول:
(إذا ما اتجهت الرغبات بعنف نحو موضوع واحد، فإننا نعلم عندئذ أن اتجاهها نحو بقية الموضوعات سيغدو أضعف، مادام التيار قد مال كله هذا الاتجاه.. على ذلك، فإن الشخص الذي تتجه رغباته كلها نحو العلم وَما يرتبط به، لا يسعى إلا إلى اللذة التي تستمتع بها الروح وحدها، وَيدع جانباً لذات البدن، وَذلك إن كان فيلسوفاً بحق، لا مدعياً فلسفة).
هنا ربط أفلاطون ما بين الموت وَإماتة الجسد وَالتطهر من رذائل البدن الذي حبست فيه النفس وَبين تحرر الفلسفة خارجاً عن عالم الظن وَالظلال التي ضرب لها مثلاً بأمثولة الكهف؛ استعمل أفلاطون للجسد لفظة (Sôma) وَالتي اشتقت من لفظة (Sēma) بمعنى علامة قبر([11])؛ لذلك يقول في محاورة فيدون إن حياة الفيلسوف طريق يؤدي إلى الموت، أي موت الجسد وَانبعاث نفس الفيلسوف منه كما تنبعث روح المؤمن من القبر؛ وَهذا التصوير سنجده لاحقاً عند ابن سينا وَالملا صدرا، وَالتي تُّصور مراحل تدرج النفس العارفة وَالعائدة إلى ربها، حيث يصور لنا أفلاطون لحظة الموت كمرحلة يقظة وَصحو من غفلة الجسد، وَهذا ما ذكره أساساً بتشبيه أهل الظنون وَالظواهر بالنيام في حلم طويل كما ذكر أعلاه.
وَيتحدث عن هذا العارف المتطهِّر من صلابة الجسد بأنه (أحاط فكره بالزمان في كليته وَالوجود في مجموعه) وَهي دلالة على (العارف الكامل). وَيقول عن خاتمة هذا العارف: (يظل يسعى وراء الحقيقة بلا كلَل، وَلا يفتر عشقه حتى يصل إلى ماهية كل شيء في ذاته، عن طريق ذلك «الجزء في نفسه» الذي هو قادر على إدراك الماهيات، لأن له نفس طبيعتها، وَأخيراً، بأنه إذا ما توصل بواسطة هذا «الجزء» من نفسه إلى الوجود الحقيقي وَاتحد به، تولد من ذلك الاتحاد العقل وَالحقيقة، بحيث أنه، بعد أن يتمتع بالمعرفة وَبالحياة الحقة وَالغذاء الصالح، يكون عندئذ فقط قد استراح من عنائه وَبلغ هدفه). أي حصل على (الامتلاء) وَ(الشبع) الذي يشبهه بمحاورته الأخرى بالمأدبة الفردوسية على مائدة الإله زيوس، حيث يكمن هناك الامتلاء وَالحضور الإلهي).
وَمن جهة أخرى يدافع أفلاطون عن الفلسفة أو (صوفيا. Sophia) وَبتكليف لحمايتها من قِبل العرفاء بتشبيهها بسيدة جليلة أنثوية التجلي، حيث يتحدث عن أصحاب المغالطات الفلسفية كدخلاء عليها (هكذا تترك الفلسفة وحيدة، وَكأنها فتاة تخلى عنها أقرب الناس إليها، وَعلى حين يحيا أنصارها حياة زائفة لا تليق بهم، فإن حرمان الفلسفة من أهلها على حمايتها يشجع الدخلاء على اقتحام دارها وَتلطخ شرفها..)، وَالتصوير الأنثوي لصوفيا أو الحكمة سيظهر جلياً لاحقاً في الغنوصية وَبصورة النفس الكلية في الأفلاطونية المحدثة؛ فإذن من هم الأحق بالإقتران بالفلسفة؟
يقول لنا أفلاطون: (هكذا لن يتبقى بعد ذلك، سوى عدد ضئيل من الناس هم الذين يليق بهم الزواج من الفلسفة. قد تكون منهم طبيعة رفيعة هذبها العلم، وَظلت منفية بعيداً...)، وَيتابع أفلاطون فكرته عن أفضلية وَأحقية الفيلسوف السياسي بها على الفيلسوف المنفي لكون الأول يبذر البذور في محلها أما الآخر فيبذرها في غير محلها فيقول:
(فليس من بين أنواع الحكومات الحالية ما يلائم الطبيعة الفلسفية، من هنا فإن هذه الطبيعة تزيف وَتفقد طابعها الخاص، مثلما تتغير طبيعة البذرة النادرة إذا زرعت في تربة غير تربتها، وَخضعت للمؤثرات الجديدة، وَفقدت مميزاتها. وَهكذا تعجز الطبيعة الفلسفية عن الاحتفاظ بخصائصها المميزة، وَتتحول إلى طبيعة أخرى. أما لو وجدت الفلسفة حكومة تتفق طبيعتها وَإياها، فعندئذ سيتضح إنها إلهية..).
وَهذا نص مهم جداً من (الجمهورية، الكتاب السادس) حيث يتحدث بأن الفلسفة كما الدولة كما الطبيعة البشرية تنحّل عن جذورها وَالتي لا تنضج فتية مرة أخرى إلا بدولة الحكماء وَالفلاسفة فترجع لجذورها الإلهية؛ وَهنا يكرر أفلاطون كراهيته لتجدد الحركة لكونها حركة تغير انحلالية على الدولة وَالإنسان وَالفلسفة؛ لذلك فإن خير قرين للفلسفة هم الفلاسفة الإلهيون حصراً، فهم فقط من يرجعونها وَيخلصونها من حضيضها إلى جذورها الإلهية، وَلا يكون ذلك إلا بإقامة دولة الحكماء على شرفها؛ وَسنجد في محاورة (رجل الدولة) بأن التربة الخصبة لحكومة الحكيم الإلهي التي بها وَفيها تنضج الفلسفة وَتتكشف جذورها الإلهية، مُحاكية لتلك الحكومة التي يترأسها (الإله كرونوس) وَالذي يتجلى في زمن نوعي يُطلق عليه (Kiros) حيث يتم فيه الحضور الإلهي وَالذي يتدخل في حركة الزمن الانحلالي فيقلبه معكوساً لتكون لحظة الانقلاب لحظة الملء الإلهي، فيقول في المحاورة:
(حيث قهر الشر، في لحظة وضع اللّه العالم في نظام لما كان فيه من ضيق عظيم وَوحشي، بحيث أنّ الكل يمكن أن ينحل في العاصفة وَيختفي في الشواش اللامتناهي، فاستلم دفة القيادة (أي الإله) من جديد، وَجعل من نفسه مرجعاً للعناصر التي دبّ فيها الانحلال وَالاضطراب خلال الزمن الماضي، فرتبها في نظام وَأحياها وَجعل العالم باقياً خالداً)([12]).
وَهي اللحظة الحضورية الكبرى التي تكون مسبوقة بدمار شامل، وَهاته رؤية جلية لكل الحركات الثورية وَالتي تقفز ماوراء حركة الفقر الانحلالي نحو كمالية السكون سواء في النطاق الاجتماعي أو الإنساني أو المعرفي، فالدمار بالموت وَالتطهر هي اللحظات التي تسبق وَبالضرورة الكشف عن الأشياء في ذاتها، تلك التي تحتجب متخفية فيما وراء حركة الانحلال.
[1]- مسار الفلسفة في إيران وَالعالم خلال عشرين قرناً، سيد محمد خامنئي.
[2]- أفلاطون رائد المثالية، د . مصطفى نشار .
[3] - The Man of Light in Iranian Sufism , H . Corbin
[4]- بداية الفلسفة، هانز جوروج غادامير.
[5]- الفلسفة وَالعرفان في ضوء الإسلام، محمد صدر زاده.
[6]- مسار الفلسفة في إيران وَالعالم خلال عشرين قرناً، سيد محمد خامنئي.
[7]- كسر أصنام الجاهلية، صدر الدين الشيرازي.
[8]- أخلاق كونية لثقافات متعددة، بيير سيزاري وَسافيريو مارشينولي.
[9]- محاورة فايدروس لأفلاطون ترجمة وَتقديم: د . أميرة حلمي مطر
[10]- أخلاق كونية لثقافات متعددة، بيير سيزاري وَسافيريو مارشينولي.
[11]- من حيثية قصدية، فإن لفظة Sôma هي عينها لفظة (صم) العربية، فالجسد حقًّا هو (أصم) مثل قبر. المُحرر
[12]- أفلاطون المحاورة الكاملة ترجمة: شوقي داود تمراز

تعليقات
إرسال تعليق