الفصل الثاني: التمييز الجوهري بين "الذات" و"الأنا"
ولفهم تعاليم الفيدانتا المتعلقة بطبيعة الإنسان، من الضروري أولًا أن نُبرز بأقصى ما يمكن من الوضوح الفرق الأساسي بين "الذات" (Ātman)، التي تُعدّ مبدأ الكينونة ذاته، وبين "الأنا" الفردية، التي ليست سوى تمظهر جزئي محدود.
لكي نفهم فهماً دقيقاً ما تقرّره فلسفة الفيدانتا بشأن الكائن البشري، لا بدّ لنا في بادئ الأمر من التمييز تمييزاً أساسياً وواضحاً بين "الذات" (SOI) باعتبارها المبدأ الجوهري للوجود، وبين "الأنا" (MOI) التي تمثل الهوية الفردية المؤقتة والمقيّدة.
من نافلة القول أن نؤكد بأن استعمالنا لمصطلح "الذات" لا يعني، بأي حال من الأحوال، تبنّينا لتأويلات بعض المدارس التي استخدمت هذا اللفظ، لكنها لم تعرض سوى تصورات غربية تمامًا، ملفوفة في مصطلحات شرقية غالبًا ما أُسيء فهمها. ونحن لا نعني بذلك فقط دعاوى "الثيوصوفيين"، بل نشير أيضًا إلى بعض المدارس الزائفة التي تُنسب زورًا إلى الشرق، والتي شوّهت تعاليم الفيدانتا تشويهًا كاملاً، بذريعة تكييفها مع الذهنية الغربية، وقد سبق لنا أن تناولنا هذا الأمر بالشرح في مواضع أخرى.
إن إساءة استخدام بعض الألفاظ لا تُعد، في نظرنا، سببًا كافيًا للإعراض عن استعمالها، ما لم يكن بالإمكان استبدالها بلفظ آخر يؤدي المعنى نفسه بالكفاءة ذاتها، وهو ما لا يتوفر في هذه الحالة. ثم إن التشدّد المفرط في هذا الباب قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص عدد الألفاظ المتاحة للاستعمال إلى حدّ كبير، إذ قلّما نجد لفظًا لم يُستخدم، بدرجة أو بأخرى، على نحو مغلوط من قبل أحد الفلاسفة.
إن الكلمات الوحيدة التي نرى من الواجب استبعادها هي تلك التي وُضعت خصيصًا للتعبير عن تصوّرات لا تمت بصلة إلى ما نعرضه من تعاليم، كالمصطلحات التي تطلق على الأنظمة الفلسفية المختلفة، وكذلك الألفاظ الخاصة بمفردات "الغيبيين" وسائر "الروحانيين الجدد". أما الألفاظ التي لم يقم هؤلاء سوى باقتباسها من تعاليم سابقة، يقومون عادةً بسرقتها دون أدنى فهم لمعناها، فلا نرى حرجًا في استعمالها، بل نحرص على إعادة استخدامها مع إرجاعها إلى معانيها الأصيلة التي وُضعت لها في الأصل.
بدلًا من استعمال مصطلحي "الذات" (Soi) و"الأنا" (moi)، يمكن أيضًا استخدام عبارتي "الشخصية" و"الفردية" أو "الفردانية"؛ غير أنه لا بد من التنبيه هنا إلى تحفّظ مهم: إذ إن "الذات" يمكن أن تكون — كما سنبيّن لاحقًا — شيئًا أسمى حتى من مجرد "الشخصية". الفرق إذًا دقيق، لكنه جوهري: فالشخصية قد تكون وجهًا من أوجه الذات، أو تجليًا لها، لكنها لا تستوعبها بكليّتها.
لقد دأب الثيوصوفيون — الذين يبدو أنهم استمرؤوا تعقيد مصطلحاتهم — على استخدام لفظي "الشخصية" و"الفردية" بمعنى معكوس تمامًا للمعنى الصحيح الذي ينبغي أن يُفهما عليه: فهم يربطون الشخصية بـ"الأنا" (le moi)، والفردية بـ"الذات" (le Soi)، في حين أن التمييز السليم يقتضي العكس.
على العكس من ذلك، وفي الغرب نفسه، كان الفهم السائد قبل الثيوصوفيين أن الشخصية تفوق الفردية مرتبة ومقامًا، وذلك في كل السياقات التي جرى فيها التمييز بين هذين المصطلحين. ولهذا السبب، يرى المؤلف أن هذا هو الترتيب الطبيعي أو السليم بينهما، وأن من المفيد والمُستحسن الحفاظ عليه. أي إن "الشخصية" تُفهم على أنها تمثل البُعد العلوي أو الشمولي في الكائن الإنساني، بينما "الفردية" تشير إلى المحدودية والانحصار في الخصائص الذاتية والجزئية.
إن الفلسفة المدرسية (المدرسية السكولاستيكية) لم تكن غافلة عن هذا التمييز بين الشخصية والفردية، لكنها – برأي المؤلف – لم تُعطه قيمته الميتافيزيقية الكاملة، ولم تستخلص منه النتائج العميقة التي يتضمّنها في جوهره. وهذه الملاحظة، كما يشير، تنطبق على حالات كثيرة، حتى عندما تبدو الفلسفة المدرسية قريبة جدًا في بعض جوانبها من بعض تعاليم الحكماء الشرقيين. أي أن الفلسفة المدرسية ربما اقتربت من بعض المعاني العليا، لكنها بقيت محصورة في إطار تأويلي عقلي أو لاهوتي، ولم تنفذ إلى الجوهر الميتافيزيقي العميق كما هو الحال في الفيدنتا مثلاً.
على أي حال، فإن الشخصية، حين تُفهم فهماً ميتافيزيقياً، لا تمتّ بأي صلة إلى ما يُطلق عليه الفلاسفة المحدثون كثيراً مصطلح "الشخص الإنساني"، إذ إن هذا الأخير لا يعدو في حقيقته أن يكون الفردية الصرف، دون أن يبلغ مستوى "الشخصية" بالمعنى الأعلى. بل إن هذه الفردية، لا الشخصية، هي وحدها التي يصحّ وصفها بأنها "إنسانية" أو تخصّ الكائن البشري. وعلى وجه العموم، يرى المؤلف أن الغربيين، حتى حين يحاولون التعمق في مفاهيمهم بما يفوق ما يفعله غالب الناس، فإنهم كثيراً ما يخلطون بين الشخصية والفردية، فيجعلون ما هو في الواقع الجزء الأعلى من الفردية، أو مجرد امتداد لها، بمثابة "الشخصية"؛ وبهذا الفهم القاصر، تظل المفاهيم الميتافيزيقية الخالصة خارجة عن مدار إدراكهم، إذ إنهم لم يتجاوزوا حدود الفردي إلى ما هو كلي ومتعالٍ([1]).
«السوى» (le Soi) هو المبدأ المتعالي والثابت، الذي تُعد الكينونة الظاهرة – كحال الإنسان مثلاً – مجرد تحوّل عابر وعرضي له، تحول لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يمسّ هذا المبدأ أو يؤثر فيه، كما سيتضح ذلك بشكل أوسع لاحقاً في النص. وهذا «السوى» – من حيث هو كذلك – لا يتشخّص أبداً، ولا يمكن أن يتشخّص؛ لأنه يُنظر إليه دوماً من زاوية الأبدية والثبات، وهذان هما من الصفات اللازمة للوجود المحض (Être pur). وبالتالي، فهو لا يقبل أي تقييد أو تخصيص، إذ إن تخصيصه يعني جعله شيئاً «آخر غير ذاته»، وهو أمر يستحيل في المجال الميتافيزيقي. بكلمة أخرى: الـ«سوى» هو الحقيقة المطلقة الثابتة، وكل ما يظهر في عالم الظواهر من أفراد وأشخاص إنما هو مجرد انعكاس مؤقت له، لا ينال من حقيقته أو يحدّ منها.
إن «السوى» – بما أنه ثابت في حقيقته – لا يطرأ عليه أي تغير أو تحوّل ذاتي، بل إن ما يظهر من تنوّع وتعدد إنما هو مجرد تفعيل لإمكاناته اللامتناهية الكامنة فيه. وهذا التفعيل يتم عبر الانتقال – على نحو نسبي – من القوة إلى الفعل، وذاك في درجات لا حصر لها. لكن هذا «التحول» أو «التطور» لا يمسّ جوهره الثابت، لأنه ليس تحولاً حقيقياً في ذاته، بل هو تغيّر نسبي من منظور الظاهرة أو الظهور (la manifestation) فقط. فحين ننظر من جهة التجلي، يبدو كأن هناك تتابعاً وتدرجاً زمنياً، أما من جهة الحقيقة المطلقة، فلا وجود لشيء من ذلك، بل هناك آنية مطلقة – «حضور أبدي» (l’éternel présent) – حيث تكون الإمكانات بالفعل متحققة، حتى وإن كانت تبدو لنا – من زاوية معينة – كأنها ما تزال بالقوة. وبصياغة أخرى: كل ما يبدو وكأنه يتكشف عبر الزمان ليس إلا منظورا من زاوية النسبية، بينما في الحقيقة الكلية، لا يوجد سوى كمال ثابت ومتزامن في آنٍ واحد، بلا قبل أو بعد.
بالنسبة إلى الظهور الكوني (la manifestation)، يمكن القول إن «السوى» (le Soi) يفعّل إمكانياته في جميع أنماط التحقيق الممكنة، وهي أنماط غير متناهية من حالات الوجود. هذه الحالات تمثل بالنسبة للوجود الكلي أو الإنسان الكامل (l’être intégral) أطواراً أو أحوالاً مختلفة للكينونة. ومن بين هذه الحالات المتعددة، هناك حالة واحدة فقط – وهي خاضعة لشروط خاصة جداً هي ما يحددها – تشكل ما نسمّيه «الفردية الإنسانية». وعليه، فإن «السوى» هو الأصل الذي تنبثق منه جميع حالات الوجود، كلٌّ في مجاله الخاص، سواء كانت هذه الحالات: مُعلَنة (manifestées)، كالحالة البشرية أو الحالات التي تفوق الفردية، أو غير مُعلَنة (non-manifestées)، وهي تضم الإمكانيات التي لا يمكن أن تتجلّى بأي نحو، إلى جانب الإمكانيات القابلة للتجلّي ولكن بصورتها المبدئية (أي في وضعها الكامن أو الجوهري). ولكن، مع ذلك، فإن «السوى» لا يستمد وجوده من شيء خارج عنه، بل هو كائن بذاته، ومن ذاته، لا يتضمن في طبيعته الواحدة المتعالية والمطلقة أي مبدأ آخر خارجي، إذ هو وحدة تامة لا تقبل الانقسام([2]). وباختصار: «السوى» هو مبدأ كل الحالات الممكنة للوجود، سواء ظهرت أو لم تظهر، لكنه في ذاته يظل منزهاً عن كل تحديد أو افتقار، كائنًا أزليًا مطلقًا بلا مرجع خارجي.
الـ«ذات» (le Soi)، إذا نظرنا إليها من جهة علاقتها بكائنٍ معيّن، كما فعلنا آنفًا، فإنها تُطابق على وجه الدقّة ما يمكن أن نسمّيه «الشخصية» (personnalité). ويمكن — من حيث الدقة اللفظية — أن نُقيّد هذا المصطلح (أي: «الشخصية») ليُطلق فقط على الذات بوصفها أصلًا للحالات الوجودية الظاهرة (المُتجلّية)، على نحو ما تُسمى به «الشخصية الإلهية» (Îshwara)، إذ إنها تُعدّ مبدأً للتجلّي الكوني بأسره. غير أنّ بالإمكان، وبوجهٍ أوسع، أن نمدّ هذا المفهوم بالقياس ليشمل الذات من حيث هي أصلٌ لجميع أحوال الكائن ومراتبه، سواء منها ما هو ظاهر ومُتعيّن، أو ما هو غير ظاهر، أي كامِن في بطون الوجود ولم يدخل حيّز التجلّي.
هذه الشخصية التي نتحدث عنها، إنما هي تعيّن مباشر، أولي، وغير مُتعيَّن بتخصيص، لمبدأ يُعرف في اللغة السنسكريتية باسم آتما (Ātmā) أو باراماتما (Paramātmā). ويمكننا، إن لم نجد لفظًا أفضل، أن نشير إلى هذا المبدأ بـ "الروح الكونية" (Esprit Universel)، على أن نحتاط تمامًا من إسقاط أي دلالة فلسفية غربية معتادة على لفظ "الروح"، وبخاصة ألا نربطه بالمادة على طريقة الثنائيات الغربية الحديثة. ففي الفكر الحديث، كثيرًا ما يُفهم «الروح» بوصفها نقيضًا للمادة، وهذا راجع — ولو بشكل لا واعٍ — إلى التأثير العميق للثنائية الديكارتية (التي تُقابل دائمًا بين الفكر والمادة، أو بين النفس والجسد)([3]). أما في الفهم الذي يعرضه المؤلف هنا، فإن «الروح الكونية» هي مبدأ أعلى وغير منقسم، لا يُقابل بشيء ولا يُناقضه شيء، لأنها تحوي كل شيء في طيها، من غير أن تكون في مقابل أو تضاد مع «المادة» أو غيرها([4]).
الميتافيزيقا الحقيقية، ونؤكد ذلك مرة أخرى في هذا السياق، تتجاوز تمامًا كل الثنائيات التي تُعدّ ثنائية «الروحانية» و«المادية» نموذجًا لها. فهي أرفع من هذه التقابلات التي لا تمثل إلا نظرات جزئية أو مشروطة بالتحيّزات الفكرية والثقافية. ولذلك، فإن الميتافيزيقا لا تنشغل – ولا ينبغي لها أن تنشغل – بهذه القضايا الجزئية أو المصطنعة في كثير من الأحيان، والتي تنشأ عن توترات فكرية سطحية بين المفاهيم المتقابلة. لأن الميتافيزيقا – في حقيقتها – تنظر في الوجود من حيث هو وجود مطلق، غير مشروط، ولا خاضع لثنائية ولا تقابل، على خلاف المناهج الفكرية التي أسست على التجزئة والتحليل الثنائي. الميتافيزيقا لا تُعنى بالجدالات الفكرية بين «الماديين» و«الروحانيين»، لأن مجالها يتجاوز هذه التصنيفات المحدودة؛ فهي تشتغل على مستوى الحقيقة المطلقة التي لا تُدرك ضمن هذه الأطر الثنائية المشروطة.
يَنفُذ الـ«آتْما» (Âtmâ) في كل شيء، إذ إن جميع الموجودات ليست في حقيقتها سوى تعيّنات عرضية له أو تجلّيات طارئة عن مبدئه. ووفقًا لتعبير رامانوجا، فإن هذه الموجودات: «تشكل، بطريقة ما، جسده» مع التوضيح أن لفظ الجسد هنا لا ينبغي فهمه إلا بمعناه الرمزي أو المجازي البحت، لا الحرفي. ولا فرق في ذلك بين الأشياء ذات الطبيعة العاقلة وغير العاقلة، أي سواء كانت – بحسب التصنيفات الفكرية الغربية – روحية أو مادية؛ إذ إن هذه التفرقة ليست إلا تنويعًا في شروط التجلي والظهور، ولا تغيّر شيئًا في حقيقة المبدأ المطلق الذي هو غير مشروط وغير مُتجلٍّ بذاته. الـ«آتْما» هو الجوهر الواحد الذي تتفرّع عنه كل الكائنات، ووجودها لا يعدو أن يكون أطوارًا أو أحوالًا له. سواء كانت هذه الكائنات مما نُسميه "روحًا" أو "مادة"، فهي كلّها مندرجة في حضرته. أما التصنيف إلى مادي وروحي، فليس له وزن عند النظر من زاوية هذا المبدأ المطلق، لأنه لا يتأثر بهذه الانقسامات ولا يتحدد بها.
إن هذا المبدأ، في حقيقته، هو «الذات العليا» (Paramâtmâ، وهو المعنى الحرفي للمصطلح السنسكريتي، أي الـ«سُّوِي الأعلى» الذي يُشكّل الأصل الجوهري لكل ما هو موجود، بغض النظر عن كيفية وجوده أو درجته. فهو يظل دائمًا «هو هو»، أي ثابتًا لا يتغير، رغم تعدد مراتب الوجود وتنوّعها اللامحدود، سواء ضمن عالم الوجود المُتَجَلِّي (بمعناه الكوني الشامل)، أو فوق الوجود نفسه، أي فيما يُسمّى بـحالة اللاتجلّي أو عدم الظهور المبدئي. الـParamâtmâ هو الأصل الثابت وراء كل وجود، في جميع مراتبه ومستوياته، من الأعلى إلى الأدنى، ومن الظاهر إلى الخفي، بل وحتى فيما يتجاوز الوجود تمامًا. ومهما تنوّعت صور الوجود، فإن هذا الأصل لا يتبدل ولا يتجزأ، بل يبقى واحدًا متعاليًا عن كل اختلاف.
إن «الذات» (le Soi)، حتى بالنسبة لأي كائن معيّن، هي في الحقيقة عينها Âtmâ، لأنها بطبيعتها تتجاوز كل تمييز أو تخصيص، فهي ليست شيئًا متميزًا عن غيره، بل هي ما يتخطى كل انفصال أو تعيين. ولهذا السبب، يُستخدم في اللغة السنسكريتية نفس لفظ «Âtman» (الذي يعني الذات)، بدلاً من الضمير العائد إلى النفس «نفسه» أو «ذاته»، وذلك في جميع الحالات الإعرابية ما عدا حالة الرفع (النوميناتيف)، للدلالة على العودة إلى الذات عينها. بما أن «الذات» الحقيقية لا تنقسم ولا تختلف من كائن إلى آخر، فهي ليست «أنا» مقابل «أنت» أو «هو»، بل هي الجوهر الواحد الكامن خلف كل وجود فردي. ولذلك، فإن اللغة السنسكريتية تعكس هذه الحقيقة في بنيتها، بحيث لا تستعمل ضميرًا خاصًا للعودة إلى الذات، بل تُعيد كل شيء إلى «Âtman»، لأنه لا وجود في الأصل لغيرها على المستوى المطلق.
إذًا، فإن «الذات» (le Soi) ليست متميّزة حقًا عن Âtmâ، إلا عندما تُنظر إليها نظرًا خاصًا ومُميزًا من حيث ارتباطها بكائن معيّن، بل وبشكل أدق: من حيث ارتباطها بحالة معيّنة محددة من هذا الكائن، كأن يُنظر إليها ضمن حالة الوجود الإنساني مثلاً، ومن هذا المنظور الضيّق والمقيد فقط. ومع ذلك، فهذا لا يعني أبدًا أن «الذات» تصبح فعليًا شيئًا مختلفًا عن Âtmâ، أو أنها تنفصل عنه بأي وجه من الوجوه؛ فكما أشرنا سابقًا، لا يمكن أن تكون الذات «غير ذاتها»، أي لا يمكن لها أن تُفارق حقيقتها أو تتغيّر بسبب النظرة أو الزاوية التي نراها منها. فـ«الذات» منزهة عن أن تتأثر بأي اعتبار عارض أو قيد طارئ، سواء أكان ذلك من حيث زاوية الرؤية أو من حيث الظروف أو الحالات المحدودة. «الذات» الكلية واحدة في حقيقتها، وهي نفس Âtmâ، لكنها قد تُفهم وكأنها مختلفة فقط حين ننظر إليها من خلال فرد معين أو حالة وجود خاصة، كأن نقول: «الذات الإنسانية». غير أن هذا الاختلاف في الفهم لا يغيّر شيئًا من حقيقتها المطلقة؛ فهي لا تتجزأ، ولا تتأثر، ولا تنفصل عن الأصل الذي هو Âtmâ، حتى وإن بدا ذلك من وجهة نظرنا النسبية والمقيدة.
ما ينبغي قوله هنا هو أنّه بمجرّد أن نقوم بهذا التمييز بين «الذات» (le Soi) وحالة من حالاتها (كأن نربطها بكيان فردي معين)، فنحن نبتعد عن النظر المباشر إلى الذات في حقيقتها، لننصرف إلى تأمل انعكاسها أو صورتها المنعكسة داخل الفردية الإنسانية أو ضمن أي حالة أخرى من حالات الوجود. ذلك أن جميع حالات الوجود المظْهَر، من وجهة نظر «الذات»، متساوية تمامًا ولا امتياز لأيّ منها على الآخر، إذ كلها تمثّل إمكانات من إمكانات التجلي؛ لكن في السياق الحالي، ما يعنينا بصورة خاصة هو حالة الفرد الإنساني، بوصفها الحالة التي نتأمل من خلالها مسألة «الذات» هنا. حين نميز بين «الذات» وبين الفرد أو الحالة التي تظهر فيها، فنحن لا نرى الذات في ذاتها، بل نراها كما تنعكس في تلك الحالة الخاصة (مثل الفرد الإنساني). وهذا الانعكاس ليس هو «الذات» نفسها، بل هو تمثّلها داخل شروط معينة. ومع أن جميع الحالات التي قد تنعكس فيها الذات متكافئة من حيث المبدأ، إلا أننا الآن نركّز على كيفية تجليها في الإنسان بالذات.
هذا الانعكاس الذي نتحدث عنه هو ما يُشكِّل مركز الفردية، أي النقطة الباطنية التي تنظم وجود الكائن الفردي وتضفي عليه تماسكه وهويته. ولكن، إذا عُزل هذا المركز عن أصله، أي عن «الذات» (le Soi) ذاتها التي هي الأصل والمبدأ، فإنه لا يعود يتمتع بأي وجود حقيقي، بل يصبح وجوده وهميًا خالصًا، لأن كل ما له من حقيقة ووجود فهو مستمدّ بالكامل من هذا الأصل. إن مركز الفردية لا يكتسب وجودًا حقيقيًا إلا بقدر ما يشترك في طبيعة «الذات»، وهذا لا يتحقق إلا حينما يتجاوز فرديّته ويتحد بالكلّ، أي حين ينفتح على الكليّة ويتّحد بالمبدأ من خلال "التأله" أو "التوسّع نحو الكليّ" – ما يسميه المؤلف: universalisation. فالفرد (أنت، أنا، أيّ إنسان) يملك في باطنه نقطة مركزية، هي صدى الذات الكلية فيه. لكن هذه النقطة لا يمكن أن تكون حقيقية أو ذات معنى في ذاتها إلا إذا ظلت مرتبطة بالذات المطلقة. وإذا نسينا ذلك، وتعاملنا مع هذه الفردية كأنها كيان مستقل مكتفٍ بذاته، سقطنا في الوهم. حقيقتها الوحيدة أنها باب أو قناة إلى الكليّ، إلى الذات الكبرى (Âtmâ).
الشخصية، ونؤكد على هذا مجددًا، هي في جوهرها من مرتبة المبادئ، بالمعنى الأدق والأشد صرامة لهذا المصطلح، أي أنها تنتمي إلى المرتبة الكونية؛ ولذلك لا يمكن النظر إليها إلا من منظور الميتافيزيقا الخالصة، التي يشكّل الكوني مجالها الخاص. أما "الزائفون من الميتافيزيقيين" في الغرب، فلهم عادة راسخة في الخلط بين الكوني وبين أشياء تنتمي في الحقيقة إلى المرتبة الفردية؛ بل، ولأنهم لا يتصورون الكوني مطلقًا، فإنهم يطلقون هذا الاسم خطأً على ما هو في الواقع عامّ فحسب، وهو لا يعدو أن يكون امتدادًا للفردي لا غير. وهنالك من يذهب في هذا الخلط إلى أبعد من ذلك: فالفلاسفة "التجريبيون"، الذين لا يقدرون حتى على تصور العامّ، يسوّونه بالجماعيّ، الذي لا يكون في حقيقته إلا خصوصيًا. وهكذا، عبر هذه الانحدارات المتتالية، يُختزل كل شيء في نهاية المطاف إلى مستوى المعرفة الحسية، التي يعتبرها كثيرون المعرفة الوحيدة الممكنة، لأن أفقهم العقلي لا يتجاوز هذا المجال، ولأنهم يرغبون في فرض هذه الحدود على الجميع، وهي في الواقع ليست إلا نتاج عجزهم الذاتي، سواء أكان فطريًا أم مكتسبًا نتيجة تربية مخصوصة.
لدرء أي لبس من النوع الذي أشرنا إليه لتوّنا، سنعرض هنا، مرةً واحدة وإلى الأبد، الجدول التالي الذي يوضح الفروق الأساسية في هذا السياق، ونرجو من قرّائنا الرجوع إليه كلما دعت الحاجة، تفاديًا لتكرار مملّ للغاية:
1- الكوني (Universel)
2- الفردي (Individuel) يشمل: العام (Général) والخاصّ (Particulier).
والخاصّ (Particulier)يشمل: الجماعيّ (Collectif) والمُفرد (Singulier).

هذا التصنيف يهدف إلى ضبط المصطلحات وضمان عدم الخلط بين مراتب الوجود أو المعرفة المختلفة، خاصةً حين نتناول مسائل الميتافيزيقا بمصطلحات قد تتشوّش معانيها في الفكر الغربي الحديث.
من المهم أن نُضيف أن التمييز بين الكوني (l’Universel) والفردي (l’individuel) لا ينبغي أن يُفهم على أنه علاقة تقابل أو تضاد (corrélation)، لأن الطرف الثاني، أي الفردي، يزول تمامًا عند النظر إليه من منظور الطرف الأول، أي الكوني، ولا يمكن بأي حال أن يُعارضه أو يُقابله. وينطبق هذا الأمر أيضًا على العلاقة بين غير المُتجلّي (le non-manifesté) والمتجلّي (le manifesté). فقد يبدو في الوهلة الأولى أن الكوني وغير المتجلّي متطابقان، وهذا صحيح من زاوية معيّنة، إذ إن غير المتجلّي هو، من الوجهة الميتافيزيقية، ما يشكّل جوهر الوجود الحقيقي. لكن ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار وجود حالات من التجلّي تكون غير مشكّلة (informelles)، وهي لذلك متجاوزة للفردية (suprar-individuelles). وإذا اقتصرنا على التمييز بين الكوني والفردي فقط، فسنضطر إلى إرجاع هذه الحالات إلى نطاق الكوني، لا سيّما أنها تُعدّ، بطريقة ما، تجلّيات مبدئية أو أصلية (principielles)، على الأقل إذا قورنت بالحالات الفردية. غير أن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن أن كل ما هو متجلٍ، حتى في تلك المستويات العليا، يظل خاضعًا للشروط، أي إنه يظل نسبيًا.
إذا نظرنا إلى الأمور على هذا النحو، فإن الكوني (l’Universel) لن يقتصر على ما هو غير مُتجلٍّ (le non-manifesté) فقط، بل سيشمل أيضًا ما هو غير مُشكَّل (l’informel)، أي ما يضمّ في آنٍ واحد كلاً من الحالات غير المتجلّية وحالات التجلّي التي تتجاوز الفردية. أما الفردي (l’individuel)، فإنه يشتمل على جميع درجات التجلّي المُشكَّل (formelle)، أي كل الحالات التي تكون فيها الكائنات مقيَّدة بأشكال، لأن ما يُميّز الفردية ويُشكّل ماهيتها الجوهرية هو بالضبط وجود الشكل من بين الشروط التقييدية التي تُعرِّف وتُحدِّد حالة من حالات الوجود. ويمكننا أن نُوجز هذه الاعتبارات الأخيرة في الجدول التالي:
الكوني (Universel)
⎧ اللا-تجلِّي (Non-manifestation)
⎨ التجلِّي غير المُشكَّل (Manifestation informelle)
الفردي (Individuel)
⎧ الحالة اللطيفة (État subtil)
التجلِّي المُشكَّل (Manifestation formelle) ⎨
⎩ الحالة الكثيفة (État grossier)

إنَّ اصطلاحي «الحالة اللطيفة» و«الحالة الكثيفة»، اللذين يُشيرَان إلى درجات مختلفة من مراتب التجلِّي المُشكَّل، ستتمّ مناقشتهما بمزيد من التفصيل لاحقًا؛ لكن يمكننا أن نوضح من الآن أن هذا التمييز الأخير لا يصحّ إلا بشرط اتخاذ الفردية الإنسانية، أو بالأدقّ العالم الجسدي أو الحسي، نقطةً للانطلاق. فـ«الحالة الكثيفة» ليست إلا الوجود الجسدي نفسه، ذلك الوجود الذي لا تندرج فيه الفردية الإنسانية إلا من خلال إحدى كيفياتها، لا في تمام تحققها أو اكتمالها. أما «الحالة اللطيفة»، فإنها تشمل من جهة: الكيفيات غير الجسدية للإنسان (أو لأي كائن آخر ينتمي إلى نفس مرتبة الوجود)، وتشمل من جهة أخرى: جميع الحالات الفردية الأخرى التي تختلف عن الحالة الإنسانية هذه. ومن هنا، يتبيّن أن هذين المصطلحين لا يقابل أحدهما الآخر على نحو متماثل، بل لا يمكن حتى قياس أحدهما بالآخر، إذ إن أحدهما لا يمثّل سوى جزء من إحدى الحالات المتعددة بلا حصر التي تُكوِّن التجلِّي المُشكَّل، بينما يشمل الآخر كل ما تبقى من هذا التجلِّي([5]).
لا يظهر التناسق أو التماثل – ولو إلى حدٍّ ما – إلا إذا اقتصرنا في النظر على الفردية الإنسانية وحدها؛ ومن هذا المنظور تحديدًا، تقيم العقيدة الهندوسية تمييزها في المقام الأول. وحتى إذا تجاوزنا هذا المنظور لاحقًا، بل حتى وإن كنا لا نعتمده إلا لنفيه أو تخطيه في النهاية، فإن من الحق أن نقول: إن هذا هو الأساس الذي لا بدّ من اعتماده كنقطة انطلاق، وكمرجع للمقارنة، لأنه يتعلق بالحالة الوجودية التي نحن فيها الآن. وعليه، فإن الإنسان، حين يُؤخَذ بوصفه كائنًا تامًا، يتضمن جملةً من الإمكانيات أو الحالات التي تشكّل هيئته الجسدية أو الكثيفة (الخشنة)، مضافًا إليها عددٌ لا يُحصى من الإمكانيات الأخرى، التي تمتد في اتجاهات شتى متجاوزةً هذه الهيئة، وهي ما يُشكّل هيئاته اللطيفة (أو: الدقيقة). ومع ذلك، فإن جميع هذه الإمكانيات مجتمعةً لا تُمثّل في حقيقتها سوى درجة واحدة من درجات الوجود الكوني. ومن هذا يتبيّن أن الفردية الإنسانية هي – في آنٍ واحد – أعظم بكثير وأدنى بكثير مما يتصوره الغربيون عادةً:
● أعظم، لأنهم لا يعرفون منها إلا هيئتها الجسدية، وهي مجرد جزء صغير جدًّا من مجمل إمكانياتها.
● وأدنى، لأن هذه الفردية، التي يتوهمون أنها تمثل الإنسان في تمامه، ليست في الحقيقة إلا واحدة من حالات الكائن الحقّ، ضمن عدد لا متناهٍ من الحالات الممكنة، وهذه الحالات كلها، حتى لو جُمِعت، لا تمثّل شيئًا بالمقارنة مع الشخصية الحقيقية (أو الذات العليا)، التي هي وحدها الكائن الحق، لأنها وحدها تمثّل حالته الثابتة غير المشروطة، ولا يكون الحقيقي على الإطلاق إلا ما هو كذلك.
كلّ ما عدا ذلك، لا شكّ، هو حقيقي أيضًا، ولكن على نحوٍ نسبيّ فقط، بسبب تعلّقه بالمبدأ وكونه يعكس شيئًا منه، تمامًا كما أن الصورة المنعكسة في المرآة تستمدّ كامل واقعها من الشيء العيني الذي لولاه لم يكن لها وجود أصلًا. غير أن هذه الواقعية الأدنى، التي هي واقعية مشتقّة بالمشاركة، تُعدّ وهمًا بالمقارنة مع الحقيقة العليا، كما أن الصورة عينها تُعدّ وهمًا بالمقارنة مع الشيء الذي تعكسه؛ وإذا ما أُريد فصلها عن المبدأ وعزلها عنه، فإن هذا الوهم يغدو عندئذٍ محضَ لا واقع، ولا وجود له البتّة. ومن هنا يُفهَم أن الوجود، أي الكينونة المشروطة والمُتَجَلِّية، هو حقيقيٌّ من وجهٍ، ووهميٌّ من وجهٍ آخر؛ وهذه إحدى النقاط الجوهرية التي لم يفهمها قطّ الغربيون، والذين شوّهوا مذهب الـڤيدنتا (Vêdânta) تشويهًا فاحشًا بتأويلاتهم الخاطئة والممتلئة بالأحكام المسبقة.
ينبغي لنا أن نحذر الفلاسفة، على وجهٍ خاص، من أن يفهموا من «الكليّ» (الكوني/الشمولي – l’Universel) و«الجزئيّ» (l’individuel) ما يُسمّى في عرفهم «المقولات» (catégories)؛ ونذكّرهم، لأنّ الحداثيين على ما يبدو قد نسوا هذا الأمر، بأنّ «المقولات» بالمعنى الأرسطي ليست إلا أعمّ الأجناس، فهي إذن لا تخرج عن نطاق الفردي، بل تُحدِّد حدوده القصوى من زاوية معينة.
ولو أردنا أن نبحث عما يشبه الكليّ الحقيقي في الفلسفة المدرسية (المدرسيين/السكولاستيك)، لكان أولى بذلك ما يسمونه «الكليّات المتعالية» (les transcendantaux)، إذ إنها تتجاوز سائر الأجناس، بما فيها المقولات عينها.
غير أن هذه المتعاليات، وإن كانت تنتمي حقًّا إلى مرتبة الكليّ، فلا ينبغي أن يُظن أنها تمثّل الكليّ بأكمله، أو أنها أشرف ما ينبغي التوجّه إليه في علم الميتافيزيقا الخالصة؛ فهي وإن كانت تمتدّ على كلّ نطاق «الوجود»، إلا أنها لا تتعدّى الوجود ذاته، وهي لهذا السبب لا تتجاوز حدّ تلك الفلسفة التي تتوقف عند مرتبة الوجود فقط.
نعم، إن «الأنطولوجيا» أو علم الوجود تدخل حقًّا في صلب الميتافيزيقا؛ لكنها ليست الميتافيزيقا الكاملة ولا الشاملة، لأن الوجود (l’Être) ليس هو اللامتجلّي في ذاته، بل هو مبدأ التجلّي فقط؛ ومن ثمّ، فإن ما هو متجاوز للوجود أولى، من جهة الميتافيزيقا، بالاعتبار وأعظم شأنًا من الوجود نفسه.
بعبارة أخرى: إن المبدأ الأعلى (le Principe Suprême) هو برهمَ (Brahma)، لا إيشوارا (Îshwara)؛ وهذا ما تصرّح به بوضوح النصوص الأولى من براهمَ-سوترا (Brahma-Sûtra)، التي تفتتح بالكلمات التالية:
"الآن تبدأ دراسة برهمَ"
ويعلّق شنكراتشاريا (Shankarâchârya) على ذلك بقوله:
"إن الأمر بالبحث عن برهمَ في السوترا الأولى، هو دعوة إلى دراسة متأمّلة لنصوص الأوبانيشاد، باستخدام جدلٍ عقلي لا يخرج عنها ولا يتناقض معها، بل يتخذها أساسًا وأصلًا له، ويهدف مثلها إلى الغاية القصوى، وهي التحرّر (moksha)، على أن يكون الجدل وسيلةً خادمة لهذه الغاية، لا غاية في ذاته".
[1]- لقد ميّز السيد ليون دوديه، في بعض مؤلفاته (مثل L’Hérédo و Le Monde des images)، بين ما يُسميه «الـسـوى» (Soi) و«الأنا» (moi) في الكائن الإنساني؛ غير أن هذين الاثنين، في نظر المؤلف، يندرجان كلاهما ضمن نطاق الفردية، ولا يخرجان عن دائرة ما يتناوله علم النفس. أما الشخصية، بمعناها الميتافيزيقي الأصيل، فهي خارجة تماماً عن متناول هذا العلم. ومع ذلك، فإن وجود هذا التمييز عند دوديه يشير إلى نوع من الحدس المسبق أو الاستشعار الباطني لمعنى أعمق، وهو أمر جدير بالاهتمام، خصوصاً إذا علمنا أن هذا الكاتب لا يدّعي لنفسه التبحّر في الميتافيزيقا. وهذا يدل، على نحو ما، على أن بعض المعاني الميتافيزيقية قد تلوح أحياناً في أفق الفكر الغربي، وإن ظلت غير واضحة المعالم أو غير مصاغة بدقة في هذا الإطار.
[2]- سنفصل لاحقًا، في دراسات أخرى، النظرية الميتافيزيقية المتعلقة بتعدّد حالات الوجود، أما هنا فإننا نقتصر فقط على الإشارة إلى ما هو ضروري لفهم ما يتعلّق بتكوين الكائن الإنساني.
[3]- «الشخصية» هنا ليست فردًا أو كائنًا متعيّنًا، بل هي تعيّن أولي غير مشروط للـ«الذات» العليا، أي مظهرها الأول في سياق الوجود، ويمكن تسميتها بـ«الروح الكونية» بشرط ألا يُفهم من ذلك المعنى الغربي المعتاد الذي يُقابل بين «الروح» و«المادة».
[4]- من الناحية اللاهوتية، حين يُقال إنّ «الله روحٌ محض»، فلا ينبغي – على الأرجح – أن يُفهم هذا القول على النحو الذي تُقابل فيه الروح بالمادة، بحيث لا يُفهم أحدهما إلا بنقيضه. ذلك أن هذا الفهم قد يؤدي إلى تصور أشبه بما يُسمى بالتصور الديميُورجي (أي نسبة الخلق إلى كائن فاعل أدنى، متميز عن المبدأ الأعلى)، وهو تصور يقارب من حيث الجوهر مذهب المانوية، التي ترى العالم قائمًا على صراع أبدي بين مبدأ النور ومبدأ الظلمة، أو بين الروح والمادة. ومع أن هذا المعنى الدقيق قد يكون غير مقصود في التعبير اللاهوتي الأصلي، فإن التعبير نفسه – «روح محض» – سهل أن يُساء فهمه، مما قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة وهي استبدال «كائن» متميز بـ«الوجود الخالص» نفسه، أي السقوط في تصور لله بوصفه كائنًا من بين الكائنات، لا الوجود المطلق الذي لا يُحد ولا يُقارن، وهو ما يُعد انحرافًا عن الفهم الميتافيزيقي الحق.
[5]- يمكننا توضيح هذا اللاتناسق (اللامتناظَرَة) بملاحظة تنتمي إلى التطبيق المنطقي الشائع، ولا تتعدى نطاق المنطق العادي: فإذا أخذنا صفةً ما أو خاصيةً معينة، فإننا نقسم بذلك جميع الموجودات الممكنة إلى مجموعتين: الأولى تضمّ الأشياء التي تتصف بتلك الخاصية، والثانية تضمّ الأشياء التي لا تتصف بها. غير أن هذه القسمة لا تكون متساوية في الحُكم أو في التحديد؛ إذ بينما تتحدد المجموعة الأولى تحديدًا إيجابيًا واضحًا، فإن المجموعة الثانية، التي لا يميّزها سوى نفي تلك الصفة، تبقى غير محدودة بطبيعتها وتظلّ غير منتهية بالمعنى المنطقي، فهي غير متجانسة ولا قابلة للقياس مع الأولى. ومن هنا، فلا يوجد بين المجموعتين تماثل حقيقي ولا تناظر، كما أنه لا يمكن اعتبارهما في الحقيقة قسمةً ثنائية متوازنة؛ بل إن التمييز بينهما لا يصح إلا انطلاقًا من وجهة النظر الخاصة بالصفة المعتمدة كمعيار للفرز. ذلك أن المجموعة الثانية قد تضم أشياء لا يجمع بينها جامع، ومع ذلك تبقى هذه القسمة صحيحة ومعتبرة بالنسبة إلى ذلك المنظور الخاص. وهكذا، وبهذا المعنى بالضبط، نُجري التمييز بين الظاهر وغير الظاهر (أو: المُتجلِّي وغير المُتجلِّي)، ثم نميّز داخل الظهور بين الشكلي وغير الشكلي، وأخيرًا نُميّز ضمن ما هو شكلي بين الجسدي وغير الجسدي.
تعليقات
إرسال تعليق