القائمة الرئيسية

الصفحات

الكلمة الإلهية والرمز

  

«رموز العلم المقدس، رينيه غينون، تر: عبد الباقي مفتاح»

 

 


 

سابقا سنحت لنا الفرصة للكلام عن أهمية الشكل الرمزي في تبليغ التعاليم العقائدية (والمبادئ العليا) من الطراز التراثي الروحي والعرفاني ونعود إلى هذا الموضوع للإتيان ببعض التدقيقات المكملة، وأيضا لبيان أكثر تفصيلا لمختلف وجهات النظر التي يمكن أن يُنظر إليه منها.

 

في البداية، تظهر لنا الرمزية كأنها ملائمة بالخصوص إلى مقتضيات الطبيعة الإنسانية، التي ليست هي طبيعة عرفانية خالصة، فهي تحتاج إلى قاعدة محسوسة لترتفع نحو المجالات العليا، كما ينبغي أن تؤخذ التركيبة الإنسانية كما هي عليه، فهي بتعقيدها الواقعي واحدة ومتعددة في نفس الآن، وهذا غالبا ما يتوجه إلى نسيانه، منذ أن زعم ديكارت إقامة فاصل جذري ومطلق بين الروح والجسم. وبالتأكيد، فإنه بالنسبة لعقل خالص (روحاني مجرد) لا يُشترط لفهم الحقيقة وجود أي شكل خارجي أو أي عبارة، بل لا يُشترط ذلك حتى لتبليغ ما فهمه إلى عقول أخرى روحانية مجردة خالصة مثله، بمقدار ما يسمح به التبليغ؛ لكن ليس هذا بالمتاح بالنسبة للإنسان، وفي الصميم، ما من عبارة، وما من صياغة، مهما كانت إلا وهـي رمـز للفكر، وهي المترجمة عنه في الخارج، وبهذا المعنى فاللغة نفسها ليست بشئ سوى رمزية. وبالتالي فلا ينبغي أن يوجد تناقض بين استعمال الكلمات واستعمال الرموز التصويرية، بل إن كل واحد من هذين التعبيرين مكمل للآخر (ويمكن لهما أن يتداخلا معاً، حيث أن الكتابة في أصلها كتابة تصويرية رمزية، حتى أنها أحيانا حافظت على طابعها هذا، كما هو الحال في الصين).

 

وبصفة عامة فإن صياغة النطق لها شكل تحليلي [استدلالي منطقي غير حدسي[ كما هو حال العقل الإنساني الذي يستعمل النطق كأداة خاصة به، تابعة له، مستنسخة لمساره بأدق ما يمكن (أ)، وبالعكس فإن الرمزية بحصر المعنى هي في الأساس تركيبية تأليفية. وبالتالي فهي حدسية إذا صح القول، وهو ما يجعلها أحسن ملاءمة من الكلام لتوظف كنقطة ارتكاز للحدس العرفاني الذي هو أعلى من العقل، والذي يجب الحذر من خلطه مع هذا الحدس السفلي الذي يلجأ إليه العديد من الفلاسفة المعاصرين.

 

وبالتالي، إذا لم نكتف بملاحظة فارق بين التعبير بالكلام والتعبير بالرمز، وإذا أردنا تعيين الأعلى منهما، فإن الرمزية التأليفية، مهما زعم البعض، هي الأعلى، وهي التي تفتح إمكانيات من المفاهيم لا نهاية لها حقا، بينما الكلام، بدلالاته الأكثر تحديداً وتقييدا، يضع دائما للفهم وللإدراك حدودا ضيقها يزيد أو يقل.

 

فلا ينبغي إذن الذهاب إلى القول أن الصيغة الرمزية لا تصلح إلا للعامي، بل العكس هو الصحيح، بل أكثر من هذا هي صالحة أيضا للجميع، لأنها تساعد كل واحد على فهم الحقيقة التي تمثلها، بكيفية يزيد كمالها وعمقها أو ينقص، بحسب الاستعدادات الروحية والمعرفية الخاصة بكل شخص. وهكذا فإن أعلى الحقائق التي لا يمكن أصلا تبليغها أو توصيلها بأي وسيلة أخرى، تصبح قابلة للتبليغ إلى حد ما عندما تكون إن أمكن القول، مندرجة في رموز تسترها عن الكثير من الناس بلا ريب، ولكن في نفس الوقت تكشفها بكل جلاء للأبصار التي تعرف كيف تنظر.

 

فهل هذا يعني أن استعمال الرمزية يعتبر ضرورياً؟ هنا ينبغي القيام بالتمييز التالي: من حيث هو وبكيفية مطلقة، فإن أي شكل خارجي لا يعتبر ضرورياً، فكل الأشكال هي على السواء عرضية وغير جوهرية بالنسبة لما تعبر عنه أو تمثله. وهكذا، تبعاً لتعاليم الهندوس، فإن شكلاً ما، مثلا: تمثال يرمز إلى كذا أو كذا من مظاهر الألوهية، لا ينبغي أن يعتبر إلا قاعدة أي نقطة ارتكاز للتدبر، وبالتالي فهو مجرد مساعد لا أكثر؛ وثمة نص من الفيدا (الكتاب المقدس عند الهندوس) يعطي في هذا الصدد تشبيها يلقي ضوءا كاملا على دور الرموز والأشكال الخارجية عموما:

 

وهو أن هذه الأشكال، مثلها مثل الحصان الذي يتيح للشخص القيام بسفر بكيفيه أسرع وأقل عناء من القيام به بوسائله الخاصة. وبلا شك، فلو لم يكن لهذا الشخص حصان، فإنه يمكنه رغم ذلك بلوغ هدفه، لكن بصعوبة أكبر بكثير، ولو كان بإمكانه استعمال حصان، فمن الخطأ الكبير أن يرفضه بحجة أن الأجدر به أن لا يلجأ إلى أي مساعدة!

 

أليس هكذا يتصرف بالتحديد المشنعون على الرمزية؟ وحتى في حالة السفر الطويل المرهق الذي لا يستحيل القيام به على الأرجل استحالة مطلقة، فإن بلوغ غايته قد يكون مستحيلا عمليا. وهكذا هو الأمر بالنسبة للشعائر والرموز، أي أنها ليست ضرورية ضرورة مطلقة، ولكنها إن صح القول ضرورية ضرورة تلاؤم وتناسب ولياقة بالنسبة لأوضاع الطبيعة الإنسانية.

 

لكن للنفوذ إلى أقصى مدى الرمزية لا يكفي اعتبارها من الجانب الإنساني فحسب، كما فعلنا حتى الآن، وإنما النظر إليها أيضا من الجانب الإلهي، إن يُسمح بمثل هذا التعبير. وقبل ذلك، عندما نلاحظ أن للرمزية أساسها في طبيعة الكائنات والأشياء نفسها، وأنها مطابقة تماما لسنن هذه الطبيعة، وإذا تدبرنا في كون القوانين الطبيعية ما هي إجمالا إلا تعبير عن الإرادة الإلهية فكأنها المظهر الخارجي لها، أفلا يسمح لنا هذا بإثبات أن لهذه الرمزية، كما يقول الهندوس، أصلاً غير بشري، أو بعبارة أخرى، بأن مبدأها يصعد إلى ما هو أبعد وإلى ما هو أعلى من البشرية؟

 

وليس بلا سبب أن يذكر في شأن الرمزية بالكلمات الأولى من إنجيل يوحنا وهي: في البدء كانت الكلمة. والكلمة، اللوغوس، هي في الآن الواحد فكرة وقول، والكلمة الإلهية، من حيث هي، إنما هي الإرادة الإلهية المتوجهة على حضرة الممكنات (ب)؛ وبالنسبة إلينا فهي تتجلى وتعبر عن ذاتها من خلال الخلق، حيث تتحقق في الوجود العيني الحاضر بعض تلك الممكنات التي هي من حيث ذواتها مندرجة فيها [أي في الإرادة الإلهية أو الكلمة[. فالخلق منفعل عن الكلمة، فهو بالتالي أيضا مجلى تجلي الكلمة وتعبيرها الخارجي، ولهذا فكأن العالم كلام إلهي عند من يحسنون فهمه. والفيلسوف بركلاي لم يكن إذن مخطئا عندما قال بأن العالم هو الكلام الذي ينطق به الروح اللامتناهي المطلق إلى الأرواح المتناهية المقيدة، لكنه أخطأ عندما اعتقد بأن هذا الكلام ما هو إلا مجموعة علامات اصطلاحية، بينما في الحقيقة لا وجود بتاتاً لأي اصطلاح اعتباطي حتى في الكلام البشري فما من دلالة إلا وأصلها مؤسس بالضرورة في توافق أو انسجام طبيعي بين العلامة وبين ما تدل عليه أو بين الاسم والمسمى (د). ولكون آدم تلقى من الله تعالى معرفة طبيعة كل الكائنات الحية استطاع أن يعطي لها أسماء (هـ). وكل الملل القديمة الأصيلة متفقة في الدلالة على أن الاسم الحقيقي للكائن ليس سوى تعبير عن طبيعته وذاته نفسها.

 

وإذا كانت الكلمة هي في الباطن فكرة وفي الظاهر قولا، وإذا كان العالم منفعلا عن الكلمة الإلهية المقولة في مبدأ الدهور، فالطبيعة بجملتها يمكن أن تؤخذ كرمز للحقيقة التي هي فوق الطبيعة. فكل ما هو كائن، مهما كان نمطه، بحكم أن مبدأه موجود في العلم الإلهي، يترجم هذا المبدأ أو يمثله بالكيفية المناسبة ووفق نمط وجوده؛ وهكذا، من مرتبة وجودية إلى أخرى تتلوها، تتسلسل كل الأشياء وتتناسق لتساهم في الانسجام الكلي العام الذي هو كالانعكاس أو كالظل للوحدة الإلهية نفسها. وهذا التناسب هو الأساس الحقيقي للرمزية؛ ولهذا فإن قوانين مجال سفلي ما يمكن دائما أن توظف لترمز إلى حقائق من طراز سام حيث توجد علتها الأصلية التي هي مبدؤها وغايتها في نفس الآن.

 

وفي هذا السياق ننبه إلى خطأ تفسيرات المذهب الطبيعي (و) الحديثة للعقائد التراثية العتيقة الأصيلة، وهي تفسيرات تقلب بكل بساطة رأسا على عقب ترتيب النسب بين مختلف مراتب الحقائق الوجودية. مثال هذا، لم يكن أبداً للرموز أو للأساطير دور تمثيل لحركة النجوم، وإنما الحق هو أننا في كثير من الأحيان نجد فيها صورا مستلهمة من تلك الحركة والقصد منها التعبير قياسيا على أمر آخر مختلف تماما، وذلك لأن قوانين هذه الحركة تترجم على مستوى الطبيعة ]فيزيائيا] عن ما ترتبط به من مبادئ على مستوى ما فوق الطبيعة [الميتافيزيقا[. فالسفلي يمكن أن يرمز إلى العلوي، لكن العكس مستحيل (ز). زد على هذا أنه لو لم يكن الرمز أقرب إلى الميدان المحسوس مما يمثله، كيف يمكن له عندئذ القيام بالوظيفة المنوطة به؟ ففي الطبيعة يمكن للمحسوس أن يرمز إلى ما فوق المحسوس؛ والميدان الطبيعي بجملته كذلك يمكن أن يكون رمزاً للمجال الإلهي. ومن ناحية أخرى، إذا اعتبرنا الإنسان بالخصوص، أليس من المشروع القول بأنه هو أيضا رمز لكونه مخلوق على الصورة الإلهية (سفر التكوين (261-27) (ح) ولنضف أيضا بأن الطبيعة لا تكتسب كل دلالتها إلا إذا رأيناها توفر وسيلة ترفعنا إلى معرفة الحقائق الإلهية، وهذا هو أيضا بالتحديد الدور الجوهري الذي عرفناه للرمزية (1).

 

إن بالإمكان التوسع في هذه الاعتبارات إلى مالا نهاية تقريباً، لكننا نفضل أن نترك لكل واحد التعهد بالقيام به بجهد من التدبر الشخصي، فذلك هو الأجدى حقا؛ وهذه الملاحظات، مثلها مثل موضوعها أي الرموز، لا ينبغي أن تكون سوى نقطة انطلاق للتأمل. زد على هذا أن الكلمات لا تسمح بالإفصاح عن المقصود إلا بكيفية ناقصة؛ لكن رغم هذا سنحاول تبليغ فهمه أو على الأقل استشعاره ببيان موجز.

 

الكلمة الإلهية، كما ذكرنا، تُتَرجم في الخلق، وهذا، مع اعتبار الفارق، مماثل قياسيا للفكرة التي تُترجَم في أشكال تحجبها وتظهرها في نفس الآن. ولم يبق هنا مجال للتمييز بين الكلام والرموز (بحصر المعنى). والوحي الأصلي الأول المنبثق كعملية الخلق من الكلمة الإلهية، يندرج هو أيضا في رموز تُورثت جيلا تلو جيل منذ الأصول الأولى للإنسانية؛ وهذه السيرورة هي أيضا مماثلة في مجالها، السيرورة عملية الخلق نفسها. ومن ناحية أخرى، ألا يمكن أن نرى في هذا الاندراج الرمزي للتراث الروحي غير البشري طرازا من الصورة المسبقة أو التمثيل المسبق لتجسد الكلمة؟ أو لا يسمح هذا بمقدار معين باكتشاف علاقة السر الخفية القائمة بين عملية الخلق والتجسد المتوج لها؟ (ك)

 

ونختم بملاحظة أخيرة تتعلق بالرمز العالمي للقلب، وبالأخص بالشكل الذي اكتساه في التراث المسيحي، أي القلب المقدس (Le Sacre Coeur). فإذا كانت الرمزية في جوهرها مطابقة تماما للمخطط الإلهي أو التدبير الرباني، وإذا كان القلب المقدس هو مركز الكائن، حقيقة ورمزاً في آن واحد، فهذا يعني أنه ينبغي لرمز القلب هذا من حيث هو أو من حيث ما يكافؤه، أن يحتل في جميع العقائد المنبثقة بكيفية مباشرة تزيد أو تقل، من الملة الأولى الأصلية، مكانة مركزية بالتحديد، وهذا ما سنحاول بيانه في بعض البحوث التالية.

 

الهوامش:

(1) ربما لا يخلو من الفائدة التنبيه على أن هذه الوجهة من النظر التي تعتبر الطبيعة كرمز لما فوق الطبيعة ليست بالجديدة بتاتا. وقد كانت بالعكس شائعة جدا في القرون الوسطى بالخصوص في المدرسة الفرنسيسكانية ولا سيما عند القديس بوفانتور (ط). ولنلاحظ أيضا بأن المماثلة (بطريق القياس)، بمعناها عند توما الأكويني، وهي التي تسمح بالترقي من معرفة المخلوقات إلى معرفة الله (تعالى)، ليست بأمر آخر سوى كيفية من التعبير الرمزي المؤسسة على التناسب بين المجالين الطبيعي وما فوق الطبيعي (ي).

(أ) يلاحظ هنا العلاقة بين لفظتي (نطق) و(منطق)، وفي اليونانية بين لفظة (لوغوس: الكلمة) ولوجيك المنطق، واللفظة العربية (لغة) واللاتينية (لينغا) المشتق منها في الفرنسية لفظه لونغ: لسان.

(د) علم التصرف بواسطة الحروف والكلمات وأعدادها كله قائم على مبدأ التطابق بين الاسم والمسمى، والاسم الحقيقي لكل شيء هو تقدير إلهي حكيم لا مجال للاصطلاح أو للصدفة فيه. يقول الشيخ محي الدين بن العربي في جوابه عن السؤال 141 من أسئلة الحكيم الترمذي (الباب 73 من الفتوحات) وهو يتعلق بترتيب الحروف (... ونحن إنما ننظر في الأشياء من حيث أن الباري واضعها لا من حيث يد من ظهرت منه فلا بد من القصد في ذلك والتخصيص، فشرحنا لكون الحق هو الواضع لها لا غيره).

(ح) ورد في الحديث الصحيح قول النبي: خلق الله آدم على صورته. وفي رواية أخرى (على صورة الرحمن).

(ط) تأمل سطور الكائنات فإنها ** من الملأ الأعلى إليك رسائل

تعليقات

مواضيع المقالة